|
|
لله ويكون مصيرهم الى الجنة (1) .
قال لي معلمي :
فسألت : فهل المجانين هم الجهال ؟
قال : المجنون مصاب ومريض ولا ذنب له في ما صار اليه ، فهو كمن اصيب لسانه ، فهو عاجز عن الكلام ولكنه ينطوي على ذلك ، وكذا المجنون فقد يكون له عقل ولكن لا وسيلة لديه للافادة منه (2) .
|
(1) عن بعض اصحابنا رفعه الى ابي عبد الله (الصادق) عليه السلام ، قال : قلت له : ما العقل ؟ قال : «ما عُبد به الرحمن ، واكتسب به الجنان» قلت : فالذي كان في معاوية ؟ قال : «تلك النكراء وتلك الشيطنة ، وهي شبيهة بالعقل وليست بعقل» بحار الانوار 1 / 611 ، ملحق الحديث 8 .
(2) روي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجنون فقال : «ما له ؟» فقيل : انه مجنون . فقال : «بل هو مصاب ، انما المجنون من آثر الدنيا على الآخرة» بحار الانوار 1 / 160 ، الحديث 39 .
|
|
مدرسة عالم الارواح
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
ذات يوم تحدث استاذي ، وكان فريد عصره وعلامة زمانه ، عن عالم الارواح وما تعلمته ارواحنا في مدرسة عالم الذر فقال :
لم تكن هناك حاجة لان تتعلم فيه الارواح ادلة وجود الله ؛ لانها كانت تراه (1) ، فوجوده سبحانه ثابت لديهم ، ولكن المهم في تلك المدرسة هو ان تتعلم الارواح صفات الله ، وانه خالق كل شيء ، وحاجة الخلق الى الله ، وتثبيت ذكره سبحانه في الروح لتكون معرفته امرا فطريا (2) .
وفيها تتعلم الارواح ان الله هو الغني ، وما سواه فقر مطلق ، وقد ادركت الارواح
|
(1) عن زرارة ، عن ابي جعفر الباقر عليه السلام قال : سألته عن قول الله عز وجل : «حنفاء لله غير مشركين به» ؟ [الحج : الآية 31] قال : «الحنيفية من الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله قال : فطرهم على المعرفة به» . فقال زرارة : وسالته عن قول الله عز وجل : «واذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى» [الاعراف : الآية 172] قال : «اخرج من ظهر آدم ذريته الى يوم القيامة فخرجوا كالذر ، فعرفهم واراهم نفسه ، ولولا ذلك لم يعرف احد ربه» بحار الانوار 64 / 135 ، الحديث 7 .
(2) في تفسير الامام العسكري عليه السلام : انه سئل مولانا الصادق عليه السلام عن الله .. (الى ان قال) : «ولهذا جعلت الناس معذورين في تركهم اكتساب المعرفة بالله عز وجل ، متروكين على ما فطروا عليه ، مرضيا عنهم بمجرد الاقرار بالقول ، ولم يكلفوا الاستدلالات العلمية في ذلك» بحار الانوار 64 / 137 .
|
ذلك بعمق لا يمكن بعده ان تنسى (1) .
وادركت ذلك بحيث لم تعد ترى شيئا خارج النفوذ الالهي ، كما ادركت مسألة القدرة المطلقة لله وانه : لا حول ولا قوة الا بالله ، وانه سبحانه اقرب ما يكون لمخلوقاته .
فكل الصفات الالهية ادركتها الارواح في عالم الذر ، وكانت انوار المعصومين نورا واحدا (2) .
وادركت الارواح يومئذ نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وامامة الائمة ، ولم يكن هناك من حاجة لتعليمهم ذلك ؛ لانهم هم المعلمون ، ولكن كان من الضروري معرفة صفاتهم لتحبهم الارواح وتتبعهم :
الاولى : ان الامام عالم بجميع ما خلق الله عز وجل .
الثانية : ان الامام مطيع لله عز وجل ، فله بذلك العصمة المطلقة .
الثالثة : ان ولايتهم واجبة ؛ لانهم حازوا من العلم والعصمة اكثر من غيرهم ، ومن كانت تقواه اكثر كانت له الولاية والمحبة (3) .
الرابعة : ان الارواح تعلمت ان الامام مرآة تتجلى فيها الصفات الالهية ، وانه العقل الكلي ، وانه محيط بكل شيء ، وطاعته واجبة .
الخامسة : وتعلمت الارواح معنى الولاية المطلقة ، والعبودية المطلقة .
|
(1) «يا ايها الناس انتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد» فاطر : الآية 15 .
(2) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام في حديث طويل : «لان اول ما خلق الله عز وجل ارواحنا ، فانطقنا بتوحيده وتمجيده ، ثم خلق الملائكة ، فلما شاهدوا ارواحنا نورا واحدا استعظموا امرنا فسبحنا لتعلم الملائكة انا خلق مخلوقون ، وانه منزه عن صفاتنا ...»كمال الدين ـ الصدوق 1 / 254 ، ذيل الحديث 4 .
(3) عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام قال : «قال رجل لامير المؤمنين : انا والله لاحبك ، فقال له : كذبت ، ان الله خلق الارواح قبل الابدان بالفي عام ، فاسكنها الهواء ، ثم عرضها علينا اهل البيت ، فو الله ما منها روح الا وقد عرفنا بدنه ، فو الله ما رأيتك فيها فاين كنت »الانوار 58 / 136 ، الحديث 12 .
|
السادسة : انها تعلمت من العلوم ما يجعلها تدرك ان طاعة الله وطاعة الامام واجبة .
وادركت آنذاك قبح كثير من الصفات ، كالظلم ، والكذب ، والخيانة ، والحسد ، وسوء الخلق ، والعدوان على حقوق الآخرين ، كما ادركت اهمية وقيمة الصفات الحميدة ، كالعدالة ، والرأفة ، والصدق ، وحسن الخلق ، وسائر الصفات الانسانية النبيلة .
وكذا كل العلوم العقلية والحقيقية من العقائد الى الاخلاق وسائر العقليات الاخرى .
فتعلمت الارواح واخذ منها الميثاق والعهد على العمل بها والثبات عليها ، فتكون حياتها وفقا للميثاق الذي يضمن سعادتها الخالدة في حياة حقيقية زاخرة بالنعيم .
واعلم ان الميثاق اخذ منها حينما كانت الارواح في اجسام صغيرة هي الذر ، وبعد ان تعلمت وتخرجت (1) ، ولانها مخيرة وحرة واريد لها الحياة الدائمة والنعيم الابدي في القيامة ، فان الله سبحانه اراد امتحانها في حياة قصيرة جدا فينظر كيف تعمل ؟
|
(1) عن ابي جعفر عليه السلام : «ان الله عز وجل لما اخرج ذرية بني آدم من ظهره ليأخذ عليهم الميثاق بالربوبية له ، وبالنبوة لكل نبي ، فكان اول من اخذ له عليهم الميثاق بنبوته ، محمد بن عبد الله» بحار الانوار 64 / 116 ، الحديث 23.
عن عبد الله بن الفضل الهاشمي ، قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام : لاي علة جعل الله عز وجل الارواح في الابدان بعد كونها في ملكوته الاعلى في ارفع محل ؟ فقال عليه السلام : «ان الله تبارك وتعالى علم ان الارواح في شرفها وعلوها متى ما تركت على حالها نزع اكثرها الى دعوى الربوبية دونه عز وجل ، فجعلها بقدرته في الابدان التي قدر لها في ابتداء التقدير نظرا لها ورحمة بها» (الى ان قال :) «وليذلهم بطلب المعاش والمكاسب ، فيعلموا بذلك انهم بها مربوبون ، وعباد مخلوقون ، ويقبلوا على عبادته فيستحقوا بذلك نعيم الابد ، وجنة الخلد» بحار الانوار 58 / 133 ، ح6 .
|
ولذا فان الله عز وجل خلق لها بدنا من تراب هذه الارض وفق ترتيب خاص (سياتي شرحه فيما بعد) لتؤدي امتحانها في هذه القاعة الارضية ، وجعل الله سبحانه لهذا البدن قوة النمو في حياة نباتية .
ولان الروح يلزمها ادوات الامتحان فقد جهز الخالق هذا البدن بعينين واذنين ولسانا وشفتين (1) ، وبكل الحواس الضرورية ، وبكل ما يحتاج في استمرار حياته في الحياة الدنيا المؤقتة .
|
|
(1) «الم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين» البلد : الآية 8 ـ 10 .
|
|
عالم الذر
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
وهنا سألت علّامة الزمان عدة اسئلة :
السؤال الاول :
هل ان عالم الارواح هو عالم الذر ام انهما عالمان مختلفان ؟
قال : ان الارواح خُلقت قبل خلق بدن آدم الطيني بالفي عام .
فما تم خلق بدن آدم خرجت من ذرات بعدد تلك الارواح (1) . وهذه الذرات تشبه تماما الاجسام البشرية التي نراها اليوم .
ورأى آدم ذريته بكل ما تنطوي عليه من تفاصيل الخلقة ، وقضية هبوطها ، وامتحانها ، والميثاق الذي اُخذ منها بعبادة الله وعدم اتباع الشيطان .
ولذا فان عالم الارواح هو عالم ادراك وتعلم الحقائق ، وعالم الذر عالم الميثاق وعهد العمل به (2) .
|
(1) «واذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا ان تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين» الاعراف : الآية 172 .
(2) في حديث طويل عن ابي جعفر عليه السلام في قضية خلق ذرية آدم عليه السلام يوم الميثاق : «قال آدم عليه السلام : يا رب ، فما لي ارى بعض الذر اعظم من بعض (الى قوله :) فلو كنت خلقتهم على مثال واحد وقدر واحد وطبيعة واحدة ... قال الله عز وجل : يا آدم ، بروحي نطقت ... بعلمي خلقت بين خلقهم ، وبمشيئتي يمضي فيهم امري ... انما خلقت الجن والانس ليعبدوني ... وبعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم واجسامهم والوانهم واعمارهم وارزاقهم وطاعتهم ومعصيتهم ، فجعلت منهم الشقي والسعيد ، والبصير والاعمى ... =
|
السؤال الثاني :
هل تملك الارواح في عالمي الارواح والذر القدرة على المعصية ، ام انها مثل الملائكة منزهة عن العصيان ؟
قال :ان الله سبحانه لما خلق الارواح وهبها قوة الادراك فقط فكانت ملكة قوية ، فلما حان تعليمها منحت العقل والحرية لمعرفة الذات ، ومعرفة الخير والحركة نحو الكمال .
وفي عالم الارواح لم تصغ بعض الارواح ، ولم تتشرب الحقائق الالهية ، فظهر منها العصيان في عالم الذر ، والانفصال عن الحقائق في عالم الدنيا ، وستعاني في عالم الجزاء من المشاق بسبب ذلك حتى تتطهر من الآثام ، وتعرف ان الشقاء والسعادة يتوقفان على معرفة الخير وانتهاج طريقه .
فان كانت على الشر تابت وعادت وانابت ، وان كانت على الخير استمرت وواصلت .
قلت له : هل من شرح اكثر لهذا الموضوع ليتيسر ادراكه ؟
قال : انت ترى هذه الدنيا وترى بعض اهلها يولدون على الاسلام من ابوين مسلمين مؤمنين ، فيولد عالما ، وترى في مقابل هذا جمعا من الناس يولدون في اماكن قاصية بعيدة عن الدين الحق بعيدة عن الحقيقة ، بل ومن ابوين غير متدينين وربما كافرين . ومن جهة الخلقة ترى ابناء حلال تامين الخلقة يولدون ولهم ما يساعدهم على العبودية لله والعمل الصالح .
وفي مقابل هؤلاء يولد اُناس من سفاح وحرام ، وبعضهم مشوّهين معوّقين وينطوون على قابلية العصيان .
ومن البديهي ان ابناء الفريق الاول مطلوب منهم الاستقامة وانتهاج طريق الحق ، كما ان ابناء الفريق الثاني مطالبون ايضا بذلك ، ولكن هل تتساوى مشاق الفريقين في
|
| =
والمطيع والعاصي ... فلذلك خلقتهم لابلوهم في السراء والضراء ، وفيما اعافيهم ، وفيما ابتليهم ، وفيما اعطيهم ، وفيما امنعهم» الحديث . بحار الانوار 64 / 116 ـ 117 .
|
طوي طريق التكامل والسير في طريق الحق ؟
والآن ساوضح لك الاختلاف التكويني للسعادة والشقاء ؛ هل تذكر انني قلت لك ان الله عز وجل خلق الارواح متساوية ، وعندما منحها قدرة الاختيار اتبع بعضها الجهل والشيطان في عالم الذر ، فكانت تلك الارواح كتلاميذ كسالى لم يصغوا الى العلوم والحقائق ، فبعضهم رسب او حصل على درجات ضئيلة .
فعاقبهم الله بهذه الطريقة .. وبوضوح اكثر ان الله اعطاها على قدر لياقتها ، فلما هبطت عالم الدنيا منحت القوالب الطينية التي تنطوي على السعادة او لا تنطوي عليها .
وما اختلاف البشر الا من هذا فالبشر مختلفون (1) .
السؤال الثالث :
هل اُخذ الميثاق في عالم الارواح او عالم الذر على جميع العلوم التي هي في الدنيا ؟
قال : ما تعلمه اليوم في الدنيا ينقسم في الحقيقة الى قسمين :
قسم في العلوم الاستدلالية والعقلية ، حيث العقل يتذكرها ، وهي لا تعدو المعلومات التي تعلمتها الارواح في عالم الارواح .
وقسم آخر في العلوم الاعتبارية ، فحتى تسهل الاعمال في عالم الدنيا تعاقد الناس عليها واتفقوا عليها ، كعلم الرياضيات والطب وسائر العلوم المادية والفنية .
|
|
(1) عن ابي جعفر عليه السلام : «ان الله عز وجل خلق الخلق (الى ان قال :) ثم بعثهم في الظلال ... ثم بعث فيهم النبيين ، فدعوهم الى الاقرار بالله عز وجل ، وهو قوله تعالى : «ولئن سالتهم من خلقهم ليقولن الله» [الزخرف : الآية 87] ثم دعوهم الى الاقرار بالنبيين ، فاقر بعضهم وانكر بعضهم ، ثم دعوهم الى ولايتنا ، فاقر بها والله من احب وانكرها من ابغض ، وهو قوله تعالى : «فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل» [يونس : الآية 74] ثم قال ابو جعفر عليه السلام : «كان التكذيب ثم ..» بحار الانوار 64 / 98 ، الحديث 16 .
|
السؤال الرابع :
هل هناك من فرق بين غرائز الحيوانات وبين ما تعلمه الانسان في عالم الارواح ؟
قال : للحيوانات شعور تسمونه الشعور الحيواني ، وهو بدون تعقل ، فالحيوان الذي يعيش على النباتات يتجه الى النباتات ، وهو لا يدرك فيما اذا كان هذا يفيده ام لا .
فهو لا اراديا يفعل ذلك ، وكذا سائر غرائز الحيوان الاخرى ، ولقد اودع الله سبحانه هذه الغرائز في الحيوانات دون ادراك فيها ، وجعلها في سلّم مخلوقاته وجزء من نظم العالم (1) .
اما العلوم الفطرية والعقلية المروعة لدى البشر فتختلف لانها منحت الانسان مع الوعي الكامل .
فمثلا انت تدرك تماما بان الظلم قبيح ، وتتعقل قبحه ، ومن الطبيعي ان لكل عالم معلّم ، ولكل معلوم عالم ، ولذا نقول : ان الغرائز التي في الحيوانات او الجانب الحيواني في الانسان ، مثل الغريزة الجنسية وسائر الغرائز الحيوانية ، التي يتحرك الانسان (او الحيوان) نحوها دون تعقل هي دون معلم ، بل ان الله سبحانه اودعها في الانسان والحيوان من اجل نظم عالم الدنيا ، وجعلها تجري مجرى الغرائز ، غير ان اكثر العلوم الاستدلالية والعقلية التي يعيها الانسان ، او التي نسيها ليست من هذا بل اننا يجب ان نقول انه تعلمها .
السؤال الخامس :
ومن اين لنا ان نعرف ان ما استدل به لنا وما تعلمناه انما حصل فيما مضى ثم نسيناه بعد ذلك ؟
قال : الفرق بين التعليم والتذكر هو انه عندما نتعلم شيئا ليست لنا بشأنه اية سابقة ذهنية ، كما لو اننا نذهب اول مرة الى منزل وليس في ذهننا تصديق او تكذيب بشأن بنائه .
|
| (1) «ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى» طه : الآية 50 .
|
اما عندما نتذكر شيئا فهو بمثابة ذهابنا الى منزل للمرة الثانية وقد كنا نسينا خصائصه ، فبمجرد ان تقع عليه ابصارنا نتذكر ما كنا قد نسيناه لدى رؤيتنا اياه في المرة الاولى ، فيكون لدينا تصديق بشأنه ، او تكذيب في حالة وجود تغيير طرأ عليه .
فالعلوم التي تعلمها الانسان في عالم الارواح ثم نسيها تشبه ما يراه المرء ثم ينساه ؛ ولذا فانه عندما يقدم له دليل بشأنها ويراجع عقله ، فهو كمن ياخذ بيده شخص وينطلق به الى المكان الذي نسي خصائصه فاذا به يقول : آه لقد رأيت هذا المكان من قبل .
وكذا هذه العلوم فانه يتذكرها فورا ويقول : هذا صحيح ، وان الموضوع هكذا عقلا .
ولهذا يقول القرآن الكريم بشأن النبي صلى الله عليه وسلم : «انما انت مذكر» (1) .
ويقول سبحانه عن القرآن الكريم نفسه : «انا نحن نزلنا الذكر» (2) .
ويقول تعالى : «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر» (3) .
|
1) الغاشية : الآية 21 .
(2) الحجر : الآية 9 .
(3) القمر : الآية 17 .
|
|
الله تبارك وتعالى يعين له خليفة في الارض
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
ذات ليلة لازمني الارق على الرغم من التعب ، فتذكرت ما قاله رجل حكيم : لا تقصد النوم ابدا ودع النوم يقصدك ، من اجل هذا نهضت واستغرقت في الذكر والمناجاة مع الله عز وجل ، غافلا عن انهم يريدون القاء شيء الي هذه الليلة .
اديت عدة ركعات فلما استغرقت في آخر السجدة اردد سبحان الله ، حصل شيء فجأة لا ادري كيف ؛ اذ وجدت نفسي في فلاة مد البصر ، وكان آدم قد خلق من الطين توا ، وكان يبدو تمثالا منحوتا .
كانت الارواح التي تتلقى العلوم تملأ الارضين ، والسماوات تزمع الحضور ، لقد تخرجت وحان الوقت لان تأخذ وثائق ما تعلمته (1) .
ضجة كبيرة ، الملائكة امتثلت صفا صفا تنتظر الامر الالهي ، وفي الاثناء خاطب الله الملائكة : «اني جاعل في الارض خليفة» سانفخ في هذا الصلصال روحي ، واجعل منه خليفتي قالت الملائكة : «قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك نقدس لك» ؟
وكانت الملائكة على حق عندما فكرت هكذا ؛ لانهم رأوا من قبل خلق آدم
|
|
(1) عن علي بن معمر ، عن ابيه قال : سالت ابا عبد الله الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل : «هذا نذير من النذر الاولى» [النجم : الآية 56] قال : «ان الله تبارك وتعالى لما ذرأ الخلق في الذر الاول فاقامهم صفوفا قدامه بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم فآمن به قوم وانكره قوم» بحار الانوار 5 / 235 ، الحديث 7 .
|
عوالم كثيرة عاشت في الارض ولكنها اانقرضت بسبب لفساد الذي فعلوه والدماء التي سفكوها .
قال الله سبحانه : «اني اعلم ما لا تعلمون» (1) .
ثم استحال الجسم الصلصالي الى جسد من دم ولحم وجلد وعظم ، ثم نفخ الله من روحه ، وعطس آدم بعد ان ولجته الروح الالهية ، فاذا هو كائن جديد في الخلق ، يمتلك من القابلية على تعلم الاسماء كلها ، ثم عرضهم على الملائكة ، فقال : انبئوني باسمائهم .
قالت الملائكة بخشوع : «سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا» .
حينئذ قال الله سبحانه لآدم : «يا آدم انبئهم باسمائهم» .
وعلم آدم الملائكة الاسماء .
فقال الله سبحانه : «الم اقل لكم اني اعلم غيب السماوات والارض» . ثم امر الملائكة ان اسجدوا لآدم (2) .
كنت وجميع ذرية آدم نشهد ما يجري ، وكمشهد صلاة الجماعة سجدنا جميعا .. الجميع سجدوا الا شخص واحد رفض السجود ؛ كان مكفهر الوجه ، قد تجسدت فيه ملامح التمرد والعصيان والتكبر .
ونظرنا اليه جميعا كاول كائن يعصي امر الله سبحانه .
قال الله سبحانه مخاطبا اياه : «يا ابليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت ام كنت من العالين» (3) .
قال ابليس بكل وقاحة : لا اسجد له .. انا افضل منه «خلقتني من نار وخلقته من طين» (4) .
|
(1) البقرة : الآية 30 .
(2) البقرة : الآية 33 .
(3) ص : الآية 75 .
(4) الاعراف : الآية 12 . ص : الآية 76 .
|
فطرده الله من رحمته وقال له : اخرج انك رجيم .
قال ابليس : لقد اغويتني .
فقال الله : «قال فالحق والحق اقول * لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم اجمعين» (1) .
كنا واقفين .. كل ذرية آدم كانت مخطوفة الالوان خائفة مما حصل ، وعرفنا ان هذا المخلوق هو عدو الله وقد اسودّ واصبح كدخان يتصاعد من قطران .
الله سبحانه منحنا اجساما ذرية تدفقت من ظهر آدم . وقال له الله سبحانه : انظر ماذا ترى ؟
فنظر آدم الى ذريته وقد ملأت السماء (2) .
قال آدم : يا رب ، ما اكثر ذريتي ولامر ما خلقتهم .. فما تريد منهم باخذك الميثاق عليهم ؟ (3) .
قال الله عز وجل : «ان ميثاقي عليكم ان تؤمنوا بانني انا الله رب العالمين . هتف عالم الذر باسره : اجل انت خالقنا وربنا» (4) .
قال الله : « ان تؤمنوا بانبيائي ورسلي »، وهذا سيدهم محمد بن عبد الله (5) ، وولاية علي بن ابي طالب وابنائه (6) .
ربما يتساءل البعض : كيف تكون ولاية علي واحد عشر من ابنائه جزء من الفطرة البشرية ، وان الله اخذ على البشر في عالم الذر الميثاق فيها ؟
|
(1) ص : الآية 84 و 85 .
(2) و (3) بحار الانوار 5 / 226 ، الحديث 5 .
(4) الاعراف : الآية 172 .
(5) الامام الصادق عليه السلام : «ان الله عز وجل لما اخرج ذرية آدم من ظهره ليأخذ عليهم الميثاق له بالربوبية ، وبالنبوة لكل نبي ، كان اول من اخذ عليهم الميثاق بالنبوة نبوة محمد بن عبد الله» بحار الانوار 5 / 226 ، الحديث 5 .
(6) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «... وهي الميثاق الذي اخذه الله عز وجل على ولاية علي بن ابي طالب» .
|
في الجواب نقول : هل يوجد انسان في كل الخليقة لا يحب العلم والعالم ؟ والجواب بالسلب طبعا ؛ لانه لا يوجد عاقل يقول ان الجهل افضل من العلم ، وان الجاهل افضل من العالم .
واذن فان كل الناس فطريا يدركون العلم ويحبون العالم .
ومن جهة اخرى لا يبقى احد يجهل العصمة والطهر او لا يحبهما .
وعلى هذا لو وجد انسان هو اعلم الناس واكثرهم طهرا فانه ، شئت ام ابيت ، سيكون الاكثر محبوبية لدى الناس جميعا ، ولا يمكن ان يوجد انسان لا يحبه ، الا من انعدمت فطرتهم الانسانية .
وعلى هذا فان علي بن ابي طالب الامام المبين ، وهو العالم الذي حوى العلوم باسرها ، وهو المعصوم الطاهر ، حينئذ سيكون الاكثر محبوبية لدى الناس ، انطلاقا من فطرتهم التي فطروا عليها حتى لو جهلوه .
قال : عليكم الا تتعلقوا بالدنيا والا تحبوها .
قلنا : نعم ، نعطي الميثاق على ذلك .
قال : والا يظلم بعضكم بعضا ..
ولا يعتدي بعضكم على بعض ، ولا تنافقوا ، ولا تلهثوا وراء العلو في الارض .
قلنا : نعم ، نعطي العهد على هذا .
قال : ان الشيطان عدو لكم ، وقد اقسم على اغوائكم ، فاتخذوه عدوا ولا تتبعوا خطاه (1) .
قلنا : نعم .
قال : وان تعبدوني ، ولا تشركوا بعبادتي احدا من العالمين .
قلنا : نعم .
قال : وان تنصروا ائمة الحق والهدى .
|
| (1) «الم اعهد اليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين * وان اعبدوني هذا صراط مستقيم» يس : الآيتان 60 و 61 .
|
|
|