|
|
«قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك» .
«قال اني اعلم ما لا تعلمون» .
«وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة» .
«فقال انبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين» .
«قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم» .
«قال يا آدم انبئهم باسمائهم» .
«فلما انباهم باسمائهم» .
«قال الم اقل لكم اني اعلم غيب السماوات والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون» .
الله رد على الملائكة اعتراضها لانها تجهل ما يعلمه الله .
ونفخ الله من روحه في آدم .
وامر الله سبحانه الملائكة بالسجود لآدم .. فهوت جميعا الى السجود ، وراينا ابليس وحده يرفض الامر الالهي وقد طفح الحقد والتكبر على شكله .
«قال يا ابليس مالك الا تكون مع الساجدين» .
«قال لم اكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون» .
«قال فاخرج منها فانك رجيم» ... «وان عليك اللعنة الى يوم الدين» .
«قال رب فأنظرني الى يوم يبعثون» .
«قال فانك من المنظرين * الى يوم الوقت المعلوم» .
«قال رب بما اغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم اجمعين * الا عبادك منهم المخلصين» .
«قال هذا صراط عليّ مستقيم» .
«ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين» .
وطرد الله ابليس وقال له :
«اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لاملان جهنم منكم اجمعين» (1) .
وشعرت بالدهشة من وقاحة الشيطان .. يتمرد على الله سبحانه خالق كل شيء ، واردت ان اعرف ماذا حصل بعد ذلك ، كيف سيغوي الشيطان آدم وذريته .
الله سبحانه اعد لآدم مكانا للحياة الهانئة ، وحذره من الشيطان واحابيله .
قال الله سبحانه لآدم بعد ان خلق له زوجه : «ويا آدم اسكن انت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين» .
«فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا ان تكونا ملكين او تكونا من الخالدين» .
«وقاسمهما اني لكما لمن الناصحين» .
«فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة» .
«وناداهما ربهما الم انهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين» .
«قالا ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين» (2) .
وغفر الله سبحانه لآدم وحواء معصيتهما بعد ان تطهرا بالندم والبكاء والعودة الى الله . وقال الله سبحانه يخاطب الجميع :
«قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين» .
«قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون» (3) .
واصبحت الارض مكانا للامتحان ، ومحلا للاختبار ، وطريقا للتكامل نحو الله سبحانه .
|
(1) الاعراف : الآية 18 .
(2) الاعراف : الآيات 19 ـ 23 .
(3) الاعراف : الآيتان 24 و 25 .
|
|
العفو الالهي
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
ذات ليلة وفي عالم المكاشفة رأيت مدينة يغمرها النور ، وعندما حدقت جيدا فاذا هي (المدينة المنورة) في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، واذا هو صلى الله عليه وسلم على مرتفع وقد نزلت عليه هذه الآية الكريمة : «والذين اذا فعلوا فاحشة او ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم» (1) .
وفي هذه اللحظة وقعت عيني على قمة جبل ثور في مكة ، واذا ابليس يصرخ ويدعوا الشياطين جميعا ، واذا هم يحدقون به من كل جانب ، وقد قدِموا بسرعة مدهشة ، والكل يتساءل ماذا حصل ، وما الامر ؟
قال ابليس قد نزلت من الله آية على رسوله الى الناس : «والذين اذا فعلوا فاشحة او ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم» ، وهذا يعني ان الانسان مهما ارتكب من المعاصي ، ومهما اجتهدنا في اغوائه ، فانه سيعود الى الله بالتوبة ، وسيغفر الله ذنوبه جميعا ، وتذهب جهودنا هباءا منثورا !
فمن منكم يستطيع ان يعطل هذه الآية عن عملها فلا تؤثر في الناس ؟
قال عفريت من الشياطين : انا لها .
قال ابليس : انت اعجز من ذلك .
