بين يدي الاستاذ 295

فقال الباقر عليه السلام : اما انا يا جابر ، فان جعلني الله شيخا احب الشيخوخة ، وان جعلني شابا احب الشيبوبة ، وان امرضني احب المرض ، وان شفاني احب الشفاء والصحة ، وان اماتني احب الموت ، وان ابقاني احب البقاء .
فلما سمع جابر هذا الكلام منه قبل وجهه وقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه قال : ستدرك لي ولدا اسمه اسمي ، يبقر العلم بقرا كما يبقر الثور الارض» (1) .
قال لي معلمي :
يقول الفيض الكاشاني : من بلغ مقام الرضا تتبدل لديه مرارة القضاء والقدر الى حلاوة .
فالرضا عبارة عن ارتفاع الكراهة ، واستحلاء المرارة في احكام القضاء والقدر (2) .
قال لي معلمي :
من احب بلوغ منزلة الرضا فليقرأ هذا الدعاء كل يوم بعد الصلاة :
«رضيت بالله ربا ، وبالاسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وآله نبيا ، وبعلي اماما ، وبالحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والخلف الصالح عليهم السلام ائمة وسادة وقادة ، بهم اتولى ، ومن اعدائهم اتبرء» (3) .
قال لي معلمي :
لقد داومت على قراءة هذا الدعاء اربعين يوما بعد كل صلاة ، فحصل لي من الرضا والشوق ما لا يوصف .
كنت طالما اردد شعر حافظ الذي يقول فيه :
اكان فراقا ووصلا سواء حبيبي رضاه الذي اطلب
(1) عوالم العلوم 19 / 64 ، الحديث 1 .
(2) مقامات معنوي .
(3) مفاتيح الجنان ـ التعقيبات المشتركة .
بين يدي الاستاذ 296

وحيفا علي فيما لو تمنّيت غير الذي يرغب (1)
قال لي معلمي :
من اراد بلوغ مقام الرضا فعليه اولا ان يزكي نفسه ، وان يكافح الرذائل فيه ، وبعدها يانس بالله ، فاذا مضى عليه زمان وهو مستانس بالله حصل لديه «التوكل والتسليم» و«الرضا» فكل هذا يأتي من الانس بالله سبحانه .
(1) بالفارسية :
فراق ووصل جه باشد رضاى دوست طلب كه حيف باشد از او غير او تمنائى
بين يدي الاستاذ 297



مقام الاعتصام

قال لي معلمي :
ان السالك الى الله عندما يصل مقام الرضا يصبح معتصما بالله ؛ لانه يأنس بربه ويحبه ويعرفه ، ويعدّه حاضرا وناظرا يراقبه ، ولذا فهو لا يعصي الله ، ولا يرتكب حتى المكروهات ، انه ليس على استعداد ان يخالف ولو مقدار ذرة .
وما الاعتصام الا حفظ النفس عن الانحراف والنقص ، وهذا ينشأ من معرفة الله والانس به .
والله سبحانه يقول : «واعتصموا بالله هو مولاكم» (1) . فالانسان بالاعتصام يبلغ مصاف الانبياء الذين هم معصومون وعصمتهم نشأت من معرفتهم بالله عز وجل .
الاعتصام يعني علاقة بين المؤمن والانبياء ، علاقة صميمية لا تقبل الانفكاك ، ولذا جاء في الروايات ان حبل الله هو الائمة المعصومون ، وان معرفة الله لا تتم الا بعد معرفتهم : «ومن عرفهم فقد عرف الله» ، وانهم «عين الله» ، وهذا ما نراه واضحا في الآية الكريمة في قوله تعالى : «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» (2) .
وكما ورد الاعتصام بالله في الآية الآنفة الذكر ، فقد ورد الاعتصام بـ «حبل الله» . قال تعالى : «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا» (3) .
(1) الحج : الآية 78 .
(2) التوبة : الآية 105 .
(3) آل عمران : الآية 103 .
بين يدي الاستاذ 298


فالحبل الالهي انما هو التمسك بالائمة الطاهرين من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .
وهذا الاعتصام بالله وبحبله يهدي الى الصراط المستقيم . يقول عز وجل : «ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم» (1) .
قال لي معلمي :
اجل العاشق المتيّم مفتون برؤية جمال الله ؛ هذا الجمال الذي لا يراه الا القلب المشرق ، فاذا هو مشغوف به ، وقد انعكست آثار الحب عليه انعكاس الشعاع في المرآة .
انك اسرتني بعينيك الناعستين وقد عشقتك..
ان احدا لا يستطيع اصطياد ظبيا بهذا الجمال..
عبثا تقول لي دع هذا الجمال..
عبثا تعظني يا هذا !
(1) آل عمران : الآية 101 .
بين يدي الاستاذ 299



مقام الحزن والخوف
قال لي معلمي :
يقول القرآن الكريم : «الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» (1) .
اجل ان الاولياء تحت رداء الله ولا يخشون احدا الا هو . ولو صبّت عليهم مصائب الدنيا ما شعروا باضعف ؛ انهم في ثبات الجبل لا تزعزعه العواصف ، لكنهم في نفس الوقت يعيشون حالة من الخوف والحزن تجده في اعماقهم المضطرمة بالايمان... ولكن اي حزن هو حزنهم ، واي خوف هو خوفهم ؟!
انه حزن من اجل فراق المحبوب ، وخوف من هجرانه..
يقولون ان العامري الذي جن بمحبوبته اخذوه الى ليلاه ، لما رآها بكى ، فقيل له : لِمَ البكاء الآن وهي قربك وانت قربها ، فلِمَ تبكي ؟
قال اخاف ان يأخذوها مني !
قال لي معلمي :
ان امرّ البلاء واصعبه هو الفراق بعد الانس ، وما لم يذق الانسان حلاوة الوصل لن يدرك مرارة الهجران ولن يقلق من هاجس الفراق ، فهو لا يخشى الفراق لكنه لو نعِم باللقاء ووصل المحبوب الحقيقي ولو لحظة واحدة فلن يحتمل حينئذ الم الفراق ! ايصبر لحظة ؟ لا ابدا .
قال لي معلمي :
اعرف احد الاولياء وهو بمثابة استاذي ، وقد نال مقام الوصل ينشد شعرا في الم
(1) يونس : الآية 62 .
بين يدي الاستاذ 300

الهجران الفراق ويذرف دموع الوجد
حتام اجتر حزني لفراق المحبيب
واسهر ليلي اُنوح
قلبي المجنون لا يسمع نصحا
انه ينسج من سوالفه اغلالا
ويخشى الحرية من اسر المحبوب
ابتعد ايها الواعظ فكلامك لغو
فلا امل في فكاكي ، فهذا قدري
سالته : الم تبلغ الوصل فلِمَ تنوح بالهجران ؟
قال : اجل بلغت الوصال لكنني اخشى الفراق .
اجل ، فكلما نهل الانسان من نبع الوصال وذاق لذائذه تضاعف خوفه من الفراق وغمر قلبه حزن من هاجس الهجران .

بين يدي الاستاذ 301



مقام الاخبات

قال لي معلمي :
ذات ليلة وفي عالم المكاشفة ، او تخلية الروح ، ذهبت الى جمع من الاولياء وكانوا جميعا مستغرقين في صلاة الليل .
رأيتهم جميعا في طمأنينة تامة ، ليتك كنت معي لترى بعينيك الطمأنينة ، وتشهد تلك السكينة وهي تغمرهم .
انهم بلغوا مقام الاخبات الرفيع فهم ينعمون براحة بال تغمرهم طمأنينة وسلام .. الله سبحانه امر رسوله قائلا :
«وبشر المخبتين» (1) .
انهم في حالة السلام الكامل فبشرهم الله به .
طوبى لهم ! اعصابهم هادئة ، وبالهم فارغ ، الله سبحانه ينشر عليهم رحمته وحمايته .. محبوبهم يحبهم دائما ، ومولاهم معهم دائما .
انِسوا بالمحبوب فهم يعبدونه من كل قلوبهم ، يحدثونه ويبثونه الهموم ، فمصيرهم يوم القيامة جنات الخلد .
قال تعالى : «ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات واخبتوا الى ربهم اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون» (2) .
(1) الحج : الآية 34 .
(2) هود : الآية 23 .
بين يدي الاستاذ 302


قال لي معلمي :
الاخبات مقام يأتي بعد مقام الرضا الرفيع ، وفي عقيدتي ان الانسان ما لم يبلغ حالة التسليم والرضا فلن يكون من المخبتين كما قال تعالى في محكم كتابه :
«وليعلم الذين اوتوا العلم انه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وان الله لهاد الذين آمنوا الى صراط مستقيم» (1) .
(1) الحج : الآية 54 .
بين يدي الاستاذ 303



مقام الاخلاص

قال لي معلمي :
الاخلاص مقام هام وخاص ، وسر من اسرار الله عز وجل .
يروي ان حذيفة بن اليمان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الاخلاص ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سألت جبرئيل فقال : ان الله تعالى يقول : الاخلاص سر من سري استودعه في قلب من احببته من عبادي» (1) .
قال لي معلمي :
ان على الانسان ان يجعل من اعماله كلها خالصة لله سبحانه (2) ، وهو القائل عز وجل :
«الا لله الدين الخالص» (3) .
وروي عن امير المؤمنين علي قوله : «طوبى لمن اخلص لله العبادة والدعاء ، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ، ولم ينس ذكر الله بما تسمع اذناه ، ولم يحزن صدره بما اعطي غيره» (4) .
وعن الصادق عليه السلام قال : «الابقاء على العمل حتى يخلص اشد من العمل ، والعمل
(1) منية المريد : 27 .
(2) «الا الذين تابوا واصلحوا واعتصموا بالله واخلصوا دينهم لله فاولئك مع المؤمنين» النساء : الآية 146 .
(3) الزمر : الآية 3 .
(4) بحار الانوار 67 / 229 ، الحديث 5 .
بين يدي الاستاذ 304

الخالص الذي لا تريد ان يحمدك عليه احد الا الله عز وجل» (1) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ثلاث من كن فيه ، او واحدة منهن ، كان في ظل عرش الله (الى ان قال :) ورجل لم يقدّم رجلا حتى يعلم ان ذلك لله رضا او يحبس» (2) .
وعن الامام الجواد عليه السلام : «افضل العبادة الاخلاص» (3) .
والزهراء سيدة النساء عليها السلام قالت : «من اصعد الى الله خالص عبادته اهبط الله عز وجل اليه افضل مصلحته» (4) .
(1) بحار الانوار 67 / 230 ، الحديث 6 .
(2) المصدر المتقدم : 243 ، الحديث 11 .
(3) المصدر المتقدم : 249 ، الحديث 25 .
(4) المصدر المتقدم : 249 ، ذيل الحديث 25 .
بين يدي الاستاذ 305



مقام الخلوص

قال لي معلمي :
وفي هذا المقام يقوم السالك الى الله بما هو اعلى من الاخلاص ، وذلك بعد ان يطهر نفسه من كل شيء الا حب الله ، فتكون صفاته صفات الهية ، وتكون يده يد الله ، ولا ترى عينه شيئا غير الحق ، ولا يسمع سوى الحق ، ولا يقول الا الحق .
وليس في ذاته من صفات الشيطان والحيوان مقدار ذرة .
وبعبارة واحدة تكون اعماله واخلاقه وسلوكه وروحيته الهية فلا شائبة في وجوده .
وقد فصلنا هذه المراحل في كتاب «السير الى الله» فراجع ان شئت .

بين يدي الاستاذ 306



مقام التوحيد

قال لي معلمي :
اذا استطاع الانسان الخلاص من الرذائل ، وزكى نفسه ، وحصل على الرضا الالهي ، وجعل من نفسه نموذجا للانسان الكامل ، وبلغ مرتبة الاخلاص والخلوص وهما من اعلى المراتب واشقها على الانسان ، فانه حينئذ سيصل الى مقام القرب الالهي وهو حلم جميع الاولياء .
سيصبح وليا لله محبوبا من لدنه ومن انصار الله ، واذا اصبح الانسان موحدا تكون ارادته ارادة الله ، وسيبلغ مقام التوحيد ، حيث تذوب كل رغباته ، وتتلاشى الآلهة المزيفة في وجوده ، سيصل مقام الكمال الحقيقي .
وهنا سكت الاستاذ واطلق آهة ثم قال : كم يخطئ هؤلاء الناس وهم يلهثون وراء البطولات في كل الالعاب وفي كل حقول الحياة .. اما في الحقول الانسانية والكمال الروحي ، فلا يفكر في ذلك احد ، مع ان الله خلقهم لذلك هل ان الله تعالى امرهم بالاستباق في امور الدنيا ؟ ام انه خاطبهم قائلا : «فاستبقوا الخيرات» (1) .
وهو سباق في طريق الكمال الانساني ، وهذا ما نجده في حياة ائمة اهل البيت وقد جاء الثناء فيهم : «ومنهم سابق بالخيرات» (2) .
وقد امرنا الله سبحانه باتباعهم .
(1) البقرة : الآية 148 .
(2) فاطر : الآية 32 .
بين يدي الاستاذ 307



مقام الوحدة

قال لي معلمي :
عندما يتزكى الانسان ويطهر نفسه من كل الرذائل الشيطانية ، ويصبح مرآة تتجلى فيها صفات واسماء وافعال الذات الاحدية المقدسة ، فانه يكون قد بلغ مقام الوحدة ، وقد تخلّق باخلاق الله ، وقد توثّقت العلاقة بينه وبين صاحب الامر ، علاقة لا تقبل الانفكاك ، ينطبق عليها قول الشاعر :
وانا المولى والمولى انا نحن روح واحد في بدنين (1)

فكل ما يريده المولى يريده هو ، وكل ما يأمر به المولى يأمر به هو ، عندها يستطيع الاولياء بالارادة الواحدة ان يُطبقوا السماء على الارض .
انهم يتوحّدون مع مولاهم ، ولا يوجد بينهما ذرة من الاختلاف ، وكلما زاد قربهم من المحبوب تتضاءل ارادتهم التكوينية ، ومن هنا جاء قوله تعالى مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم : «وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى» (2) .
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هزيمة الاحزاب :
«وهزم الاحزاب وحده» (3) .
(1) جاء في الشعر العربي :
انا من اهوى ومن اهوى انا نحن روحان حللنا بدنا

فتامل الصورتين (المترجم) .
(2) الانفال : الآية 17 .
(3) مفاتيح الجنان : 13 .
بين يدي الاستاذ 308


ففي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ان الله سبحانه هو الذي هزم جيوش الاحزاب .
هذه هي مرحلة الوحدة ، وهي نتيجة السير الى الله ولقاء الخالق عز وجل وبلوغ نبع المقصود .

بين يدي الاستاذ 309



مقام الفناء في الله

قال لي معلمي :
لقد ذكرت لك معنى «الفناء في الله» ، وجرى ذلك على لساني ، فمما حدثتك به هو ان الانسان اذا ما وقف امام المرآة ، فسوف ترتسم له صورة تشبهه تماما ، ولن يجد اي فرق بينه وبينها ، فكل الصفات والخصائص الظاهرية سوف تنعكس كما هي في المرآة .
وهنا يمكن القول ان الصورة قد فنيت في هذا الشخص ؛ لانه لا توجد اية علامة فارقة بينهما .
ومثال آخر : لو انك القيت بسبيكة من الحديد في موقد حتى اذا احمرت واتّقدت وتوهّجت واصبح لها نفس صفات النار ، حينئذ يمكن القول ان سبيكة الحديد فنيت في النار وامحت فيه ، وتصبح في الظاهر نارا ، ولا يبقى من الحديد شيء .
والانسان ايضا اذا ما سما الى مقام الانسانية الرفيع ، وتخلّق باخلاق الله ، وتجلّت فيه صفات افعال الله ، واصبح مرآة تامة لله ، فانه يكون قد بلغ مرتبة الفناء في الله ولن يكون حينئذ فرق بين العبد ومولاه في الصورة الظاهرة ؛ لانه قد فني فيه .
قال لي معلمي :
ابى الله ان يجري الاشياء الا بالاسباب (1) ، كما جاء في الحديث وعن جابر بن
(1) بحار الانوار 2 / 90 ، الحديث 14 .
بين يدي الاستاذ 310

عبد الله قال : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اول شيء خلق الله تعالى ما هو ؟ فقال : «نور نبيك يا جابر ، خلقه الله ، ثم خلق منه كل خير» .
وقال ابو عبد الله الصادق عليه السلام : «نحن السبب بينكم وبين الله عز وجل» (1) .
ولذا نقول ان المعصومين الاربعة عشر المرآة التي يعكس فيها الجانب الالهي ، وان على الانسان الذي ينشد الكمال الروحي بكل مراتبه ان يجعل من روحه مرآة لهذه الانوار المقدسة .
يمكن ان نمثل لذلك بالشخص الذي يضع مقابل الشمس مرآة ، ثم يأتي شخص آخر ليضع مرآة مقابل صورة الشمس المنعكسة داخل المرآة الاولى وصحيح قوله : ان في مرآتي شمس ايضا .
لكن صفات الكمال الانساني هي اخلاق الله ، ونحن نقتبسها من الانوار المقدسة للائمة الاطهار ، وصحيح ان نقول اننا تخلقنا باخلاق الله ، وصحيح ايضا قولنا اننا اتباع وشيعة امام زماننا .
(1) بحار الانوار 15 / 24 ، الحديث 43 .
بين يدي الاستاذ 311



الملائكة

«في هذا القسم حقائق اختلف حولها العلماء ، ولذا ينبغي على السالكين الى الله الاهتمام بها ، والتأمل فيها» .
قال لي معلمي :
كنت مبتهجا ذلك الصباح بعد صلاة الفجر ، وقد قرأت الزيارة الجامعة ، فالتقى قلبي وليا من اولياء الله ، واشرقت روحي باللقاء ، فراح يصف لي خلق الملائكة :
ان الله عز وجل خلق الانوار المقدسة للمعصومين قبل خلق الخلق (1) ، فهي مستأنسة به لا تفارقه لحظة ، تحبه ويحبها ، ثم خلق الله بعد ذلك الملائكة من انوارها .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل لعلي عليه السلام :
«ثم خلق الملائكة ، فلما شاهدوا ارواحنا نورا واحدا استعظموا امورنا ، فسبحنا ليعلم الملائكة انا خلق مخلوقون ، وانه منزه عن صفاتنا ، فسبحت الملائكة لتسبيحنا ونزهته ، فلما شاهدوا عظم شأننا هللنا لتعلم الملائكة ان لا اله الا الله ، وانا عبيد ولسنا بآلهة يجب ان نعبد دونه او معه ، فقالوا لا اله الا الله ، فلما شاهدوا كبر محلنا كبّرنا الله لتعلم الملائكة ان الله اكبر من ان ينال (الى ان قال :) فبنا اهتدوا الى معرفة الله تعالى وتسبيحه وتهليله وتحميده» (2) .
والملائكة مخلوقات طيبة ، مطيعة ، طاهرة ، بعيدة عن مظاهر التكبر «بايدي
(1) الامام علي عليه السلام : «نحن صنائع ربنا» بحار الانوار 53 / 178 ، ذيل الحديث 9 .
(2) كمال الدين ـ الصدوق 1 / 254 .
بين يدي الاستاذ 312

سفرة * كرام بررة»
(1) . فهم لا يعرفون غير الطاعة لربهم (2) .
وقد علّمهم الله سبحانه ، واوكل اليهم مهمات يقومون بها «فالمقسمات امرا» (3) ، «اذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد» (4) .
واعمالهم ايضا حفظ السموات من تسلل الشياطين لاستراق السمع : «انا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد» (5) ، «له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله» (6) ، وهم من الكثرة والعدد ما لا يعلم الله عز وجل .
امّا قابلياتهم على استيعاب العلوم فليست كالبشر . وفي الملائكة من تسامت درجته ومرتبته وهم اربعة (جبرائيل واسرافيل وميكائيل وعزرائيل) ، وقد اوكل الله اليهم مهاما كبرى : «الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس» (7) .
فجبرائيل يحمل رسالات الله الى الانبياء ، وعزرائيل يقبض ارواح الناس ممن حانت آجالهم «ملك الموت الذي وكّل بكم» (8) .
وهؤلاء الاربعة اعظم ما خلق الله من الملائكة (9) .
(1) عبس : الآيتان 15 و 16 .
(2) بحار الانوار 56 / 171 .
(3) الذاريات : الآية 4 .
(4) ق : الآية 17 .
(5) الصافات : الآيتان 6 و 7 .
(6) الرعد : الآية 11 .
(7) الحج : الآية 75 .
(8) السجدة : الآية 11 .
(9) رسول الله (ص) :«ان الله تبارك وتعالى اختار من كل شيء اربعة : اختار من الملائكة جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت» بحار الانوار 2 / 92 ، الحديث 21 .
بين يدي الاستاذ 313



عالم الملائكة

قال لي معلمي :
ليلة كنت مستغرقا في عالم المكاشفة ، مستغرقا في تأملاتي لماذا يرفض البعض بعض الحقائق التي جاءت بها الكتب السماوية ، وهي معقولة الى حد كبير ، وتنسجم مع الفطرة ، ثم لا يكتفون بذلك بل يصغون الى اقوال الفلاسفة الماديين من الذين لا يؤمنون حتى بالله عز وجل (1) مع ما فيها من الغموض والايهام ويعدونها ملاك العقل .
وعلى كل حال قال دليلي عن عالم الملائكة :
خلق الله عز وجل الملائكة من الهواء والنور ، ولذا لا تستطيع العين البشرية رؤيتهم (2) .
وهم اعداد هائلة لا يعلم عدتهم احد الا الله ، وهم عبيد الله ، مخلوقون لطاعته ،
(1) الامام الصادق عليه السلام : «... فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه ، فان فينا اهل البيت في كل خلق عدولا ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتهال المبطلين ، وتأويل الجاهلين» بحار الانوار 2 / 94 ، الحديث 32 .
(2) «فارسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها» الاحزاب : الآية 9 .
الامام ابو محمد الحسن العسكري عليه السلام : «... في ما احتج به رسول الله صلى الله عليه وسلم به على المشركين : والملك لا تشاهده حواسكم : لانه من جنس الهواء ، لا عيان منه ، ولو شاهدتموه بان يزاد في قوى ابصاركم لقلتم ليس هذا ميكائيل هذا بشر» بحار الانوار 56 / 171 ، الحديث 1 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي