بين يدي الاستاذ 259


قلنا : نعم .
قال : وان تتبعوا العقل فهو حجتي الباطنة عليكم فلا تعطلوه .
قلنا : نعم .
قال : والا تتبعوا ائمة الكفر والطاغوت .
قلنا : نعم . وهكذا تم ميثاق ربنا علينا .
تبددت ظلمة الليل ، وآذن السحر بالانتهاء ، وقد وجدت من لذائذ المناجاة ما لا يوصف ، وتمنيت ان يتكرر ذلك لاعرف ما بقي من قصة الخلق .. ولكن يا للاسف تمضي الشهور دون ان يتحقق ما اصبو اليه .
وذات ليلة ، وكنت اتصورها آخر شهر رمضان المبارك ولكن ظهر لي انها اولى ليالي شوال وكانت ليلة عيد الفطر ، كنت قد فرغت من مناجاة منتصف الليل ، فرحت اتهيأ لتناول سحوري والاستعداد للصوم ؛ اذ لم يبق على طلوع الفجر غير ساعتين .
والقي في روعي ان هذه الليلة هي ليلة العيد ، وان هناك من يريد ان يقدم لي هدية العيد واجر صيام شهر كريم .
ثم حصل لي من الحب الالهي ما لا اريد شرحه ، ولكن اقول لك ان الانسان اذا ما اخلص العبادة في شهر رمضان المبارك ، فانه سيقبض اجره ليلة العيد ، وسيكون اجرا سخيا .
وكان اجري ليلة العيد ان استضاء قلبي بكشف جديد ؛ اذ رأيت نفسي في نفس تلك الفلاة ، واذا انا امام قصة الخلق من حيث انتهت تلك الليلة .
هنالك رأيت الشيطان او ابليس او الجهل الذي تمرد على الله عز وجل يبدأ بث سمومه ضد الدين .
واذا به يتجه اولا صوب آدم .. لقد فكر وقتل كيف فكر .. قال في نفسه الشريرة اذا اغويته فقد اغويت ذريته .
كان آدم في الجنة التي اعدها الله له وجعلها مأواه (1) .
(1) «وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما » البقرة : الآية 35 .
بين يدي الاستاذ 260


رآه ورأى ذريته تملا السموات والارضين .. فحسده مرة اخرى على ما آتاه الله وآتى ذريته من نِعم الاختيار ، فقد منحهم الله الحرية والارادة .
وكانت الارواح قد شهدت معصية الشيطان ، ولذا تأثر بعضهم بذلك وتأثروا بالشيطان ، وبرزت لديهم الرغبة في العصيان ، وظهرت منهم نزعة التفوق والعلو .. وكانوا للميثاق ، الذي اعطوه على انفسهم ، كارهين (1) .
وراح الشيطان يعد العدة لاغواء آدم . فدخل عليه جنته ، واستغل براءة آدم فخدعه واغواه .
وادركت الارواح في عالم الذر انه لا فرار من الشيطان الا الى الله والعودة اليه .
وهكذا نجح الشيطان في اخراج آدم وحواء من الجنة .
وخاطب الله ذرية آدم وحذرهم من الشيطان قال لهم : لا تتبعوا خطوات الشيطان انه عدو لكم ، فلا يخدعكم كما خدع ابويكم واخرجهما من الجنة ، ولكن يا للاسف كم انخدع من ذرية آدم في عالم الذر ، فنسوا ما تعلموه من الحقائق ، وخانوا الميثاق الذي اُخذ عليهم ، فتسلل السواد الى ارواحهم ، هذا السواد الذي تحدثت لك عنه وكيف كان في روحي .
وحدث اختلاف في عالم الذر بين ارواح البشر ، فاتبع بعضهم رسول الله وعلي وكانوا مسلمين حقيقيين ، واتبع آخرون الشيطان فضاعوا في مذاهب شتى (2) .
وامعن الشيطان في اغوائهم ، فلم يسمح لهم ان يكونوا في مذهب واحد ،
(1) عن ابي بصير : قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام : اخبرني عن الذر حيث اشهدهم على انفسهم الست بربكم ؟ قالوا : بلى ، والله واسر بعضهم خلاف ما اظهر ، كيف علموا القول حيث قيل لهم : الست بربكم ؟ قال : «ان الله جعل فيهم ما اذا سألهم اجابوه» بحار الانوار 64 / 102 ، الحديث 19 .
(2) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : «انت الذي احتج الله بك في ابتداء الخلق حيث اقامهم اشباحا فقال لهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ، قال : ومحمد رسولي : قالوا : بلى ، قال : وعلي امير المؤمنين ، فابى الخلق جميعا استكبارا وعتوا عن ولايتك الا نفر قليل ، وهم اقل القليل ، وهم اصحاب اليمين» بحار الانوار 64 / 127 ، الحديث 31 .
بين يدي الاستاذ 261

بل شتتهم ومزقهم تمزيقا .
وتأثرت لهول ما ارى وسعيت الا يغويني الشيطان .
وبحمد الله نجحت في ان اصبح في صفوف المسلمين الحقيقيين ، ومن المحبين لاهل البيت من الائمة المعصومين ، والتزمت الميثاق وثبت عليه .
فجعل طيني وترابي وبدني من فاضل طينة اهل البيت (1) .
فولجت روحي في بدن في رحم ام ومن اب متدينين ومسلمين حقيقيين فانعقدت نطفتي على الطهر والايمان ، كما قدر لي ان اولد في بيئة نظيفة ، فمدينتي من المدن الطيبة .
وهذه من نعم الله علي ، جزاء على طاعتي في العالم الذري ، ولكن الكثير من الارواح ، وبسبب عصيانها في عالم الذر ، وعدم وعيها الحقائق وانتهاكها الميثاق ، حلت في ابدان فولجت عالم الطين في ظروف زمانية ومكانية ليست طيبة .
بعض ولد في زمان جاهلية حيث تتضاءل نسب الهداية ، وهي مكلفة لمن اراد ان يطوي طريق الكمال بمشقة وعناء .
انا نفسي سألت بقية الله في مكاشفة قلت له : لِمَ لم اولد في وقت ظهورك ؟
قال : بسبب ما ارتكبته من الذنوب في عالم الذر ، فولدت في زمن غيبتي وستصل السعادة ولكن بعد مشقة وعناء .
او يولد اناس في بيئات بعيدة عن دنيا الاسلام ، حيث يكون من الصعب ان يهتدوا الى الدين الحق .
وهناك من يولد من نطفة حرام ، وسبب ذلك ما ارتكبته ارواحهم من المعاصي في عالم الذر (2) .
وهناك من الارواح تحل في ابدان ناقصة مشوّهة ، وفي هذا ما يعيقهم عن القيام
(1) بحار الانوار 5 / 225 ـ باب الطينة والميثاق 64 / 77 ـ طينة المؤمن .
(2) «قال ابليس : والله يا علي ... وما ابغضك احد الا شركت اباه في امه فصار ولد زنا» بحار الانوار 6 / 345 ، الحديث 98 .
بين يدي الاستاذ 262

بالاعمال الصالحة الطيبة .
فهذا التضاؤل في الموفقية لم يأت اعتباطا ، بل هو جزاء اعمالهم ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الناس مجزيون باعمالهم» (1) .
(1) «انما تجزون ما كنتم تعملون» الطور : الآية 16 . التحريم : الآية 7 .
بين يدي الاستاذ 263



ما هي الحياة الدنيا ؟

قال لي معلمي :
كانت مناسبة عاشوراء الحسين سيد الشهداء عليه السلام وقد احمرت عيناي من البكاء وشعرت بحرقة فيها فاغمضتهما ، لعلي اخفف من الالم ، وفي تلك اللحظة ، ولعلي استغرقت في اغفاءه او حصلت لي مكاشفة ، رأيت نفسي وكأني في قاعة امتحان كبرى ، وقد اتخذ كل سكان الدنيا اماكنهم في هذه القاعة يريدون اداء الامتحان .
وزِّعت اوراق الامتحان ، وعليهم اختبار ما تعلموه في عالم الذر وما اُخذ عليهم من الميثاق في عالم الذر ، فهل يثبتون على طريق الكمال ام لا ؟ كيف هي عقائدهم اعمالهم سلوكهم وتجاربهم التي تُستمد من روحهم ؟ وكيف وفاؤهم لله ومعلميهم ؟ (1) .
ومع الاسف الشديد كان التلاميذ في هذه الجلسة الامتحانية لا يفكرون في الحصول على اعلى الدرجات والنجاح .
كان اكثرهم في حالة غفلة عن الامتحان ، ويقضون الوقت في النظر الى الصور المعلقة على الجدران ، تصوروا اكثر من اربعة مليارات من البشر جلسوا يؤدون الامتحان ، ثلاثة ارباعهم نسوا حتى معلميهم في عالم الارواح ، وكانوا قد قضوا معهم الفي عام (2) .
(1) «الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا» الملك : الآية 2 .
(2) عن ابي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى : «واذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم» [الاعراف : الآية 172] الآية قلت (الراوي) : معاينة كان هذا ؟ قال : «نعم ، فثبتت =
بين يدي الاستاذ 264


حتى الاشياء والحقائق التي تعلموها وحفظوها نسوا من اين تعلموها ونسبوها الى آخرين .
قليلون حدا كانوا يعرفون معلمهم الحاضر وهو بقية الله ، والاقل من هذا القليل كانت له علاقة وارتباط بمعلمه والافادة من علمه .
الناس في هذه الدنيا نائمون ونسوا انهم في امتحان ، بالرغم من ان المعلمين يهتفون باستمرار ويذكرونهم ويدعونهم الى اداء الامتحان ، لكنهم ومع الاسف كانوا سادرين في غيهم ، ومستغرقين في غفلتهم .
وهكذا استمر الوضع حتى نهاية الامتحان .
بعد ان رأيت هذا المشهد في المكاشفة ، ادركت حقيقة الدنيا ، فقررت الانتباه الى انني في امتحان وعلي ان اجتازه بنجاح .
= المعرفة ، ونسوا الموقف ، وسيذكرونه» بحار الانوار 5 / 237 ، الحديث 14 .
بين يدي الاستاذ 265



ملكوت العالم

قال لي معلمي :
في ليلة ظلماء وفي غرفة تتراكم فيها الظلمات بعضها فوق بعض ، طار من عيني النوم ، واحتدمت الافكار في رأسي واقضت مضجعي مسألة الموت والقيامة ..
فجأة رأيت نفسي في قلب المكاشفة ، فاذا رجل طاعن في السن الى جانب السرير ، وفي يده صورة من بُعدين ويهزّني ، وكان يتصورني نائما فاراد ايقاظي ..
همس بهدوء : انهض انظر الى هذا العالم كيف له بعدان ووجهان .
كيف تعرّف الصورة عالمنا ببُعدين ، وكيف تشير الى عالم الملكوت الى جانب عالم الملك .
نهضت وجلست على السرير واخذت الصورة من يده ، في البداية كنت بشكل عادي فرأيت ما ارى في عالم الملك ، يعني هذه الجمادات ، النباتات ، الحيوانات ، الارض ، السماوات ، ولكن هناك من جديد كما يبدو .
ولكن عندما اخذ بيدي الى جهة اليمين وقال لي : والآن انظر هذه الجهة من الصورة .
حينئذ رأيت ما لا يراه بشر في هذه الدنيا ، يعني رأيت ما لا يرى .
يا له من عالم ملي بالاسرار ، يا له من عالم غامض يقع الى جانب عالم الملك ونحن في غفلة عنه !
سالته : من اين لك هذه الصورة ؟
وهل لهذه المناظر من حقيقة ؟
وهل يمكن رؤيتها مباشرة ام لا ؟

بين يدي الاستاذ 266


قال : في جوابه : ماذا تقول يا هذا ؟ ان هذا هو ما يراه الانسان بعد موته ، هذا ما اخبر به الله سبحانه ، فكيف لا حقيقة له ؟!
هذه حقائق يراها كل من زكّى نفسه وتعلّق بالله عز وجل ، بل ان البعض يعتقد بان الذي رأيته في البُعد الاول هو مجازي وليس حقيقي ، وانه لا وجود في الحقيقة الا للبُعد الثاني .
قلت : ايمكن لي ان ارى على الدوام هذه العوالم ؟
قال : هذا امر ميسور كما فعلت انا الآن ، عندما اخذت بيدك الى جهة اليمين فرأيت البعد الثاني من الصورة ، ولو انك لم تفعل هذا ما رأيت اكثر من بُعد واحد .
فاذا حرّكت نفسك وتحرّرت مما يشدك الى المادة وزخارف الدنيا ، يعني ان «تموت قبل ان تموت» ، ومارست الرياضة قليلا ، فانك سترى عالم الملكوت ، وسترى ما في هذه الصورة عيانا .
والآن تعال لأريك بعض قدرتي الروحية ، سوف آخذك في رحلة الى عالم الملكوت ، وساريك ما يحصل بعد الموت .
واخذ الشيخ بيدي اخرجني من تلك الغرفة المظلمة الى فضاء يزخر بالنور ، فرأيت مشاهدة وعيانا ما رأيته في الصورة ، كان عالما عجيبا حيث ارواح الملائكة والشياطين فاذا هي كائنات هذا العالم .
والناس كانوا على حقيقتهم وصفاتهم الروحية ، يظهرون قبل ظهور ابدانهم ، وكانت الاشجار والانهار وكل الاشياء الجميلة من الذرات المتناهية في الصغر الى المجرّات العظيمة ؟ كانت كلها تسبّح لله مستغرقة في الحمد لله . حيث يتدفق يوميا المئات والآلاف من هذا العالم الى ذلك العالم .
كما صرّح القرآن الكريم بانتقال ارواح البشر بعد الموت الى اول عالم ، وهو عالم البرزخ يعني عالم الملكوت وبقاؤهم فيه الى يوم القيامة .

بين يدي الاستاذ 267



التوكل ومقامه الشامخ

قال لي معلمي :
كنت اعرف شابا انتقل الى رحمة الله اثر حادث سيارة ، فغادر هذه الدنيا الفانية ، فجاءني روحه ذات ليلة وقلت له في عالم المكاشفة : هل وصلت نتيجة الاعمال العبادية في عالم البرزخ ؟
قال : خلال مطالعتي لحالات الاشخاص الذين يأتون الى هذا العالم فهمت بعض الشيء .
قلت : في رايك ما هي الاعمال في الدنيا هي افضل في عالم الآخرة ؟ واي الاعمال في عالم البرزخ تنقذ الانسان من العناء ويكون الاساس في كمال الانسان ؟
قال : في رأيي ان من يصل مقام التوكل الشامخ ، فيتوكل على الله في الدنيا يكون الله حسبه في عالم البرزخ . ومن كان الله وكيله فلا همّ عليه ، فالتوكل مقام رفيع يصل بالانسان الى الخلاص .
وهنا نقل لي استاذي شيئا من تجاربه في التوكل ، واوصاني في تنمية روح التوكل في نفسي : «لتحيا في راحة بال في عالم البرزخ ويكون حسبك الله» . هكذا قال لي .
قال لي معلمي :
لقد مارست الرياضة الروحية ، وعانيت الكثير في ذلك ، حتى كافحت الديدان والتلوث ، وطهرت روحي ، وتخلصت من ذلك السواد الذي تحدثت لك عنه فيما مضى (كان استاذي قد شرح لي بالتفصيل عن ذلك ودوّنته في الجزء الاول من الكتاب) .
فاستضاءت روحي ، غير ان ملكة التوكل التي يجب ان تظهر في نفسي بعد ذلك

بين يدي الاستاذ 268

ما ظهرت ، والسبب انني لم افكر في ذلك .
ولذا كان اول شيء فعلته هو التأمل في آيات التوكل ، وما وصفه القرآن الكريم في ذلك .
انا مؤمن بالله الى درجة اليقين ، والله سبحانه صادق في وعده ، فكلماته تنفذ في القلب ، وخلال تأملاتي ادركت ان الله سبحانه عرض علينا وكالته فقال في محكم كتاب العزيز :
«فاعبده وتوكل عليه» (1) .
«وتوكل على الحي الذي لا يموت» (2) .
«وتوكل على العزيز الرحيم» (3) .
وهذه بشائر الهية لمن اراد ان يسلك طريق الكمال .
فاذا اردت ان تعرف اهمية هذه البشائر فاصغ لما اقول :
رأيت ليلة في عالم الرؤى انني دخلت السجن ، وانني ساُحاكم بعد عدة ايام ، وكنت ادرك في قرارة نفسي انني عاجز عن الخلاص مما ساُلاقيه من مشكلات ومعضلات ، ولذا كنت حائرا لا اعرف ماذا افعل . في الاثناء جاءني ضابط السجن موفدا من قِبل رئيس ديوان القضاء في البلاد وهمس في اذني : ان سيادته يرغب في ان يكون وكيلك ، وقد تعهد بالعمل على ان يصدر الحكم في صالحك .. فاجتاحتني فرحة كبرى ايقظتني من النوم !
فاذا كان الله سبحانه القادر المطلق ، والذي مقاليد كل شيء في يده ، يعرض على الانسان العاجز والمسكين ، والذي لا حول له ولا قوة ، هذه البشرى فيعرض وكالته وتقديم العون للانسان في خلاصه من سجن الدنيا ومحاكمة الليلة الاولى من القبر ويوم القيامة .. فاية بشرى اعظم من هذه البشرى ؟!
(1) هود : الآية 123 .
(2) الفرقان : الآية 58 .
(3) الشعراء : الآية 217 .
بين يدي الاستاذ 269

ولذا توكلت على الله كما توكل عليه سيدنا محمد (1) وسيدنا نوح (2) وهود (3) وشعيب (4) ويعقوب (5) ، وكل الانبياء ، بل حتى قوم موسى (6) ، ولقد رأيت الله سبحانه يوم توكلت عليه حسبي وعوني وطوق نجاتي ، وقد قال سبحانه :
«وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا» (7) .
«ربنا عليك توكلنا واليك انبنا واليك المصير» (8) .
«قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين» (9) .
وقد قوت هذه الآية حبل التوكل في قلبي واتخذت الله وكيلا لي ، فسقيت من الحياة في منتصف تلك الليلة .
يا له من سحر مبارك وليلة بهية ليلة القدر التي جاءتني هدية

في سحر تلك الليلة المباركة تتدفق علي رحمة الله ، فيحدثني الله عن طريق جبريل الى سيدي محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاءني بالقرآن جوابا على توكلي :
«ومن يتوكل على الله فان الله عزيز حكيم» (10) .
(1)«فان تولوا فقل حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم» [التوبة : الآية 129] .
(2) «فعلى الله توكلت» يونس : الآية 71 .
(3) «اني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها» هود : الآية 56 .
(4) «وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب» هود : الآية 88 .
(5) «وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ابواب متفرقة وما اغني عنكم من الله من شيء ان الحكم الا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون» يوسف : الآية 67 .
(6) «وقال موسى يا قوم ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين» يونس : الآية 84 .
(7) الاعراف : الآية 89 .
(8) الممتحنة : الآية 4 .
(9) الملك : الآية 29 .
(10) الانفال : الآية 49 .
بين يدي الاستاذ 270


«ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ امره قد جعل الله لكل شيء قدرا» (1) .
«وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا» (2) .
وتنفست الصعداء ، ولم اعد احمل هما او اغتم ، بعد هذه الضمانات القوية . ان بالي مرتاح تماما وانا اعتمد على الله سبحانه في كل ما يواجهني من بلاء الدنيا ومشكلاتها وكيف لا افعل ذلك والله سبحانه يقول :
«وعلى الله فتوكلوا ان كنتم مؤمنين» (3) .
«فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين» (4) .
«وما لنا الا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون» (5) .
وطوبى للانسان ان وجد له مدافعا هو الله سبحانه ومرحى له وقد اخذ بيده الله ، فهو دليله ووكيله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين .
قال لي معلمي :
في ايام دراستي اردت ان اعيش «التوكل» في حياتي ، فبعثت رسالة الى والدي الذي يقطن مدينة اخرى وطلبت منه عدم ارسال اي مبلغ من المال ، وكذا امتنعت عن استلام المنح المالية التي تقدمها الحوزة الى طلبتها شهريا .
ولعل هذا العمل لا يبدو صحيحا في نظر الجميع ولكن حالتي الذاتية اقتضت ان افرض حالة التوكل على نفسي فرضا ، بعد ان اقطع الامل عما سوى الله ، ومن ذلك اليوم وانا اقطف ثمار التوكل ، واشعر بان يدا قوية تأخذ بيدي
(1) الطلاق : الآية 3 .
(2) النساء : الآية 81 .
(3) المائدة : الآية 23 .
(4) يونس : الآية 84 .
(5) ابراهيم : الآية 12 .
بين يدي الاستاذ 271

وتهديني سواء السبيل .
قال لي معلمي :
كنت قد تزوجت حديثا ولم اكن استلم المنح الشهرية التي تقدمها الحوزة ، ولم يكن لي دخل ، وكنت اضافة الى ذلك مدينا بمبلغ من المال ، غير اني بعد ان جربت ان الله سبحانه يمدني بما احتاج اليه ، فلم اكن لاتوجس من الدين مع اني عاهدت نفسي على عدم الاقتراض ، ولكن نسياني وغفلتي يجراني الى ذلك ، ومن ينسى الله ينساه الله ، ومن يعرض عن ذِكره ينكّد عيشه (1) .
ولذا وقعت تحت طائلة الديون ، وربما حصل هذا لاذكر الله ربي واعود اليه .
وعلى اية حال اطلّت ليلة الثالث عشر من رجب ، يعني ليلة الميلاد السعيد لامير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ولم يكن في حوزتي حتى ريال واحد .
شعرت بالقلق قلت في نفسي : ترى هل فسخ الله وكالته معي !! وهل يمكن ان تنفسخ الوكالة فجأة ام هناك شرط تتوقف عليه وانا لم اُنجزه ؟
قضيت الشطر الاول من الليل في مرقد السيدة المعصومة عليها السلام ، وعرضت حالي على تلك المرأة الطاهرة المخدّرة ، لاعرف ما اذا كان هناك شرط اخللت به فاطلب منه سبحانه العفو ، او ان هناك شرط جديد يتوجب علي انجازه .
فجأة انفتحت بصيرتي لارى نور فاطمة يملأ المكان باضوء قالت : ان صبرك لقليل .. لا وجود لشرط جديد . انطلق الى بيتك وسيصلك باذن الله مبلغ مني !
بعد هذه المكاشفة اديت مراسم الزيارة للسيدة العلوية وقفلت عائدا الى منزلي وقد غمرت قلبي السكينة ، ولاني اعتدت الصوم في الايام البيض من رجب ، فادّخرت عشائي ليكون سحوري ، واويت الى فراشي ..
لم يكن قد مضى على انتقالنا الى هذا المنزل سوى ايام ولم يكن يعرف عنواني الجديد سوى احد الطلبة لانه ساعدني في نقل اثاث المنزل .
وعلى اية حال استيقظت في منتصف الليل على صوت طرق الباب ، وعندما
(1) «ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا» طه : الآية 124 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي