بين يدي الاستاذ 339

دعوتكم ، فاستجبتم لي بمجرد ذلك ، هذا وقد اقامت عليكم الرسل الحجج والادلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به ، فخالفتموهم ، فصرتم الى ما انتم فيه «فلا تلوموني» اليوم «ولوموا انفسكم» ، فان الذنب عليكم لكونكم خالفتم الحجج ، واتبعتموني عندما دعوتكم الى الباطل «ما انا بمصرخكم» بنافعكم ومنقذنكم ومخلصكم مما انتم فيه ، «وما انتم بمصرخي »بنافعي بانقاذي مما انا فيه من العذاب والنكال «اني كفرت بما اشركتمون من قبل» . قال قتادة : اي بسبب ما اشركتموني من قبل . وقال ابن جرير : يقول : اني جحدت ان اكون شريكا لله عز وجل .. وهذا الذي قاله هو الراجح .. وحين يقف الانسان وقرينه امام الله في الآخرة يقول الانسان : يا رب ، هذا اضلني عن الذكر بعد اذ جاءني ، فيقول شيطانه الذي وكّل به : «ربنا ما اطغيته ولكن كان في ضلال بعيد» (1) ، فيقول الله :
«لا تختصموا لدي وقد قدمت اليكم بالوعيد * ما يبدل القول لديّ وما انا بظلام للعبيد» (2) .
لا سلطان للشيطان على المؤمن .
والايمان يفيض على النفس اشراقا ، ويملأ القلوب نورا ، واذا اشرقت النفس واستنار القلب انمحى كل ما يوسوس به الشيطان .
«فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * انما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون» (3) .
واذا الم بالقلب الموصول بالله من مس الشيطان شيء فسرعان ما يستيقظ :
(1) ق : الآية 27 .
(2) ق : الآيتان 28 و 29 .
(3) النحل : الآيات 98 ـ 100 ، ففي الآية الاولى نفى سلطانه على المؤمنين المتوكلين ، وفي الثانية اثبت سلطانه على من تولاه وعلى اهل الشرك .. والمقصود بالسلطان الطريق الذي يتسلط به على الغير بالاغواء والاضلال .
بين يدي الاستاذ 340


«ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون» (1) .
وقد استطاع الشيطان ان يغري آدم بالاكل من الشجرة ، وان يوقعه فيما حظره الله عليه ، وان يحرك في نفسه بواعث الهوى ودواعي الشر اغراء وخداعا .
«وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا ان تكونا ملكين او تكونا من الخالدين * وقاسمهما اني لكما لمن الناصحين * فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما الم انهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين» (2) .
الا ان نوازع الخير ودواعيه تيقظت في قلب آدم وحواء ، وعلما انه خدعهما ومكر بهما ، فتغلبت هذه النوازع والدواعي على وسوسة الشيطان وحظه من النفس ، فتابا الى الله ، وانابا قائلين :
«قالا ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين» (3) .
فقبل الله توبتهما واستجاب دعاءهما :
«فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم» (4) .
«وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى» (5) .
وبالتوبة والانابة الى الله تغلب جانب الخير على جانب الشر ، ومتى تغلب جانب الخير على جانب الشر في نفس الانسان تعرض لهداية الله ، وكان اهلا للاجتباء والاصطفاء .
والله لم يذكر لنا هذه القصة الا لتكون مثلا حيا لما ينبغي ان يكون عليه الانسان ، فالانسان لم يخلق ملكا منزها عن النقائص ، وانما خلق وعنده استعداد للبر والاثم ،
(1) الاعراف : الآية 201 .
(2) الاعراف : الآية 20 ـ 22 .
(3) الاعراف : الآية 23 .
(4) البقرة : الآية 37 .
(5) طه : الآيتان 121 و 122 .
بين يدي الاستاذ 341