وقام آخر فقال : انا . فاجلسه ابليس ، حتى اذا قام شيطان اسمه الخناس وقال : انا لها ، ان سمحت لي فاقول ما سافعل .
|
|
(1) آل عمران : الآية 135 .
|
قال ابليس : ما الذي ستقوم به ؟
قال الخناس : في البداية اعدهم وامنيهم واوسوس لهم بالمعاصي وما فيها من المنافع واللذات ... فاذا اصغى ووقع في المعصية احول بينه وبين التوبة والاستغفار بالنسيان . فرح ابليس وقال : انت لها يا خناس (1) .
وفي عالم المكاشفة قال لي النور المقدس : الآن وقد رأيت ما جرى ، ورأيت كيف يمكن للشيطان ، ارى ان تتصل به مباشرة فتعرف صفاته وخصائصه ..
ثم اشار الى ظلمة كثيفة وقال : انظر في ذلك السواد الذي يشبه الدخان ستجد هناك ابليس ، فاذهب اليه وسله عما تريد .
|
|
(1) تفسير البرهان : 316 ، الحديث 5 . بحار الانوار 6 / 197 ، الحديث 6 .
|
|
مقابلة مع الشيطان
|
|
|
 |
في البداية سالته عن هدفه من وراء اغواء ابناء آدم ؟
قال : نفس الهدف الذي عندكم انتم يا اهل الدنيا ؛ ما الذي تطمحون اليه في دنياكم ؟ لماذا وانا المخلوق من النار .. النار التي هي اشرف الموجودات لا يكون لي اتباع وسلطان (1) .
انا موجود خطير له شان ، وذات يوم امرني الله ان اسجد لآدم ذلك المخلوق الطيني . وقد يامرني بامر آخر يعني يريد من الطاعة والتسليم الكاملين بلا قيد او شرط . فلا تكون لي ارادة مستقلة وشخصية مستقلة ، انه يريد مني تحطيم عظمتي وقدرتي ويسحق شخصيتي ، او كما يقال ان اكون عبدا له وهو مولاي .. فما فائدة ذلك اذن ؟ لو كنتم مكاني ايها البشر وكانت لكم كل هذه القدرة والمجد (2) ، اكنتم تفعلون غير ما فعلت ؟
بعضكم لا يملك واحد بالالف من قدراتي ، واذا ملك ذلك فانه يبحث عن اعوان واتباع ومريدين ، انتم تبحثون عن الشهرة ، وتتورعون عن فعل كل شيء في سبيل ذلك ، وهذا ما فعلته . ان الفرق الوحيد بيني وبينكم هو انكم لا شخصية مستقلة لكم ، انتم تعتبرون انفسكم عبيدا لله واولياء له ، وتقولون ذلك للناس حتى يتبعوكم .. اما انا فاعمل باستقلالية .
|
(1) الامام امير المؤمنين عليه السلام في سجود ابليس : «فانه سجد سجدة واحدة اربعة آلاف عام ، لم يرد بها غير زخرف الدنيا ، والتمكين من النظرة» بحار الانوار 60 / 235 ، الحديث 76 .
(2) الاصل الناري . (المترجم)
|
والله يحذركم مني ومن شري بل وقال انني عدو له ، وانني اقطع الطريق على الله . انتم تدعون الى انفسكم على اساس انكم احباء لله ، والاجدر ان تسالوا انفسكم لماذا انتم تفعلون ذلك وتضلون الناس ؟
قلت له : كيف ترتبط مع اتباعك ؟
قال : كما ان الله يتحدث الى الناس مع اوليائه (وكما تقولون انتم بواسطة الوحي) فانا ارتبط بهم ايضا بهذه الوسيلة (1) .
واذا كان الله يرتبط بالناس عن طريق الالهام فيقذف في نفوسهم وقلوبهم نور الحقيقة ، فانا اقوم بالوسوسة اليهم ، يعني اتحدث بصوت غير مسموع ، وادفع بهم الى طريق الشر .
واذا كان الله يبلغ رسالاته الى الناس عن طريق الانبياء ، فانا ايضا اقوم بابلاغ الكثير من اللوائح الى الناس ، عبر اتباعي من البشر وعملائي ، فهناك العشرات من الكذابين والدجالين والطواغيت (2) .
واعلم ايضا ان رسلي هم علماء يتبعون اهواءهم ، ولا همّ لهم الا طلب الجاه والشهرة والرئاسة ، فهؤلاء هم رسلي الذين يتزعمون الحركات الفكرية الهدامة والضالة ، ويدعون الناس الى طريق بعيد عن طريق الله ..
وانظر الآن الى اتباعي ، فمن مجموع خمسة مليارات من سكان البشر لا يوجد من يعبد الله ويتبع طريقه الا القليل ، والآن هل فهمت من اكون ، ومدى قدرتي ؟
وادركت وهو يتحدث ان ما كشف عن ذاته الخبيثة قد صرح به القرآن الكريم وجاءت به الروايات والاخبار .
وانتبهت الى نفسي على يد تربت فوق كتفي لتخلصني من اي تاثير شيطاني قد يتسلل لنفسي .. وكانت يد دليلي الذي قال لي : والآن انظر كيف يقوم الشيطان باغواء الآخرين . وفي عالم المكاشفة حيث يصبح الانتقال من مكان الى مكان ،
|
(1) «وان الشياطين ليوحون الى اوليائهم» الانعام : الآية 121 .
(2) «شياطين الانس والجن يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا» الانعام : الآية 112 .
|
ومن زمان الى زمان امرا ميسورا .
في هذا العالم نظرت الى الجهة التي اشار اليها دليلي ، فرأيت على حافة الصحراء مدينة صغيرة ، وكان سكانها يجلون شخصا ويتعاملون معه بقداسة ، كما لو انه الرب ، يقبلون يديه ، ويقعون على قدميه .
وفي عالم المكاشفة ، حيث يمكن سبر اغوار الانسان وحقيقته ، وجدت ذلك الرجل جاهلا مغرورا وانانيا لا يعبد الا هواه ، ذليلا امام الشيطان .
اقتربت مع دليلي منه لنرى ما قال له الشيطان ، وكيف دفعه الى ارتكاب جريمته البشعة ، ولماذا يساعد الشيطان ويصبح آلة طيّعة بيده .. رأينا حياته الماضية تتمثل امامنا كشريط سينمائي منذ ايام طفولته ودراسته ..
كان طفلا ذكيا حاد الذكاء ، فكان الاول على اقرانه في كل ميدان . معلمه معجب به ، الناس الذين يعرفونه يثنون عليه ويشجعونه لكي يتقدم في دراسته اكثر فاكثر ، وكان هذا التشجيع بمثابة سماد يزيد في نموه كشجرة تتغذى بالاسمدة . وينسى البستاني مبيدات السموم التي تحمي تلك الشجرة من الآفات ، لقد تركوا الصبي دون درس اخلاقي لتهذيب اخلاقه وتزكية نفسه ، فتسلل اليه التكبر والغرور والانانية حتى حصل الذي حصل .
في ذلك الصباح توفي ابوه وغادر الدنيا ، وكان يومها في السابعة عشرة من عمره ، فعامله الناس باعتباره مسؤول الاسرة ، وتصرفوا معه باحترام كامل كشخص يقوم مقام والده .. وهذا العمل ليس خطأ في حد ذاته ، ولكنه لم يتلق تربية اخلاقية كافية . ومن هنا تسلل الشيطان ، ففي تلقّي التعازي تمثل الشيطان كاحد الناس وراح يعامل الفتى بما ينفخ في نفسه الغرور والتعالي على الناس .
ثم وسوس اليه ان هؤلاء الناس غير جديرين بالاحترام ، وما دام الناس يجلونه فلماذا لا يسعى الى الزعامة والرئاسة ، بل ويطلب منهم ان يكونوا عبيدا له .
فوسوس له الشيطان تزوير وصية عن ابيه ما دام ختمه وامضاءه في يده ، فيحوز اولا ثلث امواله ، فينفق بعضها على الرمالين والمشعوذين وادعياء التنجيم وبعض الدراويش ، ويتعلم منهم بعض الاعيبهم العجيبة ، ثم يطرح نفسه دليلا للناس على
طريق الكمال والحقيقة ، ثم يتظاهر بالزهد ليتسلل الى قلوب الناس . ثم استفاد من بعض المحتاجين الذين يبحثون عمن يقرضهم ، او المرضى ممن ينشدون الشفاء ، فساعده الشيطان على شفاء بعض الحالات المرضية ، وقد شهدت مثلا احدهم ، وكان مصابا بـ (الهستيريا) ، وقد اصيب بالشلل النصفي جراء ذلك ، فجاء الى ذلك الشاب وقد اُصيب بانهيار روحي ، ويحتاج الى بعض الايحاءات التي تعزز الثقة في نفسه ، فاجراها عليه ، وارشده الى بعض الادوية العشبية التي تنفع في التسكين فاسترد عافيته .
الذين شهدوا الحادثة اعتبروا ذلك كرامة ما بعدها كرامة ، وانتشر الخبر بين الناس فاحدقوا به ، ولم يكتف الشاب ان يعرف نفسه وليا من اولياء الله ، بل ادعى القطبية ؛ يعني انه لا نظير له في العالم ، فهو نقطة المركز في دائرة الفرجال ، وانه الامام ، ومن له الاتصال المباشر مع الله ، وان كل الصفات التي يفترضها المسلمون عن الانسان الكامل تجتمع فيه ، وكان الشيطان يساعده في دعايته ، ويوحي اليه ، وكما يدعي انه يسمع صوتا ياتيه من الغيب ..
وهكذا انخدع به البسطاء من الناس والسذج ، وقد وصل به الغرور والضلال الى اختراع مذهب ، وانا لا اريد التصريح باسمه حتى لا ينهض للدفاع عن مذهبه ، ويستعين بالشيطان في تثبيت ركائز مذهبه الضال .
|
تغيير المفردات
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
في احدى مكاشفاتي رأيت شخصا قادما اعرفه من بعيد ، اخذ بيدي وانطلق بي الى الصحراء بعيدا عن العمران ، وقال لي في الطريق : ان احد اعمال الشيطان لاغواء الناس على المدى البعيد ، ويعاونه في ذلك اتباعه من الانس والجن ، هو افراغ المفردات من معانيها الحقيقية في اذهان الناس ، ومنحها معاني مزوّرة خاطئة (1) .
والآن لننطلق الى الازمنة السحيقة ، حيث بداية النوع الانساني على وجه الارض ..
لننظر الى ذلك الجبل .. وعندما حدقت في الجهة التي اشار اليها رأيت الشيطان وحوله اتباعه من الجن الشياطين ، وقد احدقوا به وهو يزوّدهم بتعليماته وحبائله في اغواء البشر :
ان افضل وسيلة لاغواء بني آدم هي تغيير المعاني الحقيقية للمفردات الدينية ، وصياغة مفاهيم جديدة معاكسة وترويجها بينهم (2) .
وبرقت عيون الشياطين بالشر لهذه الخطة الخبيثة في تضليل الناس واغوائهم .
|
(1) «ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين * انما يامركم بالسوء والفحشاء وان تقولوا على الله ما لا تعلمون» البقرة : الآيتان 168 و 169 .
(2) «وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا» الانعام : الآية 112 .
|
وراحوا يتداولون الراي في كيفية تنفيذ هذه الخطة : ما هي المفردات التي ينبغي قلب معانيها ، وما هي المفردات التي يمكن تغيير معانيها ، والمفردات التي يمكن تشويه معانيها الحقيقية ؟
وكان كل واحد يقول ما في جعبته من المكر والخديعة والاحابيل (1) .
قال ابليس : اولا نلقّن بني آدم ونعرّفهم بان الله جبار قهار منتقم قبل ان يكون رحمانا رحيما ورؤوفا كريما ، حتى تكون فكرة الله في اذهانهم مقرونة بالظلم ، وانه يفعل ما يشاء بلا حساب ، وان الانسان مهما عبد الله ، حتى لو عبده مئة عام ، فمصيره عند الله مجهول ، وعاقبته غامضة ، وقد يعذبه الله في النهاية اشد العذاب !
وانطلق الشياطين يوحون الى اوليائهم ؛ وراح هؤلاء الاولياء ، واتباع الشيطان من الانس ، يرسمون صورة مخيفة عن الله والملائكة ، حتى ان الانسان لا يذكر الله او الملائكة الا وارتسمت في ذهنه صورة مرعبة . وشيئا فشيئا ذابت في اذهانهم صور المغفرة الالهية والعفو والرحمة .
كيف بدا الشيطان ذلك ؟ جاء الى انسان يعتبره الناس مقدسا ، وهو في الواقع انسان امي جاهل لا رحمة في قلبه ، فاوحى اليه ان يعمل على وعظ الناس ، ولكن كيف سيعظهم ؛ وهنا القى الشيطان في ذهنه ان يحمل الناس على الخوف من الله ، فراح يصور لهم سطوة الله وغضبه وانتقامه ، ولم يحدثهم مرة واحدة عن عفوه ومغفرته ورضوانه ، وهو في كل هذا يتصور انه قد انتهج الطريق الصالح لحمل الناس على طاعة الله .
قال ابليس لشياطينه في ذلك الاجتماع الهام والخطير :
عليكم ان توسوسوا للناس عن حب الدنيا ، والاقبال على ماديات الحياة وزخارفها ، وان هذه الحياة الدنيا هي كل شيء ، وان الاكثار من بهارج الحياة يعني السعادة ..
|
|
(1) الامام الباقر عليه السلام : «ان الشياطين يلقى بعضهم بعضا ، فيلقي اليه ما يغوي به الخلق حتى يتعلم بعضهم من بعض» تفسير البرهان 1 / 549 ، الحديث 3 .
|
اقطعوا الطريق الى الله ، طريق الحب الالهي ؛ لان الانسان اذا سلك هذا الطريق فانه يصل مرحلة الخلوص ، وسيكون الله دائما في وجدانه ، وعندها سوف نعجز عن اغوائه ؛ ولان الانسان اذا احب الله فانه سيرفضنا ويطردنا ولن يصغي الى صوتنا .. نحن اعجز من اغواء اي انسان مخلص (1) .
مرق شيطان مريد كلف بتغيير معنى مفردة «الزهد» لكي يقطع طريق الناس عن خير الدنيا وخير الآخرة ؛ وبدأ نشاطه هكذا .
في البداية ذهب الى مجموعة من الفقراء الكسالى الخاملين ، فانتخب منهم عددا ، ثم راح يوسوس اليهم : لقد تركتم الدنيا واعرضتم عنها ، فمرحى لكم ، انتم الزهاد .. واعراضكم عن امور الدنيا ، وشؤون الناس هو الزهد ..
وبهذه الطريقة شوه الشيطان مفهوم الزهد ، وجعله رديفا للكسل والتواكل والخمول والانقطاع عن الدنيا .
وراح الشيطان يشيع المعنى المزيف للزهد ، فاذا ذكرت مفردة الزهد تداعت الى ذهن المرء صور التكامل والخمول والموقف السلبي من الحياة .
اما الزهد بمعناه الحقيقي وبما جاءت به كتب السماء والرسالات الالهية فهو الاعراض عن حب الدنيا والانشداد اليها لا الاعراض عن نفس الدنيا ، فالزهد الحقيقي هو التحرر من كل القيود والاغلال التي تصادر حرية الانسان الحقيقية ، لكي لا يكون عبدا للاطماع ، فلا يحزن على ما فاته من متاع الدنيا ، ولا يفرح بمظاهرها الخادعة (2) .
فالزهد بمفهومه الصادق لا يتعارض مع النشاطات الاجتماعية والسياسية والدنيوية .
وانطلق شيطان آخر ، وكانت ماموريته تشويه مفردة «الصبر» ، فالصبر بمعناه الحقيقي هو المقاومة وتحمل المشاق في سبيل تحقيق الاهداف الانسانية العليا ،
|
(1) «ولأغوينهم اجمعين * الا عبادك منهم المخلَصين» الحجر : الآيتان 39 و 40 .
(2) «لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» الحديد : الآية 23 .
|
ولكن الشيطان راح يوحي الى من يصغي لوسوساته انه الانسحاب من الحياة ، والخنوع ، والوقوف مكتوفي الايدي ، وعدم الاقدام على اي عمل ايجابي .
وانطلقت شياطين اخر لتشويه معنى «التقية» لتكتسب معاني مشوهة تصل الى حد المداهنة والنفاق ، فترى الجبناء والخائفين يروجون للتقية بهذا المعنى الهابط الذي يتنافى مع معطيات القرآن والشريعة الاسلامية ..
وهكذا نرى ابليس يبتهج لهذا النجاح الكبير في تضليل واغواء الناس بعد ان تمكن اتباعه من الهاء الناس بالخرافات والطلاسم والشعوذة والاسرار والالغاز ، وبعد ان اعتقد الناس ان فيها قوى خفية (1) .
وابليس لا يخلد للراحة ابدا ، ولا يقف مكتوف الايدي ، فتراه يحوم هو واتباعه على قلوب الناس ، يحجبون عنهم الرؤية الواضحة للاشياء (2) .
والشياطين من الخبث والمكر بحيث لم يتركوا شيئا الا ولجوه وشوهوه ، حتى مسالة الطهارة نجد الشيطان يوسوس الى هذا الرجل ، او تلك المراة ، فتراهما يشككان في صحة الوضوء ، ويعيدانه مرة واخرى وثالثة ، والشيطان لا ينفك يوسوس ان الوضوء باطل ! هناك جرم حجب الماء عن جزء من الوجه ... او ان الماء لم يغمر هذا المكان من العضو المراد غسله .
وربما يدرك المرء ان هذه الشكوك وسوسة ، ولكنه لا يجد من حيلة بعد ان اصغى للشيطان واطاعه .
فترى احدهم في ذلك الجو البارد ، القارص البرد ، وهو يغسل وجهه بالصابون مرارا وتكرارا ، ويحك جلده حتى يكاد يسلخه ، ومع هذا يوسوس له الشيطان : ان اردت التاكد من عدم وجود مانع فانظر الى وجهك في المرآة وحدق جيدا .. فاذا
|
(1) «واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر» البقرة : الآية 102 .
(2) رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لولا ان الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا الى ملكوت السموات والارض» بحار الانوار 60 / 332 .
|
فعل ذلك عاد الشيطان ، ولكن هل تاكدت من وصول الماء الى زوايا عينيك واطراف منخريك !
ولا يتركه الشيطان الا هو ممزق نفسيا ، يتوضأ وفي نفسه الشك والوسواس من احتمال بطلانه وعدم صحته (1) .
وربما ترى امراة وسواسة تغسل اشياء وتطهرها ، ثم لا تطمئن لطهرها ، فتعيد غسله مرارا وتكرارا ، فاذا حل ضيف في المنزل فذلك يوم الثبور !!
وقد ترى مريضا مصابا بوعكة صحية خفيفة ، ولكن الشيطان يوسوس له انه مصاب بمرض خطير ، وان عليه ان يراجع الاخصائيين ، ولا يكتفي بواحد او اثنين ، بل عليه ان يدور على كل العيادات حتى يتاكد من سلامته !! فتراه يتصرف كما لو انه مصاب بالمرض الفلاني مع انه سليم معافى من كل شيء !
|
|
(1) الامام علي عليه السلام : «اذا توضأ احدكم ولم يسم كان للشيطان في وضوئه شرك» بحار الانوار 60 / 203 ، الحديث 27 .
|
|
|