|
|
ليس فيهم اناث وذكور (1) ، وان عدوهم عدو الله (2) ، ومن مهماتهم حفظ عباد الله من الحوادث (3) ، وربما اشتركوا في نصرة الذين يقاتلون في سبيل الحق ، كما حصل ذلك في معركة بدر ، حيث اشترك آلاف الملائكة في القتال (4) .
وربما تمثل الملك بصورة انسان كما حدث لمريم (5) بنت عمران وابراهيم ولوط (6) ، وانهم يحفون بالعرش يسبحون لله خشية منه (7) .
وجعل الله لهم اجنحة : «جاعل الملائكة رسلا اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع» (8) ، وهم متفاوتون في العقل والفهم (9) ، فهم على مراتب مختلفة ، ووظائف متنوعة ، فترى بعضهم يحف بالعرض يسبح بحمد الله (10) ، ويستغفرون من اجل الناس (11) ، فهم بين السماء والارض في نزول وعروج ، يانسون بالمؤمنين ، ويبددون عنهم وحشة الطريق .. طريق التكامل الانساني : «ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم
|
(1) «فاستفتهم الربك البنات ولهم البنون * ام خلقنا الملائكة اناثا وهم شاهدون» الصافات : الآيتان 149 و 150 .
(2) «من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين» البقرة : الآية 98 .
(3) «ويرسل عليكم حفظة» الانعام : الآية 61 .
(4) «اني ممدكم بالف من الملائكة مردفين» الانفال : الآية 9 .
(5) «فارسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا» مريم : الآية 17 .
(6) «اذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال انا منكم وجلون» الحجر : الآية 52 .
(7) «ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته» الرعد : الآية 13 .
(8) فاطر : الآية 1 .
(9) الامام ابو جعفر الباقر عليه السلام : «ان خلق اسرافيل وجبرائيل وميكائيل من سبحة واحدة ، وجعل لهم السمع والبصر وجودة العقل وسرعة الفهم» بحار الانوار 56 / 157 ، الحديث 5 .
(10) «وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم» الزمر : الآية 75 .
(11) «ويستغفرون لمن في الارض» الشورى : الآية 5 .
|
توعدون * نحن اولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة» (1) .
وهم سواء في عملهم في الجنة او خزنة على النار ، انما يؤدون طاعتهم لله ، فهم مظهر الغضب الالهي ، وتجل الرحمة المطلقة (2) .
وقال لي دليلي في عالم المكاشفة : هلم نطوف في عالم الملائكة ونراهم عن قرب ، ثم اخذ بيدي وانطلق الى الاعالى حيث الملائكة .
في البدء سلكنا الطريق الذي سلكه نبينا عليه الصلاة السلام في رحلة المعراج (3) . وراح دليلي يقص علي بعض ما جرى في تلك الرحلة (4) .
|
(1) فصلت : الآيتان 30 و 31 .
(2) بحار الانوار 56 / 218 ـ دعاء الصحيفة السجادية .
(3) «سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى» الاسراء : الآية 1 .
(4) في عالم المكاشفات لا معنى للزمن الماضي والمستقبل ، فكل الازمنة يمكن مشاهدتها في زمان الحاضر .
ومن اخبار رحلة الاسراء والمعراج ما ورد في بحار الانوار :
عن ابي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لما اسرى بي الى السماء ما سمعت شيئا قط هو احلى من كلام ربي عز وجل : فقلت : يا رب ، اتخذت ابراهيم خليلا ، وكلمت موسى تكليما ، ورفعت ادريس مكانا عليا ، وآتيت داود زبورا ، واعطيت سليمان ملكا لا ينبغي لاحد من بعده ، فماذا لي يا رب ؟ فقال جل جلاله : يا محمد ، اتخذتك خليلا كما اتخذت ابراهيم خليلا ، وكلمتك تكليما كما كلمت موسى تكليما ، واعطيتك فاتحة الكتاب وسورة البقرة ولم اعطها نبيا قبلك ، وارسلتك الى اسوَد اهل الارض واحمرهم ، وانسهم وجنهم . ولم ارسل الى جماعتهم نبيا قبلك ، وجعلت الارض لك ولامتك مسجدا وطهورا ، واطعمت امتك الفيء ولم احله لاحد قبلها ، ونصرتك بالرعب حتى ان عدوك ليرعب منك ، وانزلت سيد الكتب كلها مهيمنا عليك ، قرآنا عربيا مبينا ، ورفعت لك ذكرك حتى لا اُذكر بشي من شرائع ديني الا ذُكرت معي» .
وعن ابي عبد الله عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لما اسرى بي ربي فاوحى الي من وراء الحجاب ما اوحى ، وشافهني الى ان قال لي : يا محمد ، من اذل لي وليا فقد ارصد لي بالمحاربة ، ومن حاربني حاربته ، قال : ذاك من اخذت ميثاقه لك ولوصيك ولذريتكما بالولاية» . =
|
 |
|
 |
|
سيدنا ابراهيم وسيدنا لوط عليهما السلام والملائكة
|
|
|
 |
عدنا الى زمن ابراهيم ..
كان ابراهيم نبيا ، ورسولا عظيما ، وكان ككل الانبياء ، رمزا للمحبة والطيبة والاحسان .
ابراهيم الآن في فلسطين ، في الارض التي تدعى اليوم بـ (الخليل) ، يعيش هناك ، ويستقبل الوافدين والمسافرين ، فيجدون عنده الظل البارد في الصيف ، والدفئ في الشتاء ، ويجدون الخبز واللحم واللبن .
عدو الله وابراهيم ذلك النمرود الطاغية ، اراد احراق ابراهيم بالنار ؛ اراد احراق الانسان الموحد ، الذي رفض الاوثان الحجرية منها والبشرية ، وابى الله فصارت النار بردا وسلاما على ابراهيم ..
اما ابراهيم فقد استفاد من النار لايقادها واتخاذها علامة للغرباء والمسافرين .. ان
|
|
=
روى الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال : «بينا انا راقد في الابطح وعلي عن يميني ، وجعفر عن يساري ، وحمزة بين يدي ، واذا انا بحفيف اجنحة الملائكة وقائل يقول : الى ايهم بُعثت يا جبرئيل ؟ فقال : الى هذا ، واشار الي ، وهو سيد ولد آدم ، وهذا وصيه ووزيره وختنه وخليفته في امته ، وهذا عمه سيد الشهداء حمزة ، وهذا ابن عمه جعفر ، له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنة مع الملائكة ، دعه فلتنم عيناه ، ولتسمع اذناه ، ويعي قلبه ، واضربوا له مثلا : ملك بنى دارا واتخذ مأدبة ، وبعث داعيا . فقال رسول الله : فالملك الله ، والدار الدنيا ، والمأدبة الجنة ، والداعي انا . قال : ثم اركبه جبرئيل البراق ، واسرى به الى بيت المقدس ، وعرض عليه محاريب الانبياء وآيات الانبياء ، فصلى ، ورده من ليلته الى مكة» بحار الانوار 18 / 305 ـ 337 .
|
 |
|
 |
بيت ابراهيم مفتوح للضيوف ، انى شاءوا ، ومتى وصلوا من وعثاء السفر ..
ويصل ضيوف غرباء ، واسرع ابراهيم ليقدم لهم مأدبة حافلة باللحم والخبز واللبن . لكن ايديهم لا تمتد للطعام ، وهذا في اعراف ذلك الزمان ، وفي تلك البيئة ، اعلان بالعداء ، وشعر ابراهيم بالقلق والتوجس من هؤلاء الضيوف .
لكنهم بدّدوا هواجس ابراهيم ، بان اعلنوا هويتهم ومهمتهم التي جاءوا من اجلها . في البداية بشروه بغلام حليم .
قال ابراهيم : اتبشروني وقد مسني الكبر ؟
كانت سارة واقفة ، فشعرت بالدهشة وقالت : كيف الد وانا عقيم ، وهذا زوجي شيخ طاعن في السن .
قالت الملائكة : كذلك قال ربك .. انما امره اذا قال شيئا ان يقول له كن ، فيكون !
ولما ذهب عن ابراهيم الخوف والروع سأل الملائكة عن مهمتهم قالوا له : انا ارسلنا الى قوم لوط .. لقد حل بهم غضب الله ، واننا سنقلب عاليها سافلها ، انهم قوم مجرمون .. لقد عم الفساد في سدوم وآن دمارها ، وهذه ارادة الله .
واراد ابراهيم عليه السلام دفع العذاب عنهم ، فقال للملائكة : ان فيها لوطا قالت الملائكة : نحن اعلم بمن فيها .. وان لوطا لن يشمله العذاب ، وكذا اسرته الا امراته فيشملها العذاب .
وانطلقتُ برفقة الدليل الى «سدوم» في فلسطين ؛ انها من القرى الفاسدة ، لقد شاع فيها المنكر ، فمن اخلاقهم المنحطة انهم ياتون الرجال شهوة من دون النساء ، لقد اعتادوا اللواط ، واصبح جزء من ثقافتهم ...
وعندما جاءت الملائكة الى سدوم ، دخلوا في هيئة مسافرين شبان عليهم سيماء الجمال .. وكانت ابنة سيدنا لوط تستقي الماء من بئر في القرية ، فطلب احد الشبان منها ان ترشدهم الى منزل يستقبل الضيوف والغرباء ، وعندما رأت الفتاة جمالهم اسرعت الى والدها لتخبره قبل ان يطلع سكان القرية على ذلك .. انها تخشى الفضيحة فاهل القرية لن يتورعوا عن ارتكاب عمل مشين بحق هؤلاء المسافرين ..
ووقع لوط في حيرة ماذا يفعل ، هل يستقبلهم وهو لا يستطيع الدفاع عنهم ، ام يحذرهم من البقاء في القرية والفرار منها في اسرع وقت ؟!
ولكن عدم استقبال الضيوف ينطوى على العار ، لهذا تحمل المسؤولية ، وخف لاستقبالهم بحفاوة ، وادخلهم الى منزله وهو يحذر من ان ينتبه اهالي القرية .
ولان امراة لوط كانت من اهل تلك القرية ، وهي امراة عجوز ، لم تؤمن بزوجها ، وكانت راضية بعمل قومها ، فقد اخبرت اهل القرية بقدوم ضيوف الى منزل زوجها . وما اسرع ان تراكض اهل القرية الى منزل لوط ، وراحوا يطرقون الباب بعنف .
ماذا يفعل النبي مع هؤلاء القوم الفاسقين ؟ انهم يريدون ان يفضحوه في ضيوفه ، وفتح لوط الباب ، وراح يعظهم ويتحدث معهم برفق ، حتى انه عرض عليهم الزواج من بناته ، فهذه سنة الله والطبيعة ..
لكنهم ، وبكل وقاحة ، قالوا : ليس لنا حاجة في بناتك ، وانك لتعلم ما نريد .
وشعر النبي بالحزن ... بالامس ارادوا طرده من القرية لانه يستنكر عملهم المنحط ، واليوم جاءوا للاعتداء على ضيوفه .
قال بحسرة : لو ان لي قوة او آوي الى ركن شديد ..
ان الامور تزداد سوء ، والازدحام على الباب بلغ من الشدة ، بحيث شعر النبي انه لن يستطيع ان يفعل شيئا من اجل الدفاع عن ضيوفه !
وفي هذه اللحظات المصيرية كشف الملائكة عن هويتهم الحقيقية ، انهم رسل الله لتدمير هذه القرية الظالم اهلها ، لقد حل بسدوم العذاب واغضب الالهي .. وقالوا : اما انت فغادر مع اسرتك القرية هذه الليلة .. وخرج الملائكة الى اهل القرية الذين ازدحموا على الباب ، واشاروا باصابعهم ، فكانما انبعثت اشعة فقأت عيونهم .
وعندما حان المساء رحل لوط وبناته ، وتبعتهم العجوز على مضض ، لكنها سوف تلتفت الى القرية وعند ذاك سوف يشملها العذاب ، لقد حذر الملائكة لوطا من النظر الى القرية والالتفات اليها .. ولكن زوجة لوط لم تلتزم ، فاصابها ما اصاب سدوم من العذاب .
واستحالت سدوم في الفجر الى تلال من الملح والرماد ، واصبحت اثرا بعد عين .
القصة كما وردت في القرآن الكريم :
سورة هود : الآيات 77 ـ 83 :
«ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب * وجاءه قومه يهرعون اليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن اطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي اليس منكم رجل رشيد * قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وانك لتعلم ما نريد * قال لو ان لي بكم قوة او آوي الى ركن شديد * قالوا يا لوط انا رسل ربك لن يصلوا اليك فاسر باهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم احد الا امراتك انه مصيبها ما اصابهم ان موعدهم الصبح اليس الصبح بقريب * فلما جاء امرنا جعلنا عاليها سافلها وامطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد» .
سورة الحجر : الآيات 51 ـ 75 :
«ونبئهم عن ضيف ابراهيم * اذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال انا منكم وجلون * قالوا لا توجل انا نبشرك بغلام عليم * قال ابشرتموني على ان مسني الكبر فبم تبشرون * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه الا الضالون * قال فما خطبكم ايها المرسلون * قالوا انا ارسلنا الى قوم مجرمين * الا آل لوط انا لمنجوهم اجمعين * الا امراته قدرنا انها لمن الغابرين * فلما جاء آل لوط المرسلون * قال انكم قوم منكرون * قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون * واتيناك بالحق وانا لصادقون * فاسر باهلك بقطع من الليل واتبع ادبارهم ولا يلتفت منكم احد وامضوا حيث تؤمرون * وقضينا اليه ذلك الامر ان دابر هؤلاء مقطوع مصبحين * وجاء اهل المدينة يستبشرون * قال ان هؤلاء ضيفي فلا تفضحون * واتقوا الله ولا تخزون * قالوا اولم ننهك عن العالمين * قال هؤلاء بناتي ان كنتم فاعلين
* لعمرك انهم لفي سكرتهم يعمهون * فاخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وامطرنا عليهم حجارة من سجيل» .
سورة العنكبوت : الآيات 28 ـ 35 :
«ولوطا اذ قال لقومه انكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من احد من العالمين * اءنكم لتاتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه الا ان قالوا ائتنا بعذاب الله ان كنت من الصادقين * قال رب انصرني على القوم المفسدين * ولما جاءت رسلنا ابراهيم بالبشرى قالوا انا مهلكوا اهل هذه القرية ان اهلها كانوا ظالمين * قال ان فيها لوطا قالوا نحن اعلم بمن فيها لننجينه واهله الا امراته كانت من الغابرين * ولما ان جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن انا منجوك واهلك الا امراتك كانت من الغابرين * انا منزلون على اهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون» .
ولقد ادركت ان الملائكة ليس لهم شكل خاص ، ولكنهم يتمثلون باشكال مختلفة ، وقد تمثلوا مرات بصور بشرية ، وان الانسان حتى لو كان كافرا يستطيع رؤيتهم «ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا اعينهم فذوقوا عذابي ونذر» (1) ، وان الانبياء قد يعجزون عن اكتشاف هويتهم الحقيقية ، كما حصل ذلك لابراهيم ولوط .
|
هاروت وماروت
|
|
|
 |
من سدوم في زمان ابراهيم عليه السلام عدنا الى زمن سيدنا سليمان عليه السلام ، حيث الملائكة في افواج تهبط الى الارض وتعرج الى السماء ، تسجل وتنقل ما يقوم به الانسان من اعمال ، وكانت فيما بينها تشعر بالدهشة لما يقوم به الناس من اعمال مشينة مخجلة .. يا لهذه المخلوقات التي ترتكب الآثام والمعاصي ، وتكذب على الله ، وتشرك به ، وتعبد غير الله .. وقال بعض الملائكة : ان الله عز وجل حليم ، وان حلمه اكبر من شرور البشر ، ولو شاء غضب عليهم ودمرهم تدميرا .. وقالت : ان البشر يستحقون اللعنة والفناء ، واننا نعجب لان العذاب لم يحل بهم ، وقد امتلات الارض بالشر .
واراد الله سبحانه ان تدرك الملائكة انها خلقت معصومة منزهة عن الخطأ ، وانها لو اعطيت ما اعطي البشر من الغرائز والحرية ، لقامت باسوأ مما يقوم به البشر ...
واوحى الله للملائكة ان ينتخبوا اثنين منهم ليعيشوا في الارض ، وان الله سيمنحهم ما منح البشر من الشهوة والغريزة والحرص والاماني ومشاعر الجوع والظمأ ، وكل الصفات التي تميز الانسان ، وسترى الملائكة بعد ذلك ما يصنعان .
وكان «هاروت» و«ماروت» من اكثر الملائكة استياء مما يقوم به البشر من اعمال مخجلة ، واوحى الله الى الملكين هاروت وماروت ، ان اهبطا الى الارض ، سامنحكما ما منحت البشر من الطباع والصفات ، فلا تشركا بي احدا ، ولا تقتلا النفس الا بالحق ، ولا تزنيا ، ولا تشربا الخمر . وهبط هاروت وماروت الى الارض بشرين ، وحلا في مكان مرتفع يشرف على المدينة ..
ووقعت عيناهما على امراة غاية في الحسن والجمال ، كان عطرها يفوح ويملأ
الفضاء وقد ارتدت من الثياب ما جعلها فاتنة ، فجاءا اليها ، وتحدثا معها ، وكانت من الفتنة بحيث تحركت شهوتهما ، وراوداها على نفسها . قالت المراة : ولكن ديني لا يسمح بذلك الا اذا دخلتما فيه !
سأل الملكان : وما هو دينك ؟
قالت : ان لي اله لا يرضى بذلك حتى تسجدا له !
قالا : ومن هو الهك ؟
قالت : هذا الوثن !
تبادل الملكان النظرات : لقد نهانا الله عن الزنا والشرك !
ولكن قوة الشهوة غلبت تفكيرهما ، فقالا للمراة : سنفعل كل ما تطلبين ، وقالت المراة لهما في المنزل : تعالا اذن لتشربا خمرا اعطيكما ما تريدان .
تبادل الملكان النظرات : وهذا ايضا مما نها الله عنه ! ومع ذلك فقد كانت الشهوة اقوى عليهما .. فراحا يكرعان الخمر بعد ان سجدا للصنم .. وتزينت المراة وتهيأت للمضاجعة ، فدخل رجل استنكر وجودهما وقال لهما : ماذا تفعلان هنا مع امراة وحيدة في خلوة ؟! وعندما اراد الرجل الخروج قالت المراة : ان هذا الرجل سيفضحنا ، فاقتلاه والا لن اضاجعكما ؛ فقام الملكان بقتله ، وعندما عادا الى المراة لم يجدانها ، ورفعهما الله الى السماء وقال لهما : لقد ارسلتكما الى الارض ساعة واحدة فارتكبتما من الآثام اربعة ، وكنت قد قدمت اليكما بالنهي عنها ، افلم تخجلا ؟ الم تكونا اكثر الملائكة اعتراضا على البشر ؟
القصة كما وردت في القرآن الكريم :
«واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من احد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من احد الا باذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به
انفسهم لو كانوا يعلمون» (1) .
وقد ورد في التفسير : في عيون اخبار الرضا في حديثه مع المأمون : واما هاروت وماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليتحرّزوا به عن سحر السحرة ويبطلوا كيدهم ، وما علما احدا من ذلك شيئا الا قالا له : انما نحن فتنة فلا تكفر ، فكفر قوم باستعمالهم لما امروا بالاحتراز عنه وجعلوا يفرقون بما يعملونه بين المرء وزوجه قال الله تعالى : «وما هم بضارين به من احد الا باذن الله» .
في الدر المنثور : عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ان الملائكة قالت : يا رب ، كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب ؟ قال : اني ابليتهم وعافيتهم . قالوا : لو كنا مكانهم ما عصيناك . قال : فاختاروا ملكين منكم فلم يألوا جهدا ان يختاروا ، فاختاروا هاروت وماروت ، فنزلا فالقى الله عليهما الشبق (الشهوة) ، فجاءت امراة يقال لها : الزهرة فوقعت في قلوبهما ، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه ، ثم قال احدهما للآخر : هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي ؟ قال : نعم . فطالباها لانفسهما فقالت : لا امكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به الى السماء وتهبطان ، فابيا ثم سألاها ايضا ، فابت ، ففعلا ، فلما استطيرت طمسها الله كوكبا وقطع اجنحتهما ..» .
يقول الطباطبائي صاحب تفسير الميزان : وهذه قصة خرافية تنسب الى الملائكة المكرمين ـ الذين نص القرآن على نزاهتهم ، وطهارة وجودهم عن الشرك والمعصية ـ اغلظ الشرك ، واقبح المعصية ، وهو عبادة الصنم والقتل والزنا وشرب الخمر ، ونسب الى كوكبة الزهرة انها امراة زانية مسخت ـ وانها اضحوكة ـ وهي كوكبة سماوية طاهرة في طبيعتها ، فهذه القصة كالتي قبلها ، قصة خرافية تشبه خرافات اليونان في الكواكب والنجوم (2) .
وادركت من هذه الحادثة ان الملائكة لا فرق بينهم مع البشر ، الا بالشهوة
|
(1) البقرة : الآية 102 .
(2) الميزان في تفسير القرآن 1 / 241 و 242 .
|
|
السيدة مريم والملك
|
|
|
 |
كانت السيدة مريم في محرابها مستغرقة في العبادة ، فلا يحق لرجل ، اي كان ، ان يدخل عليها في ذلك المكان المقدس ... فجأة رأت امامها انسانا ...
شعرت مريم بالذعر من هذا الرجل ، لقد دخل عليها في خلوتها ، فقالت : اعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا .. ولكن ذلك الانسان كشف عن هويته ، قال لها : انا ملك ارسلني الله لابشرك بغلام .
لم تفرح مريم ، بل ارتاعت من هذه البشرى ، قالت : كيف الد وانا لم اتزوج بعد ولست بغيا !!
قال الملك : كذلك قال ربك هو علي هين ، ولنجعله آية للناس ورحمة منا ، وكان امر مقضيا .
وفيما كانت مريم تحدق في وجه ذلك الملك بهيئته الانسانية اختفى تماما ، وعاد الصمت يهيمن على المكان .
انا ودليلي في عالم المكاشفة نشهد ما يجري ، وكنت ابكي من اجل هذه الفتاة الطاهرة ، ترى ماذا ستقول لقومها غدا ؟ ماذا ستقول لو راوها حاملا ، اتحمل امراة بلا زواج ؟! الهي لا اعتراض على حكمك .
وكانت مريم المؤمنة في حالة تسليم كامل لارادة الله .
من اجل هذا رحت انا ودليلي نتابع ما يجري ... راينا ان الله سبحانه ستر على مريم ، فلم يعلم احد بحملها حتى ساعة المخاض .. انها تعيش في مدينة الناصرة وفي عزلة عن الناس .. بيتها الذي اتخذته بسيط جدا ، وفي مكان قصي عن المدينة ..
وخرجت الى البرية ، واضطرتها آلام المخاض الى جذع نخلة يابس ، فجلست عنده وحيدة ، فلا قابلة تعينها ، ولا ام او اخت تنجدها وتستمد منها الشجاعة والمقاومة .. وراحت مريم تذرف الدموع ، وتمنت انها لم تُخلق ولم تر نور الحياة .
قالت : يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا .
وولدت العذراء طفلا بهي الوجه قال لها : اماه لا تحزني ، وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ، فكلي واشربي وقري عينا .. واذا ما سألك احد فقولي له اني صائمة .. ان نذرت للرحمن صوما ..
وكانت المعجزة ان هزت مريم بوهن جذع النخلة ، فاذا نسغ الحياة يتدفق في الشجرة اليابسة ، واذا هي تحمل رطبا شهيا ، راح يتساقط على مريم ، وتدفق نبع قريب منها . وكانت مريم تشعر بالضعف بسبب الجوع وآلام الولادة ، فتناولت رطبات اكلتها على مهل ، وشربت ماء وشعرت بالراحة ، ان الله معها ، وهو وحده الذي يحميها من السن الناس ..
وحملت طفلها وعادت الى المدينة .
وراحت العيون تتطلع الى مريم بدهشة .. قالوا لها : يا مريم ، ما هذا الذي معك ؟! يا مريم ، ما كان ابوك امرء سوء ، وما كانت امك بغيا ؟!! ولم تجب مريم واشارت الى الطفل .. حدثت المعجزة عندما تكلم الطفل الرضيع وقال : اني عبد الله ، واني رسوله اليكم ، وقد آتاني الحكمة ، وجعلني نبيا .. وجعلني مباركا اين ما كنت ، واوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا .. واوصاني ان ابر بوالدتي ، ولم يجعلني جبارا شقيا ..
هذا ما جرى على مريم وطفلها عيسى عليه السلام ، واليك قصتها كما وردت في القرآن الكريم :
سورة مريم : الآيات 16 ـ 34 :
«واذكر في الكتاب مريم اذ انتبذت من اهلها مكان شرقيا * فاتخذت من دونهم حجابا فارسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا * قالت اني اعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا * قال انما ان رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا * قالت
|
|