والصواب والخطأ ، والخير والشر ، والطاعة والمعصية ، والتقوى والفجور .
«ونفس وما سواها * فالهمها فجورها وتقواها» (1) .
والانسان بمقتضى خلافته عن الله في الارض مكلف بان ينمي في نفسه معاني البر والصواب والخير والطاعة والتقوى ، وان يقاوم نوازع الاثم والخطأ والشر والفجور حتى يبلغ الكمال الروحي الذي اراد الله له .
وفي هذه المعركة يتدخل الشيطان ؛ ليصرف الانسان عن تنمية قواه العليا من جانب ، وليضعف من روح المقاومة بطريق الخداع والاغراء والتزيين من جانب آخر .
ومن ثم كان واجبا على الانسان ان يحذر مكايد الشيطان ، ويعرف اساليبه التي يتخذها ؛ ليصرف الانسان عن وظيفته الاولى في هذه الحياة .
فاذا زلت به قدم ، او تورط في الاثم ، او جانبه صواب ، او مارس شرا ، او اقترف معصية ، او ارتكب فجورا ، فامامه السبيل الذي رسمه له ابوه من التوبة ، واستئناف حياة ازكى واطهر .
وبهذا يخلص الانسان من سلطان الشيطان وسيطرته عليه .

مقاومة الشيطان :

ان الله لم يذكر في القرآن النفس الامارة بالسوء ، ولا النفس اللوامة الا مرة واحدة ، ولكنه ذكر الشيطان وكرر التحذير منه في صور متنوعة ، وما فعل ذلك الا ليكون الانسان منه على حذر ؛ كي لا يضل ولا يشقي ؛ ذلك ان عمل الشيطان في النفس مثل عمل الميكروب في الجسم ، والميكروب ينتهز فرصة ضعف الجسم فيهجم عليه محاولا القضاء عليه والفتك به ، ولا خلاص للجسم من عمل الميكروب الا اذا كانت له حصانة ، وفيه مناعة تبطل عمل الميكروب ، وتقضي على ضراوته .
(1) الشمس : الآيتان 7 و 8 .
بين يدي الاستاذ 342


وكذلك الشيطان ينتهز فرصة ضعف النفس ومرضها ، فيهجم عليها محاولا افسادها .
ولا خلاص منه الا اذا صحت النفس من امراضها ، التي هي المداخل الحقيقية للشيطان ووسوسته .
وامراض النفس التي هي مداخل الشيطان هي نقائص الانسان التي يجب عليه ان يتخلص منها حتى لا يكون للشيطان سبيل عليه ، وهذه الامراض او هذه النقائص هي على سبيل المثال لا الحصر :
الضعف ، واليأس ، والقنوط ، والبطر ، والفرح ، والعجب ، والفخر ، والظلم ، والبغي ، والجحود ، والكنود ، والعجلة ، والطيش ، والسفه ، والبخل ، والشح ، والحرص ، والجدل ، والمراء ، والشك ، والريبة ، والجهل ، والغفلة ، واللدد في الخصومة ، والغرور ، والادعاء الكاذب ، والهلع ، والجزع ، والمنع ، والتمرد ، والعناد ، والطغيان ، وتجاوز الحدود ، وحب المال ، والافتتان بالدنيا ، فهذه هي امراض النفس ، وبواسطتها يتسلل الشيطان ليدمر حياة الانسان ، وليزحزحه عن فضائله العليا .
ولا سبيل الى طرده ومعالجة وسوسته واغوائه الا اذا عولجت النفس اولا عن طريق المجاهدة حتى تبرا من هذه الامراض جميعها ، وتعود اليها الصحة والعافية ، وتكون نفسا مطمئنة بالحق والخير .
ان سعادة الانسان لا تتم الا بكبح جماح النفس ، والتغلب على هواها باتباع وحي الله ، ومحاربة نزغات الشيطان .
«وقل رب اعوذ بك من همزات الشياطين * واعوذ بك رب ان يحضرون» (1) .
«قل اعوذ برب الناس * ملك الناس * اله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس» (2) .
(1) المؤمنون : الآيتان 97 و 98 .
(2) سورة الناس .
بين يدي الاستاذ 343



حكمة خلق ابليس :

وقد يقال : لِمَ خلق الله ابليس يوسوس بالشر ، ويدعو الى محادة الله ومحاربة تعاليمه ، وقد اجاب عن ذلك بعض العلماء فقال : انه يظهر للعباد قدرة الله تعالى على خلق المتضادات المتقابلات . فخلق هذه الذوات التي هي اخبث الذوات وسبب كل شر ، في مقابلة ذات جبريل التي هي من اشرف الذوات واطهرها . وهي سبب كل خير ، فتبارك الله خالق هذا وهذا . كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار ، والدواء والداء ، والحياة والموت ، والحسن والقبيح ، والخير والشر ؛ وذلك دليلا وبرهانا على كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه ، فانه خلق هذه المتضادات ، وقابل بعضها ببعض ، وجعلها مجال تصرفه وتدبيره ، فخلو العالم عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته ، وكمال تصرفه وتدبير مملكته .
ومنها ظهور آثار اسمائه القهرية : مثل القهار والمنتقم والعدل والضار والشديد العقاب والسريع الحساب وذي البطش الشديد والخافض والرافع والمعز والمذل ، وان هذه الاسماء والافعال كمالات لابد من وجود معتلها ، ولو كان الجن والانس على طبيعة الملائكة لم يظهر اثر هذه الاسماء (1) .
ومع كل هذا الحث في تخطئة الشيطان فقد ظهرت نزعة ، في فرنسا خاصة ، في اوائل القرن التاسع عشر كانت روحها العامة الدفاع عن الشر ، وتمجيد الشيطان في الاساطير لِما نُسِبَ اليه من شجاعة وكبرياء عند مواجهته للسلطة الالهية ، فاصبح يُنظر اليه بوصفه شبه زعيم ثوري بطولي . وكانت هذه النزعة بمثابة بدعة لدى الشعراء الرمانتيكيين الفرنسيين : من امثال فيكتور هوجو Victor Hugo ، والفريد دي موسيه Alfted de Musset ، وشارل بودلير Charles Baudelaire ، الذين استوحوا هذه الاتجاه من اللورد بايرون Lord Byron ، في انجلترا ، وهنريخ فون كلايست Heinrich von Kleist في المانيا ، والماركيز دي ساد D.A.F de sade في فرنسا (2) .
(1) العقائد الاسلامية : 144 ـ 155 .
(2) معجم المصطلحات العربية في اللغة والادب ـ مجدي وهبة : 120 .
بين يدي الاستاذ 344


وشخصية الشيطان تظهر كثيرا في القصص والمسرحيات عبر تاريخ الآداب الاوربية منذ تاثرها بالمسيحية ، واهم سمة لشخصية الشيطان ، اشتقت من وصفه في العهد القديم وفي الانجيل ، وهي شدة غروره وثوريته الناتجة عن عصيانه للسلطان الالهي ، فوصف الشيطان في آداب العصور الوسطى بانه قائد جيش من الابالسة ، ووحش قبيح جدا ، اقصى همه بث الفتنة والفوضى في الخليقة ؛ ليثار من ربه . لذلك كان مجال نشاطه الانسان ، وسلاحه الاغراء بالثراء ، وتحقيق رغبات الجسد والنفس ، وسوى ذلك من المغريات . ويتحقق ذلك بابرام عهد بينه وبين الانسان يُسلم الانسان بمقتضاه اليه روحه ، ويمنحه الشيطان في نظير ذلك كل ما ترتضيه نفسه . وفكرةالعهد هذه تظهر في المسرحية الدينية لتيوفيلوس Le mysere de Theophile التي تطورت من اصل يوناني قديم في القرن السادس الميلادي ، حتى انتشرت في كل آداب اوربا في القرن الثالث عشر ، ولا يقوى الانسان على خبث الشيطان وحيله الا بالتقوى والخضوع للارادة الالهية مهما كلفه ذلك من ثمن وتضحية . وقد يؤدي افساد خطط الشيطان الى تحوله شخصية حقيرة مضحكة ، كما هي الحال في كثير من المسرحيات الدينية الشعبية في العصور الوسطى . اما الشيطان المغرور المخيف فنجده بصفة خاصة في كتاب «الجحيم» من (الكوميديا الالهية) لدانتي (المؤلفة فيما بين 1307 ـ 1321م) ، وفي مسرحية (الساحر العجيب) El magico Prodigioso ـ(1637م) للمؤلف المسرحي الاسباني كالديرون ديلا باركا Calderon de la Parcaـ (1600 ـ 1681م) ، كما ان شخصية هذا الشيطان ازدادت عمقا نفسيا وتعقيدا في ملحمة (الفردوس المفقود) Paradise Lost ـ (1667م) لجون ميلتون John Milton ، حيث ظهر بكل مظاهر العظمة والفطنة والصفات القيادية الممتازة ، والتعصب للتحرر من كل الضغوط ، واصبحت هذه الشخصية تلعب دورا كبيرا في خيال شعراء اوربا الرومانتيكيين منذ اواخر القرن الثامن عشر حتى اواخر التاسع عشر .
وهناك جانب آخر لشخصية الشيطان في الادب استولت ايضا على خيال الرومانتيكيين هي شخصية الشيطان الحزين الذي يبكي آلامه وفشله ، ولا يبتهج

بين يدي الاستاذ 345

بفوزه ، كما هي الحال في شخصية ميفيتسوفيليس Mephistopheles في اسطورة (الدكتور فاوست) Dr . Foustus الشهيرة . ويلاحظ ان تطور نظرة الادباء لشخصية الشيطان منذ القرن الثالث عشر حتى القرن العشرين شمل صورا عديدة من الشخصية البذيئة الهزلية ، الى المارد العظيم ، الى محب الحرية ، الى مدرك زيف الدنيا الى الفيلسوف المتشكل الحزين (1) .
وهكذا يرمز الشيطان الى كل القوى المخيفة ، المظلمة ، التي تُضعف الوعي ، وتجعله يتراجع الى وسط الليل (الالتباس والغموض) في مقابل مركز الضوء (الله) : الشيطان يحرق في عالم سفلي ، الله يشع في السماء .
الشيطان رمز الكائن الخبيث ، الشرير ، اللعين ، مهما تانق في ازيائه ، وتحلى في اقنعته ، وتجلى في اشكاله . فهو دوما الغاوي والجلاد .
الشيطان (المقسِّم والمبدّد Diabote) هو خلاصة القوى المفككة والمهدمة لشخصية الانسان .
الجحيم ، المجال الحيوي للشيطان ، حيث يندغم الحيوان والانسان (ابليس) .
على الصعيد النفساني ، يُظهر الشيطان العبودية التي تنتظر كل من يظل خاضعا للغريزة خضوعا اعمى (2) .


الشيطان في القرآن الكريم :

ذكر القرآن الكريم الشيطان وسمى ابليس في مواقع كثيرة (3) ، وانه من طائفة الجن (4) ، وان خلقه تم قبل خلق البشر ، وقد خُلق من النار (5) ؛ ولذا اعترض الامر
(1) معجم المصطلحات العربية في اللغة والادب : 221 و 222 .
(2) سلسلة المعاجم العلمية : الجزء الاول : معجم الرموز .
(3) «فسجد الملائكة كلهم اجمعون * الا ابليس» الحجر : الآيتان 30 و31 .
(4) «فسجدوا الا ابليس كان من الجن ففسق عن امر ربه» الكهف : الآية 50 .
(5) «والجان خلقناه من قبل من نار السموم» الحجر : الآية 27 .=
بين يدي الاستاذ 346

الالهي بالسجود لآدم (1) .
والجن مكلف ، كالبشر ، بانتهاج طريق التكامل ، ولذا نجد ابليس من خلال عبادته يرتقي الى ان يصل عالم الملائكة ، فيختلط به ، ويسبح بحمد ربه ، وعبادته كانت ظاهرية لانه فشل في اول اختبار للطاعة ، وكشف عن جهله ، فهو من الظاهر كان كالملائكة فيما ظل باطنه دون تكامل حقيقي ، وقد انكشفت حقيقته عندما امر الله الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا جميعا ورفض ابليس السجود (2) .
ومن تلك اللحظة اصبح اسمه ابليس ، يعني لا امل له في رحمة الله (3) .
وكان اسمه «عزازيل» (4) .
وشاء الله ان ينظره الى يوم البعث ، وان يكون نشاطه لاغواء البشر ، فهو يتحرك باتجاه معاكس لاتجاه الهداية الالهية ، فاصبح يجري في عروق بني آدم جريان الدم (5) .
ذلك ان الله عز وجل يرتبط باوليائه وانبيائه بالوحي (6) ، واذا كان تبارك وتعالى يحث عباده بالالهام الى عمل الخير ، فان الشيطان يقوم بعمل مضاد عن طريق الوسوسة (7) .
= «وخلق الجان من مارج من نار» الرحمن : الآية 15 .
(1) «خلقتني من نار» الاعراف : الآية 12 . ص : الآية 76 .
(2) الامام الصادق عليه السلام : «ان الملائكة كانوا يحسبون ان ابليس منهم ، وكان في علم الله انه ليس منهم ، فاستخرج الله ما في نفسه بالحمية فقال : خلقتني من نار وخلقته من طين» بحار الانوار 60 / 218 ، الحديث 55 و 60 / 220 ، الحديث 59 .
(3) الامام العسكري عليه السلام : «الشيطان : هو البعيد من كل خير ، الرجيم : المرجوم باللعن ، المطرود من بقاع الخير» بحار الانوار 27260 ، الحديث 159 .
(4) الامام الرضا عليه السلام : «ان اسم ابليس : الحارث ، وانما قول الله عز وجل يا ابليس ، يا عاصي ، سمى ابليس لانه ابلس من رحمة الله» بحار الانوار 60 / 159 ، الحديث 3 و 4 .
(5) بحار الانوار 60 / 219 ، الحديث 58 .
(6) «وان الشياطين ليوحون الى اوليائهم» الانعام : الآية 121 .
(7) البقرة : الآية 169 .
بين يدي الاستاذ 347


واذا كان الله عز وجل ، وعبر رسله وانبياءه ، يدعو الناس الى السعادة ، فان الشيطان يدفع بهم عبر الطواغيت الى الشقاء (1) .
واخيرا اذا كانت المكاشفات والاطياف الرحمانية موجود فهناك احلام شيطانية ، والشيطان ياتي الانسان من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله ، بل ويجري في عروقه مع الدماء التي تجري ؛ بل وفي قدرته ان يوسوس للناس جميعا في لحظة واحدة (2) . فجسمه ينطوي على هذه القابلية ، بل وينطوي على قابلية التشكل في جسم مرئي (3) .


الشيطان في راي بعض العرفاء والمتصوفة :

يرى بعض المتصوفة والعرفاء انه لا شيء يمكن ان يخرج على ربوبية رب العالمين ، اذن فان الشيطان مربوب لله تبارك وتعالى ، ووجوده خير محض ، ومن ضرورات الخلق الالهي . يقول الشيخ محمد شبستري في كتابه «درس دين» :
اسمع مني حكاية الشيطان ..
اعرف انك لا تعرفها ..
بالرغم من كفره اليوم
غدا يكون مسلما
واذا كان في بدئه شرا
فسيصبح خيرا في النهاية
لانه لا يمكنه الخروج عن قدرة الله
وبالرغم من طرده من رحاب الحق
ياتي وقت انتهاء الحرمات
(1) آل عمران : الآية 157 .
(2) بحار الانوار 60 / 220 ، الحديث 58 .
(3) المصدر المتقدم : 237 ، الحديث 81 .
بين يدي الاستاذ 348


ليعرف المحسن من المسيء
الشيطان هو الذي سيكشف الحقائق
وقد قال الشيطان لما قال له موسى : ايها الشرير
لِمَ لم تسجد فاصبحت ذليلا ؟!
ـ خشيت ان اصبح مثلك
ـ مثلي وانا نبي ؟! كذلك قال موسى
قال الشيطان : لك النبوة دون الفتوة
لانك يوم اللقاء قلت : رب ارني انظر اليك
فلِمَ حولت نظرك صوب الجبل
وستبقى محروما من رؤية الله
اما انا فقد عشقت الله وحده
ولعشقي له لم اسجد لآدم
حتى لا احوّل وجهي الى غيره
فلا اعرف شيئا سواه
قريبا كنت او طريدا
قال ذلك السر وفارق موسى
وهو لا يعرف ماذا وقع ، واين اضحى .
وهناك طائفة تتخذ من سيدنا عليا الها ، وهم يدعون انفسهم باهل الحق ، يرون في ضوء العدل الالهي ان جميع المخلوقات من صنع الله ، وقد اقتضت حكمة الله خلقها ، فكل شيء في حد ذاته خير .
والشيطان من مخلوقات الله التي اقتضت حكمته سبحانه وتعالى خلقه ، وما قدرته الا من قدرة الله فهو جزء من حضرة الحق (1) .
ولذا يعبد فريق من هذه الطائفة الشيطان ، ويعتقدون بالوهيّته .
(1) برهان الحق : 19 .
بين يدي الاستاذ 349


وهذا الاعتقاد نجده في اول سطر من كتاب (آئين ياري) ان تأملنا فيه جيدا .
ومن المحتمل جدا لدى اتباع زرادشت ان «اهريمن» هو الشيطان ، الذي هو خالق الشر والظلمة ..
وعلى كل حال فكل فريق له اعتقاداته في الشيطان .
ومن مجموع المليارات البشرية اليوم قليل جدا من القى عن عنقه نير الشيطان .
فالشيطان يغوي اكثر الناس في عقائدهم ، ويحرف قسما في اخلاقهم ، وآخرين في اعمالهم .


فعاليات الشيطان :

قال لي معلمي :
في احدى مكاشفاتي طلبت من النور المقدس ، اعني دليلي ، ان يريني جزء من فعاليات الشيطان حتى يمكنني نقلها الى الناس فاحذرهم من كيده .
فاخذ بيدي فاجتاز بي آلاف السنين غائصا في اعماق الماضي الى قرون متمادية قبل ميلاد السيد المسيح .
قال لي : ان صور العالم في اي زمان تبقى محفوظة في صور برزخية وملكوتية نسخة طبق الاصل .
فلو اردت مثلا الاطلاع على عالم ما قبل الف سنة ، او حادثة وقعت في ذلك التاريخ ، فستجدها في عالم الملكوت كما هي وقت وقوعها ؛ لانه ما من شيء يقع الا وله صورة محفوظة في عالم الملكوت ، وانه لا فناء للاشياء .
وعلاوة على وجود نسخة من كل ما يحدث ، فان نفس الحادثة لا تقبل المحو والزوال ، ويبقى لها حضور بكل جزئياتها وكيفياتها وخصوصياتها ؛ ولذا يمكنك الذهاب الى اي من مشاهد التاريخ والزمن الماضي لترى الحقيقة كما هي .
قلت لدليلي : اريد اولا ان ارى ابليس كيف وقع في الابتلاء ، ولماذا تعرض للطرد من رحاب الله ، ولماذا منحه الله كل هذه القدرات ؟
قال لي : انظر الى هذه الجهة فسترى كل شيء .

بين يدي الاستاذ 350


ونظرت الى الجهة التي اشار اليها ، فرأيت ابليس يخلق من شعلة من النار (1) .
ومنحه الله عز وجل الحرية في الاختيار بين طريق الخير وطريق الشر (2) .
ثم رأيت صحراء مد البصر تزخر بالملائكة وهي تسبح الله وتحمده وتعبده ، فاتخذ الشيطان طريقه الى هناك ، واستغرق في تسبيح الله في ذلك العالم الوسيع .
ومع ذلك فيمكن تحديده وسط ذلك العالم ؛ لان الله خلقه من نار ودخان ، والملائكة خلقها من نور ، فكان الشيطان فيها كنقطة سوداء باهتة .. كان في الملائكة كاحدهم مع انه ليس منهم (3) .
كنت مستغرقا في النظر الى ذلك العالم عندما وضع دليلي كفه على كتفي قائلا انظر الى تلك الجهة !
فنظرت ، فاذا جنة غنّاء تزخر بالاشجار المثمرة .
فانطلقت مع دليلي اليها ، وغمرتنا الحيوية والنشاط حال دخولنا فيها .
اراد الله عز وجل لآدم ان يسكن الارض ويعمرها ، وكان سبحانه قد قال للملائكة انه سيجعل له في الارض خليفة .. خليفة يعمرها وينتشر نسله في اطرافها واكنافها وينعم بخيراتها .. ولان الملائكة لم تدرك الحكمة من وراء خلقه ؛ ولان الله الهمها من قبل ان الملائكة اكثر المخلوقات له طاعة وتسبيحا ، من اجل هذا قالت الملائكة : «اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك» ؟ (4) .
انا ايضا شاركت دهشة الملائكة لاني لم احط باسرار الخلق .. قلت لدليلي : ما اكثر فطنة الملائكة ، لكانها رات تاريخ الانسان عندما تساءلت باعتراض !
قال دليلي : الآن سيتضح خطأك ، فاصغ وانصت لقول الله عز جل :
«واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة»
(1) «وخلق الجان من مارج من نار» الرحمن : الآية 15 .
(2) «وانا منا المسلمون ومنا القاسطون» الجن : الآية 14 .
(3) الامام الصادق عليه السلام : «كان ابليس منهم بالولاء ، ولم يكن من جنس الملائكة» .
(4) البقرة : الآية 30 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي