|
|
انّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم اك بغيا * قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان امرا مقضيا * فحملته فانتبذت به مكانا قصيا * فأجاءها المخاض الى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا * فناداها من تحتها الا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا * وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا * فكلي واشربي وقري عينا فاما ترين من البشر احدا فقولي ان نذرت للرحمان صوما فلن اكلم اليوم انسيا * فاتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا * يا اخت هارون ما كان ابوك امرا سوء وما كانت امك بغيا * فاشارت اليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال اني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا اين ما كنت واوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا * والسلام علي يوم ولدت ويوم اموت ويوم ابعث حيا * ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون» .
قال لي معلمي :
لقد رأيت في عالم المكاشفة الملائكة كما عرفهم القصص القرآني ، وادركت ان علينا ، اذا ما اردنا الارتقاء الى درجتهم ، ان نزكي انفسنا ، وان نرى الحقائق بعين اليقين .
|
الجن
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
وفقني الله لزيارة العتبات المقدسة في العراق ، وقرأت زيارة عاشوراء في حرم سيد الشهداء عليه السلام ، وطلبت من دليلي في عالم المكاشفة ان يتحدث لي عن الجن فقال لي : ان الله عز وجل خلق الجن ، فهم خلق آخر يختلف عن الملائكة في امور :
1 ـ ان الله منحهم نعمة العقل والحرية . فهم مميزون ، ان شاءوا اطاعوا ، وان شاءوا عصوا ؛ ولذا فهم بحاجة الى تربية وترشيد (1) .
2 ـ وانهم ليسوا كالملائكة خلقوا لتدبير الخلق ، بل انهم مثل البشر ، مطلوب منهم التكامل والسمو ؛ ولذا ففيهم الطالح والصالح (2) .
3 ـ انهم مخلوقون من نار ؛ ولذا يتطاير منهم الشر ، اما الملائكة فقد خُلقوا من النور (3) .
وكانوا يختلطون بالملائكة ويتعلمون منهم (4) .
|
(1) «وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون» الذاريات : الآية 56 .
(2) «وانا منا الصالحون ومنا دون ذلك» الجن : الآية 11 .
(3) الامام الصادق عليه السلام : «ان الله عز وجل خلق الملائكة من نور» بحار الانوار 56 / 191 ، الحديث 47 .
(4) في قصص الراوندي : عن ابي جعفر الباقر عليه السلام : «سئل امير المؤمنين عليه السلام : (الى قوله) : «وكانت الجن تطير في السماء فتلقى الملائكة في السماوات ، فيسلمون عليهم ، ويزورونهم ، ويستريحون اليهم ، ويتعلمون منهم» بحار الانوار 54 / 322 ، الحديث 5 .
|
ولم يكن مطلوب منهم ان يتعلموا شؤون التدبير ، بل عليهم تربية انفسهم ، والتخلق بالاخلاق الالهية ، والعمل بما يعلمون ، والتكامل في طريق الخير (1) .
ثم خلق الله سبحانه بعد ذلك الانسان (2) ، فالجن مخلوقون للعبادة كما هو البشر (3) .
ومع ان امتحانهم هو في الدنيا مع الناس ، ولكنهم عالم آخر لا علاقة له بالبشر ، وليس في قدرتهم ايذاء الناس ، فليس لهم على البشر من سلطان (4) .
والجن ينقسمون الى قسمين : قسم منها شياطين ، وهمّهم ايذاء البشر ، وحرفهم عن الطريق المستقيم ، وقسم آخر لا شان له بالانسان .
ولكن عليك ان تحذر من احدهم واسمه عزازيل ؛ لانه اول من عادى البشر ، واعترض على خلقه ، ورفض السجود له ، بل واقسم على اغواء الناس ، وايقاعهم في جهنم (5) .
فعليك ان تعرفه جيدا ، وان تحذره ؛ لانه لا يضمر لك الا العداوة والشر ، ولا يريد بك خيرا ابدا ، واعلم ان صداقتك له يعني هجراني ؛ لانه ظلماني (6) وانا نوراني .
ثم راح يحدثني عن الشيطان وصفاته واحواله فقال :
ولقد كان تلميذا فاشلا مشاغبا ، واستغل الحرية التي وهبها الله اياه ، فلم يصغ
|
(1) «فقالوا انا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي الى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا احدا» الجن : الآيتان 1 و 2 .
(2) «والجان خلقناه من قبل» الحجر : الآية 27 .
(3) «وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون» الذاريات : الآية 56 .
(4) بحار الانوار 60 / 83 ، الحديث 38 .
(5) «قال فبعزتك لاغوينهم اجمعين» ص : الآية 82 .
(6) من وصية موسى بن جعفر عليه السلام لهشام بن الحكم وصفته للعقل : «يا هشام ، خلق الله الجهل من البحر الاجاج الظلماني فقال له : ادبر ، فادبر ، ثم قال له : اقبل ، فلم يُقبل ، فقال : استكبرت ؟ فلعنه» بحار الانوار 1 / 158 .
|
لحقيقة ولا لقول الحق ، وكان كثيرا ما يعصي ، ولم يكن له من الاستعداد والقابلية ما يجعله يستوعب الحقائق الكبرى .
ولذا جاء فهمه عن معرفة الله ناقصة ، او مشوهة ، بل ان ذهنيته الظلمانية جعلته ينعت الله بصفات هو سبحانه منها منزه .
فكان مصيره الطرد بعد ان انكشف جهله المطبق (1) .
فاضمر الحسد والحقد لآدم وذريته .
وكان من شيطنته ان استغل براءة الملائكة وطهرها ، وعدم اطلاعها على خبثه المضمر ، فتسلل الى عالمهم يؤدي طقوس العبادة التي يؤدونها ، وخلال تلك المدة اطلع على الحقائق (2) .
وكانت الملائكة ترى انه منها حتى جاءت حادثة الخلق الالهي لآدم ، وامر الله بالسجود له ، فسجد الملائكة كلهم اجمعون الا ابليس ظهرت حقيقته كاجلى ما يكون عندما قال : انا افضل منه ؛ خلقتني من نار وخلقته من طين .
وغاب على هذا الجاهل الظلماني ان مجد آدم وشرفه ليس في بدنه الترابي الطيني ، وانما بقابليته على تعلم جميع الاسماء «وعلم آدم الاسماء كلها» (3) ، وما يزال الشيطان يتصور بجهله انه افضل من البشر على اساس اصل الخلقة ، ولذا اقسم على اغواء الجنس البشري : «قال رب بما اغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم اجمعين» (4) .
|
(1) بحار الانوار 1 / 109 ، الحديث 7 .
(2) عن جميل بن دراج ، عن ابي عبد الله عليه السلام ، قال : سالته عن ابليس اكان من الملائكة او هل كان يلي شيئا من امر السماء ؟ قال : «لم يكن من الملائكة ، ولم يكن يلي من امر السماء ، وكان من الجن ، وكان مع الملائكة ، وكانت الملائكة ترى انه منها ، وكان الله يعلم انه ليس منها ، فلما اُمر بالسجود كان منه الذي كان» بحار الانوار 60 / 218 ، الحديث 55 .
(3) البقرة : الآية 31 .
(4) الحجر : الآية 39 .
|
من اجل هذا طرد من عالم الملائكة بعد معصيته وظهور جهله : «قال فاخرج منها فانك رجيم * وان عليك اللعنة الى يوم الدين » (1) .
وبدل ان يندم على ما بدر منه ويحاول العودة الى الجنة والحياة الخالدة في ظل طاعة الله .. بدل ذلك ظل سادرا في غيه ، وطلب من الله ان يُنظره ويمهله الى يوم القيامة عوضا عن عبادته (2) .
وبلغت وقاحته حدا لا يوصف عندما قال : «قال ارأيتك هذا الذي كرمت عليّ لئن اخرتن الى يوم القيامة لاحتنكن ذريته الا قليلا» (3) .
وقال الله له : «قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا * واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الاموال والاولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا» (4) .
وقال الشيطان : «فبما اغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ولا تجد اكثرهم شاكرين» (5) .
واقسم على اغواء جميع الناس الا المخلصين منهم (6) .
ولكن الله سبحانه لم يجعل له من سلطان على البشر الا على المشركين من اولياء الشيطان (7) .
وهكذا اصبح اسم ذلك الجني الشيطان ، وابليس ، وعدو الله ، وعدو الناس .
|
(1) الحجر : الآيتان 34 و 35 .
(2) قال امير المؤمنين عليه السلام في ابليس : «فانه سجد سجدة واحدة اربعة آلاف عام لم يرد بها غير زخرف الدنيا والتمكين من النظرة» بحار الانوار 60 / 235 ، الحديث 76 .
(3) الاسراء : الآية 62 .
(4) الاسراء : الآيتان 63 و 64 .
(5) الاعراف : الآيتان 16 و 17 .
(6) الحجر : الآية 39 .
(7) « انما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون» النحل : الآية 100 .
|
قال لي معلمي :
وقبل ان انقل لك بعض المكاشفات اود ان اوضح لك بعض ما يخص موضوع الشيطان :
منذ طفولتي سمعت من ابي وامي ومن الناس في الازقة والاسواق ، وفيما بعد عندما كبرت في القرآن الكريم وكتب سائر الاديان ، هذا الاسم ، اعني الشيطان ، لكني لم امسه ، ولم اره ، ولم اعرف ما هو ، واين ، ولم اعرف حقيقته اهو اسطورة ام لا ؟
عندما كنت صغيرا ، وكنت اقوم ببعض الاعمال غير الصحيحة ، كان والداي يخاطباني بهذا الاسم ، وعندما كنت اجلس مثلا على حافة الحوض كانت امي تحذرني وتقول : لا تجلس هنا .. الشيطان يدفعك وتسقط في الحوض ، وشيئا فشيئا عرفت ان المجتمع يمقت الشيطان ، فالناس يستعيذون بالله من شروره .
والشيطان من اكثر المفردات معروفية ، تجده في الكتب السماوية ، وفي كتب الفلسفة ، وفي الكتب العلمية ، وتجد الكثير من القصص عن شروره .
وساشرح لك شيئا عن حياته ...
ربما تتساءل كيف لنا ان نعرف عن حياة الشيطان واحواله ، ونحن لا نراه ، ولا نلمسه (1) .
|
الشيطان من أعداد المترجم :
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
عرف الانسان الشيطان عن طريق الوحي الالهي ولا شك . وفي قصة خلق آدم ، وسكناه الجنة ، وسجود الملائكة له ، الا ابليس ، اجلى صورة ؛ ذلك ان الله سبحانه حذر آدم وزوجه من الشيطان الذي حسد آدم ، وراح يتربص به الدوائر محاولا اغواءه ، وقد نجح في ذلك لولا ان تداركت الرحمة الالهية آدم الذي تلقى كلمات
|
|
(1) بحار الانوار 60 / 131 ـ باب ابليس .
|
من ربه فتاب عليه .
والشيطان هو الشديد البعد عن محل الخير (1) ، وهو مخلوق من نار . ولهذا اصبحت للشياطين اجسام لطيفة قادرة على التشكل باشكال مختلفة ، وقادرة على التمدد والانقباض ومما يوجب لها سهولة النفوذ (2) .
فهو روح الشر ، وامير الارواح الشريرة ، اعتبرته الزرادشتية واليهودية والنصرانية ملاكا ساقطا ، تمرد على امر الله ، وعمل على اغواء الانسان ودفعه الى المعصية (3) .
اما ابليس فاسم اعجمي ، ولهذا فقد منع من الصرف ، وقيل : انه اسم عربي مشتق من الابلاس واليأس من رحمة الله ، او الابعاد عن الخير ، ومنع من الصرف لانه لا نظير له في الاسماء او شباهته بالاسماء الاعجمية .
وهو ابو الشياطين ، واصلهم الاول (4) .
والشيطان لا يتمكن من نفس الانسان الا اذا اعرض عن هداية الله ، وخرج عن المنهج المرسوم .
فاذا اعرض الانسان عن الطريق المرسوم له عاقبه الله بتمكين الشيطان منه ، فيوجهه وجهة الشر والفساد في كل قول وفي كل فعل .
«ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين * وانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم مهتدون * حتى اذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين * ولن ينفعكم اليوم اذ ظلمتم انكم في العذاب مشتركون» (5) .
ومع التمادي في الغي والضلال يستحوذ الشيطان على النفس الانسانية ،
|
(1) التوثيق على مهمات التعاريف ـ محمد عبد الرؤوف المناوي : 43 .
(2) شرح المصطلحات الاسلامية : 180 .
(3) موسوعة المورد : م2 ، ص701 .
(4) العقائد الاسلامية : 139 .
(5) الزخرف : الآيات 36 ـ 39 .
|
ويستولي عليها استيلاء كاملا ؛ حتى يبلغ الانسان ان يكون جنديا لابليس ، او عضوا في جماعة الشياطين .
«استحوذ عليهم الشيطان فانساهم ذكر الله اولئك حزب الشيطان الا ان حزب الشيطان هم الخاسرون» (1) .
وحين يصل الانسان الى هذا المستوى ، ويهبط الى هذا الدرك ، يكون قد بلغ النهاية في الانحطاط الروحي والكفر بذخائر النفس .
وفي هذا الدرك تختل المقاييس ، وتضطرب الموازين ، وتلتبس الحقائق ، ويعلو سلطان الباطل ، وتسود شريعة الغاب ، ويتعادى الناس تعادي الحيوانات المفترسة ، ويصبح الانسان ، وهو ابدع ما انشأته العناية الالهية ، اداة من ادوات الشر والفساد ، وعاملا من عوامل الهدم والتخريب .
«الم تر انا ارسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم ازا» (2) .
بل يصل الانسان الى الحالة التي يتبرأ الشيطان فيها منه .
«كمثل الشيطان اذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال اني بريء منك اني اخاف الله رب العالمين» (3) .
|
التحذير من عداوة الشيطان :
|
|
|
 |
ان الشيطان يمثل الشر في الارض ، ويعمل دائبا على تدمير حياة الانسان بزحزته عن هداية الله ، وابعاده عن منهج الحق والرشاد .
لهذا حذرنا الله من كيده ، واخبرنا بعداوته ، ودعا الى مقاومته بكل وسيلة حتى يضعف سلطانه ، وتخف شروره وآثامه ، فقال :
«ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا انما يدعو حزبه ليكونوا من
|
(1) المجادلة : الآية 19 .
(2) مريم : الآية 83 ، اي تغريهم بالمعاصي اغراء ، وتزعجهم اليها ازعاجا شديدا .
(3) الحشر : الآية 16 .
|
اصحاب السعير» (1) .
وقص علينا من عداوته لابينا آدم عليه السلام ما فيه العظة البالغة ، فقد استطاع ان يغريه بالاكل من الشجرة ، وان يخرجه من الجنة بكذبه وخداعه ، وان يوقعه في مخالفة امر الله وارتكاب نهيه ، ثم قال عقب ذلك :
«يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم انا جعلنا الشياطين اولياء للذين لا يؤمنون» (2) .
وبيّن للانسان ما اخذه الشيطان على نفسه منذ خصومته لآدم ، انه سيقعد على الصراط المستقيم يغوي الناس ويضلهم . قال :
«قال ارأيتك هذا الذي كرمت علي لئن اخرتن الى يوم القيامة لاحتنكن (3) ذريته الا قليلا * قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا * واستفزز (4) من استطعت منهم بصوتك (5) واجلب (6) عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الاموال الاولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا * ان عبادي ليس لك عليهم سلطان» (7) .
وفي سورة الاعراف يقول الله تعالى :
«قال فبما اغويتني لاقعدن لهم صراطك (8) المستقيم * ثم لآتينّهم من بين ايديهم
|
(1) فاطر : الآية 6 .
(2) الاعراف : الآية 27 .
(3) اتصرفن فيهم بالوسوسة .
(4) الاستفزاز : الحث بشدة .
(5) وسوستك .
(6) اي صح عليهم بجندك مشاة وراكبين .
(7) الاسراء : الآيات 62 ـ 65 .
(8) اي على الصراط ، وهو طريق الله .
|
ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم (1) ولا تجد اكثرهم شاكرين» (2) .
وكان حكمه هذا ظنا وقد تحقق :
«ولقد صدّق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين» (3) .
وفي سورة النساء يقول الله سبحانه :
«ان يدعون من دونه الا اناثا (4) وان يدعون الا شيطانا مريدا (5) * لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (6) * ولاضلنهم ولامنينهم ولامرنهم (7) فليبتكن آذان الانعام ولامرنهم فليغيرن خلق الله (8) ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا * يعدهم (9) ويمنينهم (10) وما يعدهم الشيطان الا غرورا» (11) .
ويعلمنا ان الشيطان جاد في القاء خواطر السوء ، ومهتمّ بتقوية دواعي الشر والباطل في النفس الانسانية .
|
(1) اي لا يترك جهة الا هجم عليهم منها .
(2) الاعراف : الآيتان 16 و 17 .
(3) سبأ : الآية 20 .
(4) اصنام ذات اسماء مؤنثة (اللات والعزّى ومناة الثالثة الاخرى) .
(5) شدة التمرد والخروج على الطاعة .
(6) معيّنا ومحتّما استيلاؤه عليه .
(7) اضلنهم عن الحق بالوسوسة .
(8) اي ان الشيطان حلف ان يامر اتباعه بقطع آذان الانعام تعظيما للاصنام ، وكان الوثنيون يقطعون اذن الناقة ويشقونها اذا ولدت خمس بطون وجاءت في المرة الخامسة بذكر ، وكان ذلك علامة على انها ملك للاصنام لا تُركب ولا ينتفع بها احدا .
(9) اي يامرهم بسوء التصرف ، فيتغير خلق الله ، ولا سيما الدين الذي هو فطرة ..
(10) يشغلهم بالاماني الباطلة ، كطول العمر ، وعدم البعث ، والجزاء على العمل ، حتى يغفلوا عن الاستعداد للقاء الله .
(11) النساء : الآيات 117 ـ 120 .
|
«الشيطان يعدكم الفقر ويامركم بالفحشاء» (1) .
اي ان الشيطان يوسوس للانسان ، ويُلقي في نفسه بان الانفاق يُذهب بالمال ، ويامره بالامساك والبخل والحرص على المال ومنع الزكاة .
ومن ثم كان من الواجب الحذر منه ، و اتقاء شروره وآثامه .
«ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين * انما يأمركم بالسوء والفحشاء وان تقولوا على الله ما لا تعلمون» (2) .
«يا ايها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يأمر بالفحشاء والمنكر» (3) .
ومن ابلغ ما ذكره القرآن في الترهيب من متابعة الشيطان ما جاء في سورة الانعام :
«ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال اولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا اجلنا الذي اجّلت لنا» (4) .
اي ان الله يقول يوم الحشر للجن : قد استكثرتم من اغواء الانس .
وقال اتباعهم من الانس : ربنا استمتع بعضنا ببعض ، اي استمتع الجن بالانس حيث قادوهم ، واخضعوهم لسلطانهم ، فكانت لهم لذة السيطرة ومتعة الرياسة ، واستمتع الانس بالجن حيث زيّنوا لهم الشهوات او دلوهم عليها ، واستمر هذا الاستمتاع حتى بلغوا الاجل المقدّر لهم .
وفي مشهد من مشاهد القيامة يميز الله فيه المجرمين ، ويوجه اليهم الخطاب ناعيا عليهم طاعتهم للشيطان وعبادتهم له .
|
(1) البقرة : الآية 268 .
(2) البقرة : الآيتان 168 و 169 .
(3) النور : الآية 21 .
(4) الانعام : الآية 128 .
|
«وامتازوا (1) اليوم ايها المجرمون * الم اعهد (2) اليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا (3) الشيطان انه لكم عدو مبين * وان اعبدوني هذا صراط مستقيم * ولقد اضل منكم جبلا (4) كثيرا افلم تكونوا تعقلون» (5) .
وفي مشهد آخر من مشاهد القيامة يخطب الشيطان في اتباعه موقعا اللوم عليهم في ضلالهم ومتابعتهم له .
«وقال الشيطان لمّا قضي الامر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم ما انا بمصرخكم وما انتم بمصرخي اني كفرت بما اشكرتمون من قبل ان الظالمين لهم عذاب اليم» (6) .
قال ابن كثير : يخبر الله تعالى عما خاطب به ابليس اتباعه بعد ما قضى الله بين عباده ، فادخل المؤمنين الجنات ، واسكن الكافرين الدركات ، فقام فيهم ابليس لعنه الله يومئذ خطيبا ؛ ليزيدهم حزنا الى حزنهم ، وغما الى غمهم ، وحسرة الى حسرتهم ، فقال : «ان الله وعدكم وعد الحق» على السنة رسله ، ووعدكم في اتّباعهم النجاة والسلامة ، وكان وعدا حقا ، وخبرا صدقا ، واما انا فوعدتكم ، فاخلفتكم ، كما قال الله تعالى : «يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا» (7) .
ثم قال : «وما كان لي عليكم من سلطان» .
اي ما كان لي عليكم فيما دعوتكم اليه دليل ولا حجة فيما وعدتكم به ، الا ان
|
(1) انفردوا .
(2) العهد : الوصية .
(3) عبادة الشيطان طاعته والاستجابة له .
(4) جِبلا : اقواما .
(5) يس : الآيات 59 ـ 62 .
(6) ابراهيم : الآية 22 .
(7) النساء : الآية 120 .
|
|
|