بين يدي الاستاذ 283


داومت على هذا الوِرد عدة ايام ، وكنت اذهب خلالها الى استاذي فيتحدث معي حول التسليم ساعة كاملة ، وهو يعتقد بان آيات القرآن الكريم وروايات اهل البيت عليهم السلام تضيء النفس الانسانية وتضيء الطريق الى الكمال :
وفي مدة قصيرة بلغت مرادي ، وهو منزلة التسليم ، فلم يساورني القلق ، وساروي لك بعض ما حدّثني به الاستاذ :
1 ـ قال تعالى : «لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور» (1) .
2 ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ان الله جل ثناؤه يقول : وعزتي وجلالي ، ما خلقت من خلقي خلقا احب الي من عبدي المؤمن ولذلك سميته باسمي مؤمنا ، لأحرّمه ما بين المشرق والمغرب وهي خيرة له مني ، واني لأملّكه ما بين المشرق والمغرب وهي خيرة له مني فليرض بقضائي ، وليصبر على بلائي ، وليشكر نعمائي ، اكتبه يا محمد من الصيدقين عندي» (2) .
قال لي معلمي :
قال لي تلميذ من تلامذتي ، وكان فيما يبدو يريد بلوغ منزلة التسليم ، فكان يجتنب كل عمل يتنافى مع التسليم المحض ، قال لي يوما : لقد تركت الدعاء فلن اطلب من الله شيئا ، فكل ما يريد الله هو الذي يحصل .
قلت له : انت مخطئ لان الذي يريد التسليم لاوامر الله عليه ان ينتهي بنهي الله ويأتمر بامر الله ، ولو انك التفت الى آيات القرآن وما ورد في الروايات لرأيت كيف ان الله سبحانه يريد من عباده الدعاء .
فالقرآن الكريم يخاطب المؤمنين من الذين اسلموا وجوههم لله قائلا : «ادعوني استجب لكم» (3) . فمن يريد بلوغ درجة التسليم عليه ان يكون سباقا في طاعة الله ، وعليه ان يطلب كل شيء من الله .
(1) الحديد : الآية 23 .
(2) بحار الانوار 68 / 158 .
(3) غافر : الآية 60 .
بين يدي الاستاذ 284




قال لي معلمي :
ذات ليلة ، وفي عالم المكاشفة ، رأيت ايوب النبي ، ورأيت ما جرى عليه من البلاء ، وساحدثك عن ذلك النبي الذي اُبتلي ، فصبر .. كأني رأيت الملائكة ، كما جاء في الروايات ، تثني عليه . قال ملاك وقد حفت به الملائكة : ليس على وجه الارض مثل ايوب في عبادته وزهده وايمانه . زاد الله في رزقه ، ومد في عمره ، يعطي السائل والمحروم ومن له حق معلوم ، ويقضي وقته في الشكر الله على ما انعم عليه .
ادركت انني في زمن ايوب النبي واشهد قصته في الصبر وتسليمه لله ، وكان الشيطان يضمر له الكيد .
رأيت الشيطان يصغي بحقد للملائكة وهي تمجّد ايوب الانسان ، وتصف عبادته وشكره وتثني عليه .
وكان هم الشيطان اغواء الانسان الصالح ، وافساد عقيدة المؤمن ، وادخال الوسوسة في قلبه .
في الاثناء رأيت دليلي (1) ، فاسرعت اليه ، وطلبت منه ان نذهب الى بيت ايوب لنرى عن قرب صبره وتسليمه ، ونرى ما سيفعله الشيطان .
رأينا الشيطان يتسلل الى منزله .. ايوب لم ير الشيطان وهو يطوف في المنزل متجسسا ، فراى ايوب صاحب نعمة وقد آتاه الله ثراء ومالا ولكن الثروة لم تبطره ،
(1) المراد بالدليل الروح المقدس لاحد الائمة الاطهار ، ولا يريد الاستاذ التصريح به .
بين يدي الاستاذ 285

ولم تغره ، وانما كان دائم الذكر لله ، وكانت يداه تنفقان على الفقراء ؛ يطعم الجائعين ، ويكسي العراة ، ويغيث البائسين والمكروبين ، ويفك اسر المأسورين ، وكان اضافة الى كل ذلك يضرب على ايدي الظالمين ، ويعلم الجاهلين ، وينشر العلم والنور .
في البداية رأينا الشيطان يوسوس في قلب ايوب يريد ان يخدعه بزخارف الدنيا ومظاهرها الخداعة ..
ما ان فعل ذلك الشيطان حتى رأينا ايوب يطرده ويلعنه ، فارتد الشيطان خاسئا ، وقد ادرك ان ايوب من عباد الله المخلصين ، وهؤلاء ليس للشيطان اية سلطة ، ولا يمكنه ان يفعل معهم شيئا .
قال الشيطان لله : ان عبدك ايوب يعبدك ، ويقدس اسمك ، ولا يفرغ قلبه من ذِكرك ، ولا يفتر عن تسبيحك .. انه لا يفعل ذلك عن خلوص في نيته ، ولا يقصد القربى منك . بل عوضا عما انعمت عليه من مال وبنين وطمعا بالمزيد ليدوم ملكه ويربو ماله .
افلا يستحق كل هذا الملك العريض من آلاف الابل ومئات الخيل والبقر والزراع الشكر والعبادة ؟
اليست عبادته خوفا من زوال نعمته وسلب ماله ، فيذكرك ويلهج لسانه بحمدك ؟
وكان الشيطان صادقا فيما قال ، فايوب كان ثريا جدا يعيش في نعيم وراحة ، والله سبحانه يحب اولياءه ويفيض عليهم بالبركات .
قلت لدليلي : اصادقا كان الشيطان فيما قاله عن ايوب بان عبادته عن طمع ، وانه لولا الطمع ما عبد الله ؟
قال دليلي : لان الشيطان من اهل الطمع ويعبد الدنيا ولهذا يتصور غيره هكذا .
وسمعت الشيطان يقول : الهي ، ان عبادة ايوب انما هي عبادة خوف وطمع ؛ خوف من زوال نعمته ، وطمع في المزيد ، وهذه عبادة لا قيمة لها ، ولو انك سلبت ملكه العريض سترى حينئذ كيف يسقط ذِكرك عن لسانه ، وتخرج طاعتك من قلبه .

بين يدي الاستاذ 286


وشدهت لوقاحة الشيطان وجرأته حتى كدت انفجر .. كيف يتكلم في رحاب الله من اجل اغواء الانسان ؟!
لكن الله سبحانه قال : ان عبدي ايوب مخلص في عبادته وايمانه لا شائبة فيه ، وانه لا يعبدني الا لانه وجدني اهلا للعبادة ، فذِكره لي منزه عن حب الدنيا ، بعيد عن الاطماع ، ويقينه اسمى من الخوف ..
وها انا اسلطك على امواله وثروته فاجلب عليه بخيلك ورجلك ، وسترى بنفسك عاقبة عملك .
وسر الشيطان بما مكنه الله ، وبرقت في عيونه الشرور ، فجمع اعوانه ثم وزعهم ليهاجموا كل ما يملكه ايوب ..
وسرعان ما احترقت المزارع ، ونفقت الماشية ، ولم تمض مدة وجيزة حتى استحال ايوب الى شيخ لا يملك لنفسه حولا ولا قوة ، واصبح ايوب بائسا فقيرا لا يملك شروى فقير .
جئت ودليلي لنرى ما سيفعله الشيطان بعد ذلك .. فرأيناه ينتحل شخصيته شيخ حكيم يتوكا على عصاه ، حتى اذا مر بايوب قال له ـ وايوب يعرف هويته ـ :
الآن وقد احترق كل ما تملك ، واصبح كل شيء هشيما تذروه الرياح ، افلا تعترض على ربك .. قد احترقت مزارعك الخضراء ، ونفقت غنمك وخيولك وابلك ما معنى صبرك هذا ؟ ان القريب والبعيد يشمت بك ..
قال احدهم : ان ايوب رجل مرائي ، وما زكاته وصدقاته الا رياءا .
وقال آخر : لو كان الله قادر على جلب الخير ودفع الشر ما جرى على ايوب ما جرى .
وقال ثالث : ان الله هو الذي انزل البلاء على ايوب ليسر اعداءه ويحزن اصدقاءه .
كان الشيطان يتصور ان ما حدث بايوب من البلاء والدمار سيفرغ قلبه من الايمان .. لكني رأيت مع دليلي ايمان ايوب ، لقد كان قويا كالجبل ، وصامدا كشجرة عميقة الجذور ، لهذا سمعناه يقول لذلك الشيخ المزيّف :
ما احترق واندثر وما ذهب لم يكن ملكي كان عارية اودعها الله عندي ، فاسترد

بين يدي الاستاذ 287

الله امانته ، انتفعنا بها مدة وشكرناه ، وقد استردها الله منا ، وها انا صابر على ما حل بي ، وقد سلمت امري اليه ، فانا احمد الله على كل حال ، هو مالك الملك ، يؤتي الملك من يشاء ، وينزع الملك عمن يشاء ، بيده الخير ، يعز من يشاء ، ويذل من يشاء .
قال ايوب ذلك وهوى ساجدا لله ، فيما كان الشيطان ينظر اليه بحقد وكراهية وحيرة .
غمرتني الفرحة لجواب ايوب ، لقد كان ذلك صفعة للشيطان الذي ولّى ..
ذهب الشيطان ليطلب من الله المزيد من الامكانات في تعذيب ايوب وصب البلاء عليه قال له : الهي ، ما يزال ايوب يشعر بالامل ، انه ينظر الى اولاده في عافية سوف يأخذون بيده ويعينوه .. انهم اولاد اشدّاء ، وسوف يعملون على استعادة ما فقدوه .
لكني لو تسلطت عليهم وافنيتهم فان صبر ايوب سوف ينهار امام مصيبة فقد الاولاد والاهل .
قال الله سبحانه : لقد سلطتك عليهم ، فافعل ما بدا لك ، انك لن تنال من ايمان عبدي .. ان ايوب نِعم العبد .
احترق قلبي من اجل ابناء ايوب ، ماذا سيفعل الشيطان بهم ؟!
قال دليلي : الدنيا دار امتحان ، ولن يحرم ابناء ايوب الاجر والثواب .. وستكون قصة ايوب عبرة للاجيال على مر التاريخ .
وارتقى الشيطان تلا ونادى اعوانه فاجتمعوا ولهم صفير ، فامرهم ان ينطلقوا الى قصر منيف حيث يعيش ابناء ايوب .. فتبعتهم مع دليلي لننظر ما سيفعلون .. ما ان وصل الشيطان حتى رأينا جدران القصر تهتز وتتزلزل ، ثم خر السقف فجاء ، وتهاوت الحيطان ، وما هي الا لحظات حتى قتل جميع اولاد ايوب .
تلبّس الشيطان صورة اخرى وانطلق الى ايوب ليقول له : اتدري ما صب الله على اولادك من البلاء ؟ لقد قتلهم جميعا .. ليتك كنت شاهدا لترى ما حل بهم .. لتسمع تهشم عظامهم تحت الارض .. عبثا ذهبت عبادتك .. الله لم يرع لك حقا ..

بين يدي الاستاذ 288


ايوب يذرف الدموع لكنه يقول : اولادي هبة الله لي وشاء ان يستردها ، وانا اشكره مطيعا ومستعيذا ..
وهوى ايوب ساجدا ليله .. اما انا فقد شهدت كيف احترق الشيطان بنار حقده ، وكيف استحال الى دخان اسود كثيف ؛ ان حقده يتضاعف على ايوب ، فانطلق يولول نحو الله قائلا : ان ايوب ينعم بعافية ، سوف يتزوج امراة اخرى ويصبح له اولاد وذرية وينسى ما حل به من مصائب ، انه كالنهر فالماء الذي يذهب ياتي مكانه ماء ويجري النهر .. لكني لو تسلطت على بدنه وعافيته فسترى عبادته حينئذ كيف تكون .. ان ايوب سيتمرد .. لن يتحمل عذاب العلل وآلامها .
كنت اصغي ودليلي الى وقاحة الشيطان ، واتعجب من قسوته وحقده .. فسمعنا صوتا من قِبل الباري عز وجل .. ان ايوب آيتي للعالمين ، انه يعبدني ولا يشرك بي شيئا ، انه مثال التسليم لي .. اذهب لقد سلطتك على بدنه ولكن ليس لك سلطان على روحه وعقله وفؤاده (1) .
وعاد الشيطان وقد برقت في عيونه الشر والحقد والكراهية لبني آدم ، فراح يعذب ايوب ، وينخر في بدنه الى ان سقط ايوب طريح الفراش ، جسمه يذوي ويخبو كشمعة تحترق في قلب الظلمات .
وكان الشيطان يعذبه اشد العذاب (2) .
ذهبت مع دليلي لعيادته ، وجلسنا الى جانبه نبكي ؛ انه الآن في اسوأحال ، لقد غارت عيناه ، وذاب لحمه ، واصبح جلدا على عظم ، وقد اصفر لونه تماما .. ومما يحز في النفس ان جميع اصدقائه هجروه وتركوه وحيدا .. لم يبق حوله احد ، تفرقوا
(1) عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام : «ان الله عز وجل يبتلي المؤمن بكل بلية ، ويميته بكل ميتة ، ولا يبتله بذهاب عقله ، اما ترى ايوب كيف سلط ابليس على حاله ، وعلى ولده ، وعلى اهله ، وعلى كل شيء منه ، ولم يسلطه على عقله ، ترك له يوحد الله به» بحار الانوار 60 / 201 ، الحديث 18 .
(2) بحار الانوار 60 / 200 ، 201 ، الحديث 17 ـ باب قصص ابليس .
بين يدي الاستاذ 289

جميعا الا زوجته الطيبة ، كانت المصدر الوحيد الذي يمده بدفء العاطفة ، ويضيء قلبه بالنور ، وكانت «رحمة» مصدر عزاء له في كل ما يواجهه من قسوة الزمان والاصدقاء .. وظل ايوب يشكر الله على ما انعم عليه ..
شاهدنا الشيطان يتميز غيظا ان ايوب ما يزال يقاوم ببسالة نوائب الدهر ومصائب الحياة ، فراح يفكر ويفكر ، فقتل كيف فكر ، ثم قتل كيف فكر . تساءلت مع دليلي : تُرى ماذا سيفعل الشيطان ، وكيف سيعالج هزائمه المنكرة وغروره وتكبره ؟
قال دليلي : انه سيبذل كل ما بوسعه في الصراع مع ايوب ، انظر انه يريد ان يفعل شيئا جديدا .. انه يجمع اعوانه ليحدثهم عن هزيمته امام ايوب ، قال له احد الاعوان : اين ذهب مكرك وحيلتك ودهاؤك ؟
اين ذهبت حبائلك .. اين نبالك وسهامك القتالة ؟!
قال الشيطان : لقد اطلقت عليه آلاف الاسهام والنبال لكنها تكسرت جميعا عند قدميه ، ان قلبه ما يزال قلعة للايمان .. لم استطع ان انفذ الى قلبه لحظة واحدة .
قال شيطان مريد : حدثنا كيف اخرجت آدم ابا البشر من الجنة ؟
قال الشيطان : عن طريق زوجه حوّاء ، خدعتها ووسوست لها ، فجرت زوجها الى المعصية .
قال الشيطان المريد : اذن جرب هذه الحيلة واهزم ايوب باستدراجك زوجته !
واطلق ابليس قهقهة شيطانية ، اعقبها صوت مخيف فيه صفير وفحيح ، وانطلق الى زوجة ايوب ، تمثل لها بصورة رجل اعترض طريقها بسؤال : اين زوجك ؟
قالت هو هناك ، انه يعاني من ضعف شديد كأنه يحتضر .. لقد مرت سنوات وهو يعاني الآلام ، لا هو بالميت فاُقيم عزاء ، ولا هو بالحي فاتعلق بحبل الامل .
وفرك الشيطان يديه ، فراح يوسوس لها ، راح يذكرها بالايام الخوالي ، ايام النعمة والثراء والراحة .. فتدمع عيناها ، ويحترق قلبها ، ويتضاعف اساها وحزنها .
فاتجهت الى ايوب وقالت : الى متى يا ايوب تتعذب ، الى متى يصب عليك ربك العذاب ؟ لماذا انت من بين الناس جميعا ؟ لقد تبددت اموالك ومات ابناؤك .. وانفض عنك اصدقاؤك .. واندثر جلالك ، اين ذهب كل ذلك ولِمَ يا ايوب ؟

بين يدي الاستاذ 290


قال ايوب بحزن : لقد خدعك الشيطان ، كلماتك اسمع فيها وسوسته ، اللعنة على الشيطان ، اتاسين يا زوجتي على ما فاتنا .
قالت المراة : لِمَ لا تدعو ربك ليرفع عنك البلاء ؟
قال ايوب : كم عشنا في نعمة وراحة ، كم مضى علينا من السنين في ذلك النعيم ؟
قالت : ثمانون سنة .
قال : ومن البلاء ؟
قالت : سبع سنين .
قال : اني لاستحي من ربي ان اطلب منه رفع البلاء حتى تتساوى سنوات البلاء مع اعوام النعيم والرخاء ..
لكني اظن بان ايمانك قد ضعف ، وقلبك قد فرغ ، فلا تحتملين قضاء الله .. واني لاحلف بالله ان عوفيت ضربتك مئة سوط ، وعهد الله علي لا اشرب ولا آكل من يدك ، وقد حرمت ذلك عليّ ، ولن اراجعك في اي عمل ..
والآن اغربي عن وجهي حتى يقضي الله امرا كان مفعولا .
وتضاعف حزن ايوب بعد ان اصبح وحيدا لا يعينه احد ، ان وقع الالم سيكون شديدا عليه بعد ما حصل ذلك مع زوجته . حينئذ نظر الى السماء ، ومد كفيه ، وقال بضراعة وخشوع : رب «أني مسني الضر وانت ارحم الراحمين» (1) .
لقد شهدتُ ذروة الصبر ، وعمق التسليم لله ، انّ ايوب يهزم الشيطان .. لقد هزم الانسان المؤمن ابليس .. كل هذا البلاء ، وكل هذا الالم ، وايوب يزداد لله حمدا وتسليما .
واستجاب الله دعوة ايوب ، ذلك العبد الصابر ، فاوحى الله اليه ان اضرب الارض برجلك ، فلما فعل ذلك نبعت الارض ماءا باردا زلالا ..
واغتسل ايوب ، وارتدى ايوب ثوب العافية مرة اخرى .. لقد التأمت جراحه
(1) الانبياء : الآية 83 .
بين يدي الاستاذ 291

وقروحه ، وشاع نسغ الحياة والصحة في بدنه .
وكان مشغول الفكر ، ماذا يفعل بنذره مع زوجته الوفية الطيبة ، كيف يفي بنذره ؟!
وجاءت رحمة .. جاءت تمرّضه كعادتها ، انها لا تستطيع ان تترك زوجها الذي يذوي ويذوي ويكاد يموت .. جاءت لكنها لم تجده ، تلفتت هنا وهناك فلم تجد ايوب .. وجدت شابا وضيء الوجه تموج العافية في وجهه .. فاطالت النظر اليه ، لقد رأت فيه شباب زوجها ، ولم تلبث ان اكتشفت الحقيقة المدهشة ، لقد حدثت المعجزة ، وقد نجح ايوب في الامتحان الصعب ..
فخفّت اليه وعانقته .. وكان ايوب ما يزال مشغول الفكر ، فاوحى اليه ان ياخذ ضغثا ، اي خيوطا من الليف ، عددها مئة ويضرب برفق زوجته مرة واحدة ليفي بذلك بنذره ، ولا يجازي زوجته بالاحسان الا احسانا .. انها رفيقة دربه ، وشريكة صبره وايمانه ومقاومته .. واعاد الله الى ايوب نعمته .. امواله واولاده ، وزاد في رزقه ، وبارك في حياته ، فنمت مزارعه ، وولدت ماشيته اضعافا مضاعفة !
«وايوب اذ نادى ربه أني مسني الضر وانت ارحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه اهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين» (1) .
وادركت اهمية الصبر والتسليم مقابل مشيئة الله واراته ، وان مشقة الدنيا حلاوة الآخرة ، وان الله يجزي الصابرين .
(1) الانبياء : الآيتان 83 و 84 .
بين يدي الاستاذ 292



مقام الرضا الرفيع

قال لي معلمي :
زرت يوما احد العلماء وكان ذلك في اواخر حياته رحمه الله ، وقد انتشر الشلل في جسمه ، حتى انه كان يوضع الطعام في فمه ، وكان لا يستطيع الحركة خطوة واحدة .
ذهبت لعيادته وسألته عن حاله اذا به يقول ، وقد ارتسمت ابتسامة رضا على شفتيه : ماذا اُريد من الله ؟ لقد وهبني كل ما طلبت ، كأني اسمعه يقول لي : يا عبدي ، لا تكلف نفسك في الاكل لقد وكلت من يفعل ذلك .
كان يقول هذه الكلمات بحيوية ، تشعر من يسمعها بانها خارجة من اعماق قلبه .. كانت كلماته مفعمة بالرضا .
لقد شعرت وانا في حضرته بذلك ، وادركت ان هذا الرجل قد بلغ مقام الرضا الرفيع .. وادركت ان من احب الله رضي بقضائه ، وحينئذ سيرضى الله عنه . يقول سبحانه عن عباده هؤلاء : «رضي الله عنهم ورضوا عنه» (1) .
لقد ادركت تماما مقام الرضا ، وفكرت لو اني اعود لمجالسة الآخرين ، فان هذا الوضوح قد يتراجع مرة اخرى ، فطلبت من ولي الله ان اقضي اياما اخر في مرافقته وهو وافق .. وها انا انقل لك مشاهداتي عن نموذج «الرضا الكامل» بما استطعت ملاحظته ، فاصغ لما اقول :
كان اشبه بالسجين ، وكان المرض يشبه قضبان السجن ، قيل له : سوف يطلق
(1) المائدة : الآية 119 .
بين يدي الاستاذ 293

سراحك من السجن ، فكان ينتظر الملاك عزرائيل ويعده ملاك الرحمة ومن بيده مفتاح السجن .. سجن الدنيا . عندما يشتد عليه المرض كان يتضاعف فرحه ويقول : ان محبوبي يعانقني ، آه ما الذ الوصال !
وتذكرت في تلك اللحظات ما يقال على المنابر في ايام عاشوراء الحسين ؛ اذ كان وجهه يشتد سطوعا كلما اشتدت المصائب عليه حتى هتف عليه السلام : «رضا برضائك» (1) .
فكان في كل حال يشعر بالرضا ، حتى رأيت في وجهه ذلك ، ورأيت في وجهه تألق الآية الكريمة : «الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» (2) .
لقد قضيت اياما وانا اراه يتقلب بين الموت والحياة ، وكان المرض يشتد عليه ، وكان يتجه بسرعة نحو الموت ، ولو اصيب غيره بما اصيب لشكى وبكى ، لكني لم ار عليه سوى مظاهر الرضا والطمأنينة والسلام ، وادركت حينها معنى الآية الكريمة من قوله تعالى : «يا ايتها النفس المطمئنة * ارجعي الى ربك راضية مرضية» (3) .
لكأن هذه الآية تشع بهذا المعنى ، وهو عندما تبلغ النفس الانسانية الكمال وتستعد للقاء الله العظيم ، حيث التسليم لارادته سبحانه ، حينئذ يتحقق الخطاب الالهي لذلك الانسان الراضي برضا الله ، فيكلمه الله ، ويولد الحب الالهي بين الرب وعبده ، فيرضى الله عنه ويرضى هو عن الله .
هذا الحب الكبير الذي يرتفع بالانسان الذي لا يملك من نفسه شيئا الى مقام فريد ، ليكون حبيبا عند محبوب عظيم ، فيرتبط بالقدرة المطلقة ، ومن يصل هذه المرحلة يصل السعادة المطلقة .
فمن بلغ مقام الرضا يعني انه بلغ الكمال ، حين تزول كل الحجب الظلمانية والنورانية ، ويتخذ مكانه بين اولياء الله في الدنيا وفي الجنة .
(1) مقتل الحسين عليه السلام .
(2) يونس : الآية 62 .
(3) الفجر : الآيتان 27 و 28 .
بين يدي الاستاذ 294


ولذا ورد في القرآن هذا الخطاب :
«فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي» (1) .
وخلال مشاهدتي لولي الله ادركت ان جنته قد بدأت في الدنيا ! فما الذي يوجد في الجنة لم يمنح له في الدنيا ؟ في الجنة رضوان من الله اكبر وقد حصل عليه ، في الجنة علاقة الاولياء بالله وقد تحققت فيه ، في الجنة رضا من الله وقد خاطبه الله بذلك في الدنيا .
قال لي معلمي :
حلقت روحي ليلة وتدفق نبع الحب الالهي في قلبي وروحي ، وادركت انها ليلة المبعث النبوي الشريف ، فجأة وقبل ان انام تالّقت امام عيني هذه الآية الكريمة :
«فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلّموا تسليما» (2) .
كانت الآية تشع بنور خاص ، وكانت تقودني الى مقام الرضا ، مع انها تشير الى مقام التسليم ، لكن لو ان احدا انتفى في قلبه الحرج من قضاء الله وقدره فهو الرضا الكامل عن الله عز وجل .
قال لي معلمي :
رأيت نفسي يوما في عالم المكاشفة جالسا الى جانب جابر بن عبد الله الانصاري ، وكان في فراش المرض ، وفي الاثناء دخل عليه الامام الباقر وقد جاء لعيادته .
وشعرت بالفرحة تغمرني ؛ لاني استطعت رؤية الامام وهو لم يزل في شبابه ، فيما كان جابر طاعنا في السن .
«فساله عن حاله فقال : انا في حالة احب فيها الشيخوخة على الشباب ، والمرض على الصحة ، والموت على الحياة .
(1) الفجر : الآيتان 29 و 30 .
(2) النساء : الآية 65 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي