بين يدي الاستاذ 233

الى السبيل (1) .
فمن عرفه عرف الله ، ومن احبه احب الله (2) ، وهو الامام المبين الذي اودع الله عز وجل كل العلوم فلا شيء مجهول عليه (3) .
وظللت مشدوها انظر الى النور المقدس ، الذي اشرق على قلبي حتى غِبت عن الوعي .
لا ادري كم استمرّت غيبوبتي .. الله وحده يعلم ذلك ؛ ولكني عندما افقت وفتحت عيني ، اختفى كل شيء مما رأيت وكنت في حالة انقباض روحي عجيب .. وكانت سلواي الوحيدة هذه الآية الكريمة : «والله يقبض ويبسط واليه ترجعون» (4) .
ذلك ان الله سبحانه هو القابض الباسط ، والله سبحانه هو الرحمة المطلقة ، كما ان الآية تصرح بالعودة الى الله سبحانه ، فكيف لا ارضى ؟!
ولكن كيف اصبر على القبض بعد البسط ، والفراق بعد الوصول ؟!
فهذا الفراق او القبض امرني فلا طاقة لي ! وتمر ايام ، ثم خطر لي ان اتوسل بالنور المقدس بالرغم من عدم تمكني لرؤيته في حال القبض والفراق ..
وفعلت ذلك ، واجريت دموعي ، وذهبت الى المحل الذي كان فيه وحي الله .. فغمرني بعطفه ، ومسح عن وجهي الدموع . سالته : لم تركتني وحيدا كل هذه المدة ؟
قال : لقد ابلغتك المقصود ودللتك على الحقيقة ، وعليك انت بعد هذا ان تسترشد بذلك النور المقدس ، وتجعل من قلبك مرآة لادراك المعاني .
(1) عن الامام علي عليه السلام : «انا عين الله ، وانا جنب الله ، وانا يد الله ، وانا باب الله» بحار الانوار 24 / 194 ، الحديث 16 .
(2) «ومن عرفهم فقد عرف الله ، ومن جهلهم فقد جهل الله» الزيارة الجامعة الصغيرة .
(3) «وكل شيء احصيناه في امام مبين» يس : الآية 12 .
(4) البقرة : الآية 245 .
بين يدي الاستاذ 234


قلت : انه لم يتحدث الي ولم يحفل بي !
قال : انه معلم الكل ، انه يهتم بالجميع ، والله سبحانه جعله لنا ملاذا وسفينة نجاة ومصباح هداية .. وهو موجود منذ آلاف سنين ، وقبل ان تولد كنت تدرس في حضرته ، فكل ما نعرفه الآن هو منه . زخارف الدنيا هي التي انستك اياه ، فاصبحت لديه غريبا .
قلت : تحدث معي اكثر يا صديقي العزيز ، لعلي اتعرّف اكثر على ذلك النور المقدس .
قال : لقد نسيته ؛ لان الله سبحانه عندما خلقك لم يكن لديك هذا الجسم الطيني ، كنت روحا مجردة ، وكل البشر كان هكذا .. كانو ارواحا بلا ابدان ، ليس لهم هذه الحياة النباتية (1) .
اتذكر يوم التقيت النور المقدس ؟ اتذكر كيف انفصلت عن مركبك الذي هو بدنك ؟ هكذا كنت في ذلك العالم .
وهذا البدن الذي حللت فيه انما هو مؤقت ، وسوف ياتي يوم تخلعه وتتركه ، ففي عالم البرزخ ليس لك بدن ، وسوف يعود يك يوم القيامة ولكن في ظروف اخرى .
وليكن في بالك انك بهذا البدن ، وخاصة في وجود حبك لهذا البدن ، لن تستطع الاتصال بذلك النور المقدس ؛ لان حبك لبدنك هو غفلة تبعد الانسان عن الحقائق والمعاني .
وعندما تريد الحضور في رحاب النور المقدس فعليك ان تترك مركبك الذي اسمه بدن في الحظيرة وتطهر نفسك من الدنس ، لكي يمكنك الاتصال حينئذ بالنور المقدس .
قلت : كيف كنت ادرس في حضرته آلاف السنين ؟
قال : عندما خلق الله روحك ، بل وارواح البشر جميعا ، لم تكن لديك الا صفة
(1) بحار الانوار 58 / 131 ـ باب خلق الارواح قبل الاجساد .
بين يدي الاستاذ 235

واحدة وهي الادراك ، فكنت تدرك المعقولات والمحسوسات بشكل سريع ، وكان الناس يومئذ متساوين في هذه القوة لكنهم لا يعلمون شيئا .
انهم كالمرايا تماما ، فالمرآة تعكس صور الاشياء ، والروح الانسانية تنعكس فيها صور المعقولات وتختزن ما ينعكس فيها كالشريط المصور .
هذا من جهة ، ومن جهة اخرى ان الله سبحانه وتعالى خلق انوار المعصومين قبل خلق الخلائق ، واودعهم اسرار العالم (1) .
فكانوا بين يدي الله اطياف نور (2) .
ثم لما خلق الله الملائكة كانوا هم معلمين لهم (3) .
وان الله سبحانه بعد ذلك خلق ارواح البشر وامرهم ان يتعلموا ، فتعلمت الارواح التوحيد والاخلاق ، فاستودعوا المعارف الحقة على مدى آلاف السنين (4) .
(1) عن الامام الصادق عليه السلام : «يا مفضل ، كنا عند ربنا ليس عنده احد غيرنا .. حتى بدا له في خلق الاشياء ، فخلق ما شاء كيف شاء ، من الملائكة وغيرهم ، ثم انهى علم ذلك الينا» بحار الانوار 57 / 196 ، الحديث 142 .
(2) عن الامام الصادق عليه السلام : «يا جابر ، ان الله اول ما خلق ، خلق محمدا وعترته الهداة المهتدين ، فكانوا اشباح نور بين يدي الله» بحار الانوار 15 / 25 ، الحديث 47 .
(3) الامام الصادق عليه السلام : «كنا انوارا حول العرش نسبح الله ونقدسه حتى خلق الله سبحانه الملائكة فقال لهم : سبحوا ، فقالوا : ربنا لا علم لنا ، فقال لنا : سبحوا ، فسبحنا ، فسبحت الملائكة بتسبيحنا» بحار الانوار 25 / 21 ، الحديث 34 .
النبي صلى الله عليه وسلم في حديث : « . . . ثم جعلنا عن يمين العرش ، فسبحنا فسبحت الملائكة ، فهللنا فهللوا ، وكبرنا فكبروا ، فكل من سبح الله وكبره كان ذلك من تعليم علي» بحار الأنوار 25 / 24 ، الحديث 42 .
(4) «فكنا عنده مسَلّمين بفضلكم ، ومعروفين بتصديقنا اياكم» الزيارة الجامعة الكبيرة .
عن عبد الله بن سنان ، قال : سألته (الامام الصادق عليه السلام) عن قول الله عز وجل : «فطرة الله التي فطر الناس عليها» [الروم : الآية 30] ما تلك الفطرة ؟ قال : «هي الاسلام ، فطرهم الله حين اخذ ميثاقهم على التوحيد» . =
بين يدي الاستاذ 236


قلت : فَلِم نسينا ما تعلمنا ولم نعد نذكر من ذلك شيئا (1) .
قال : انت مخطئ في ذلك ، لولا ما تعلمته في ذلك العالم ما استطعت اليوم ان تدرك ما تدرك ، وتعي ما تعي ، من الحقائق والمعارف الحقة (2) .
= وفي حديث زرارة عن ابي جعفر الباقر عليه السلام : وسالته عن قول الله عز وجل : «واذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى» [الاعراف : الآية 172] قال (الباقر عليه السلام) : «اخرج من ظهر آدم ذريته الى يوم القيامة ، فخرجوا كالذر ، فعرفهم واراهم نفسه ، ولولا ذلك لم يعرف احد ربه» بحار الانوار 64 / 135 ، الحديث 706 .
(1) امير المؤمنين عليه السلام في ذيل الآية : «واذ اخذ ربك ...» : «ان الله سبحانه لما خلق آدم مسح ظهره ، فاستخرج ذريته من صلبه في هيئة الذر ، فالزمهم العقل ، وقرر بهم انه الرب وانهم العبيد» تفسير البرهان 2 / 49 ، الحديث 18 .
(2) عن عمارة قال : كنت جالسا عند امير المؤمنين عليه السلام اذ اقبل رجل فسلم عليه ، ثم قال : يا امير المؤمنين ، والله ! أني لأحبك ، فسأله ثم قال له : «ان الارواح خُلقت قبل الابدان بالفي عام ، ثم اُسكنت الهواء ، فما تعارف منها ثم ائتلف هاهنا ، وما تناكر منها ثم اختلف هاهنا» بحار الانوار 58 / 131 ، الحديث 2 ـ باب خلق الارواح قبل الاجساد .
وعن بكير بن اعين ، قال : كان ابو جعفر الباقر عليه السلام يقول : «ان الله اخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا وهم ذر يوم اخذ الميثاق على الذر بالاقرار بالربوبية ، ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة ، وعرض الله عز وجل على محمد امته في الطين وهم اظلّة ، وخلقهم من الطينة التي خلق منها آدم ، وخلق الله ارواح شيعتنا قبل ابدانهم بالفي عام ، عرضهم عليه وعرفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعرفهم عليا ، ونحن نعرفهم في لحن القول» بحار الانوار 61 / 135 ، الحديث 10 .
وعن زرارة ، قال : سألت ابا عبد الله الصادق عليه السلام عن قول الله : «واذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى» قال : «ثبتت المعرفة في قلوبهم ، ونسوا الموقف ويذكرونه يوما ، ولولا ذلك لم يدر احد من خالقه ورازقه» تفسير البرهان 2 / 48 .
بين يدي الاستاذ 237



قصة النور المقدس

قال لي معلمي :
كنت اقرأ الزيارة الجامعة يوما من اعماق قلبي فانفتحت على انوار المعصومين المقدسة ، واذا هم يروون لي قصصهم بلسان الحال ومداليل الروايات :
كان الله ولم يكن معه شيء وكان سبحانه وحده وحده (1) ولم يكن موجود غيره ، ثم شاء سبحانه ان يخلق الخلائق لتعبده (2) .
وخلق الله سبحانه اولياءه ليأنسوا به ويكونوا خلفاءه ، ومرآة تتجلى فيهم صفاته ، وخلق سبحانه انوارنا ، ووهبنا اسماء مختلفة .
فربما كنا اسماؤه العظمى ، او اسماؤه الحسنى ، لنكون ادلاء للخلق عليه (3) .
خلقنا الله قبل العالم بآلاف السنين والهمنا مناجاته (4) .
(1) عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام قال : «جاء حبر من الاحبار الى امير المؤمنين عليه السلام فقال له : يا امير المؤمنين ، متى كان ربك ؟ قال : ثكلتك امك ، ومتى لم يكن حتى يقال متى كان ؟ كان ربي قبل القبل بلا قبل ، وبعد البعد بلا بعد ، ولا غاية ولا منتهى لغايته ، انقطعت الغايات عنه ، فهو منتهى كل غاية» بحار الانوار 54 / 82 ، الحديث 60 .
(2) حديث قدسي شريف : «كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اُعرف ، فخلقت الخلق لكي اُعرف» .
(3) عن معاوية بن عمار ، عن ابي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل : «ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها» [الاعراف :الآية 180] ، قال : «نحن والله الاسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملا الا بمعرفتنا» اصول الكافي 1 / 177 ـ باب ان الحجة لا تقوم لله على خلقه .. ح1 .
(4) عن معاذ بن جبل : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ان الله خلقني وعليا وفاطمة والحسن =
بين يدي الاستاذ 238


وكنا نتشرّب اخلاق الخالق فتتجلى فينا صفاته الجمالية والجلالية .
فلو ان احدا لا يعرف حقيقتنا ، ما وجد فرقا بيننا وبينه كما لو انك تقف امام المرآة لا تدرك الفرق بينك وبين الصورة في المرآة» (1) .
ثم اطلعنا الله سبحانه على بعض غيبه ، وحجب عنا غيبه المطلق .
وقد ذكرت لك فيما مضى ان الله سبحانه احب ان يُعرف ، فخلق الخلق كي يُعرف .
قال لي معلمي :
سجدت يوما لله لنعمه التي اغدقها ، ورحت احمد الله على كل نعمة تخطر في بالي ، فكنت اهمس : الحمد لله رب العالمين ؛ حتى اذا تالّقت في ذهني نعمة
= والحسين قبل ان يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام» . قلت فاين كنتم يا رسول الله ؟ قال : «قدّام العرش نسبح الله ونحمده ونقدسه ونمجده» . قلت : على اي مثال ؟ قال : «اشباح نور» بحار الانوار 54 / 43 ، الحديث 16 .
(1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل : «يا علي ، لولا نحن ما خلق الله آدم ، ولا حواء ، ولا الجنة ، ولا النار ، ولا السماء ، ولا الارض ، وكيف لا نكون افضل من الملائكة وقد سبقناهم الى التوحيد ومعرفة ربنا عز وجل وتسبيحه وتقدسيه وتهليله ؛ لان اول ما خلق الله عز وجل ارواحنا فانطقنا بتوحيده وتمجيده ، ثم خلق الله الملائكة ، فلما شاهدوا ارواحنا نورا واحدا استعظموا امرنا ، فسبحنا لتعلم الملائكة انا خلق مخلوقون وانه منزه عن صفاتنا ، فسبحت الملائكة لتسبيحنا ونزهته عن صفاتنا ، فلما شاهدوا عظم شأننا ، هلّلنا لتعلم الملائكة ان لا اله الا الله . فلما شاهدوا كبر محلنا كبرنا الله لتعلم الملائكة ان الله اكبر من ان ينال وانه عظيم المحل . فلما شاهدوا ما جعله الله لنا من القدر والقوة قلنا : لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ، لتعلم الملائكة ان لا حول ولا قوة الا بالله ، فقالت الملائكة : لا حول ولا قوة الا بالله . فلما شاهدوا ما انعم الله به علينا واوجبه من فرض الطاعة ، قلنا : الحمد لله لتعلم الملائكة ما يحق لله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمه ، فقالت الملائكة : الحمد لله ، فبنا اهتدوا الى معرفة الله تعالى وتسبيحه وتهليله وتحميده ...» مكيال المكارم 1 / 33 .
بين يدي الاستاذ 239

الولاية لاهل البيت استغرقت في الحمد ، حتى غشي علي ، وتمر لحظات فاذا النور المقدس يشرق على قلبي ، فسألته عن هذه الآية : «وكل شيء احصيناه في امام مبين» (1) .
وعن هذه الجملة في دعاء الندبة : «واودعته علم ما كان وما يكون الى انقضاء خلقك» (2) .
وعن معنى هذه العبارة : «ان ذكر الخير كنتم اوله واصله وفرعه ومعدنه ومأواه ومنتهاه» التي وردت في الزيارة الجامعة ، وكيف يكون هذا وقد جاء ان الله منع عنكم غيبه المطلق ؟!
قال النور المقدس بلسان الرواية : هذا حق ان الله اودعنا العلم ، وساوضح لك معنى هذا :
اتعلم ان الشمس ستشرق غدا في الصباح ام لا ؟
قلت : نعم اعلم .
قال : فهل تعتقد ان في قدرة الله وارادته الا تشرق الشمس غدا ؟
قلت : اذا لم اعتقد ذلك كنت يهوديا ، وقد لعن الله اليهود لقولهم هذا (3) .
قال : ان الله سبحانه يقول : «يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب» (4) .
قلت : هذا حق .
قال : وعلى هذا فان علم الغيب هو لله (5) ، ولو كنا نعلم غيبه ويكون غير قابل
(1) يس : الآية 12 .
(2) مفاتيح الجنان .
(3) «وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان» المائدة : الآية 64 .
(4) الرعد : الآية 39 .
(5) الامام الصادق عليه السلام : «نحن خزان الله على علم الله» بحار الانوار 26 / 105 ، الحديث 4 .
وعنه عليه السلام : «يا مفضل ، تعلم انهم علموا ما خلق الله عز وجل وذرأه وبرأه ، وانهم كلمة التقوى ، وخزان السماوات والارضين والجبال والرمال والبحار ، وعلموا كم في السماء =
بين يدي الاستاذ 240

للتغيير ، فستكون يد الله مغلولة ، ولن يكون تصرف في الخلق بعد الخلق ، فغيبه سبحانه في ما لم يخلق (1) .
فنحن نعلم ما خلق الله ، لانا شهدنا الخلق ، وكنا واسطة ذلك ، فكيف لا نعلم ما شهدنا !
قلت : ما زلت اجهل تلك المعاني فلو اوضحت !
قال : ان كل ما هو في غيب المستقبل لا يعدو واحدا من ثلاثة :
اما ان يكون وعدا ، او يكون وعيدا ، او لا وعد ولا وعيد .
فالوعد لا يقبل التغيير «ولن يخلف الله وعده» (2) .
اما الوعيد فلان لطف الله سبحانه لا حدود له فلا يمكن القطع في علمه .
اما غير ذلك مثل طلوع الشمس الذي ذكرت لك ، فاعلم انه لو هبّت نسمة بعد مليارات السنين في كوكب من الكواكب ، فان علمها وحسابها عندنا ، وهذا كله بمشيئة الله سبحانه ، ولهذا ورد النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
«ولا تقولن لشيء اني فاعل ذلك غدا * الا ان يشاء الله» (3) .
قلت : الآن فهمت فداك ابي وامي ، وفدتك نفسي .
= من نجم وملك ، ووزن الجبال ، وكيل ماء البحار وانهارها وعيونها ، وما تسقط من ورقة الا علموها ، ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين ، وهو في علمهم وقد علموا ذلك» بحار الانوار 26 / 116 ، الحديث 22 .
(1) «ان الله يعلم غيب السماوات والارض والله بصير بما تعملون» الحجرات : الآية 18 .
(2) الحج : الآية 47 .
(3) الكهف : الآيتان 23 و 24 .
بين يدي الاستاذ 241



العقل

قال لي معلمي :
وهناك سألت ذلك النور المقدس : فما هو العقل اذن ، واين هو ؟
قال : اول شيء خلقه الله من الروحانيات العقل ، ومنحه القدرة على التعبير .
قال : اقبل الي ، وابدأ المسير الى الله ، واجعل مرآتك مقابل جمالي ، لتكون تجليا لكمالي . ففعل ذلك ، اي اقبل الى الله ، فتجلت منه صفات الله . ثم قال الله سبحانه له : ادبر ؛ فانطلق الخلق ، فاذا رأوه عرفوه ، فان رغبوا جعلوا مرايا قلوبهم امام جماله فتتجلى فيهم صفاته الكمالية ، ففعل ذلك اذا كان مطيعا لله عز وجل .
من اجل هذا قال الله عز وجل لمّا خلق العقل ..
قال له : اقبل ، فاقبل ، ثم قال له : ادبر ، فادبر ، ثم قال : وعزتي وجلالي ، ما خلقت خلقا هو احب الي منك ، بك آخذ ، وبك اعفي ، وعليك اثيب (1) .
فخر العقل عند ذلك ساجدا ، فكان في سجوده الف عام . فقال الرب تبارك وتعالى : ارفع رأسك وسل تعط ، واشفع تشفّع .
فرفع العقل رأسه فقال : الهي اسألك ان تشفعني في من خلقتني فيه ، فقال الله جل جلاله لملائكته : اُشهدكم أني قد شفّعته في من خلقته فيه» (2) .
قال لي معلمي : عندما سمعت كل هذا حول العقل استغرقت في التأمل وشعرت بالحيرة ، ما هو المقصود من العقل ؟ هل هو اول مخلوق ، ام اعظم مخلوق ،
(1) بحار الانوار 1 / 97 ، الحديث 5 .
(2) المصدر المتقدم : 107 ، الحديث 3 .
بين يدي الاستاذ 242

او احب الخلق الى الله ، او مرآة تتجلى فيه جميع صفات الكمال الالهي ؟!
سمعت مرة ان انوار المعصومين فريدة ، وتذكرت يوم رأيت انوارهم المقدسة تقول : ربما دعانا الله بالعقل الكلي فنحن اعلم مخلوقاته في تمييز الطيب من الخبيث ، فلعل المقصود من العقل هنا هم اولئك لذا سألت لاتأكد :
هل المقصود من العقل بهذه الصفات هو تلك الارواح المقدسة ؟
قال : كيف ؟
قلت : لان الله تعالى اول ما خلق ارواحهم ، وان الله اول ما خلق العقل !
والشيء الآخر انني اظن ان انوار المعصومين هي اعظم واحب خلق الله ، ثم ارى ان العقل له هذه المزايا ايضا ؟
قال : لم ارد التصريح بهذا ولكن الحقيقة ليست الا ما تظن ، ان المقصود من العقل الذي هو اول ما خلق الله سبحانه هو تلك الانوار المقدسة ولا شيء غيرها (1) .
قلت : فَلِم وعيت الانوار بالعقل ؟
قال : لانهم عقلوا من الجهل ؛ ولان معرفة الله التامة تحصنهم وتعصمهم من المعصية ، يعني انه لا يوجد في وجودهم من الجهل مقدار ذرة ، فكل شيء لديهم معلوم ، وكل شيء لديهم واضح ، فهم عبيد الله المخلصين .
قلت : فهذا العقل الذي لدى الناس ما هو ؟
قال : لقد قلت لك ان الله خلق روحك وهي تدرك الاشياء ، فانت في ذلك العالم ـ عالم الارواح ـ تعلمت حقائق الاشياء التي هي الحكمة ، فعرفت الخبيث من الطيب ، والحسن من القبيح ، فانت في ذلك مثل ائمتك ومعلميك ولكن على قدر
(1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خلق الله العقل فقال له : ادبر فادبر ، ثم قال له : اقبل فاقبل ، ثم قال : ما خلقت خلقا احب الي منك» فاعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم تسعة وتسعين جزء ، ثم قسم بين العباد جزء واحدا . بحار الانوار 1 / 97 ، الحديث 6 .
وقال صلى الله عليه وسلم : «اول ما خلق الله نوري» . وفي حديث آخر انه صلى الله عليه وسلم قال : «او ما خلق الله العقل» بحار الانوار 1 / 97 ، الحديث 7 و 8 .
بين يدي الاستاذ 243

طاقتك عقلت من الجهل (1) .
فانت ايضا تعلمت ذلك ، وهذا معنى الحديث في ما ورد عن قول الله عز وجل للعقل : ادبر فادبر ، فانت وانت جزء من الناس كما المرآة تنعكس فيها الصفات الالهية فانت جزء من المرآة .
فالمطلوب من الانسان ان يوجه مرآة قلبه نحوالجمال لتنعكس فيه وتختزن فيه الحقائق ، ويكون للانسان ذلك العقل الذي يعقله عن الجهل ، وعلى هذا فان عقلك هو تلك العلوم والحقائق التي تعلمتها ، وتميز الحسن من القبيح ، فكل من تعلم اكثر كان له من العقل نصيبا اكثر .
قال لي معلمي :
فسألت : وهل كان للبشر جميعا نصيبا من هذا التعليم ؟
قال : لا ، بعضهم تعلم كل هذه العلوم ، وعرف حقائق الاشياء ، وتمييز الحسن من القبيح ، والطيب من الخبيث ، ولكنهم لم يفيدوا من تلك العلوم ، لا في عالم الذر ، ولا في عالم الدنيا ، وجعلوا مرايا قلوبهم في مقابل الجهل ، ونسوا ما تعلموه من العلوم العقلية ، ولهذا نرى الله سبحانه يذكّرهم : فتارة يخاطبهم : «افلا تعقلون» (2) ، واخرى : «افلم تكونوا تعقلون» (3) ، فهناك تعلموا لكنهم نسوا وقلبوا مرايا القلوب باتجاه الجهل (4) .
(1) قال النبي صلى الله عليه وسلم في جواب شمعون ، وسؤاله : اخبرني عن العقل ما هو ؟ كيف هو ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ان العقل عقال من الجهل ، والنفس مثل اخبث الدواب ، فان لم تعقل حارت ، فالعقل عقال من الجهل» بحار الانوار 1 / 117 ، الحديث 11 .
(2) البقرة : الآية 44 ، 76 ، ...
(3) يس : الآية 62 .
(4) الامام الباقر عليه السلام : «ان الله عز وجل خلق الخلق ، فخلق من احب مما احب» الى ان يقول : «ثم بعثهم في الظلال» .
فقلت : واي شيء الظلال ؟ فقال عليه السلام : «الم تر الى ظلك في الشمس شيئا وليس بشيء ؟ ثم بعث فيهم النبيين فدعوهم الى الاقرار بالله عز وجل ، وهو قوله تعالى : «ولئن =
بين يدي الاستاذ 244


قال لي معلمي :
سألت : لقد قلت لي ان بعضهم جعل مرآة قلبه مقابل الجهل ، فهل الجهل مخلوق حتى يمكن ان يضع الانسان مرآة قلبه باتجاهه ؟
قال : اجل وساشرح لك حاله . ان الجاهل همه آراء الناس وساقول انه الشيطان . انه في مقابل عقل لا جهل فيه ، يعني الانوار المقدسة ، وان الله عندما خلقه كان اسمه الجهل (1) .
فقال له : اقبل (افد من العلوم والمعارف الحقة) ، فلم يقبل ، وعندما عصى الامر الالهي قال له : استكبرت ؟! فلعنه (2) .
فادبر ولم يقبل ، ووضع نفسه قبال البشر لتتجلى صورته المشؤومة في مرايا قلوبهم (3) .
ولذا فان الذين يجعلون مرايا قلوبهم في قباله ، تنعكس صورته في قلوبهم فهم جهلة ولا نصيب لهم من العقل كمعاوية ، واما الذبن يجعلون مرايا قلوبهم في قبال العقل فتنعكس صفاته الحميدة فيهم ، فهم عقلاء وتتجلى فيهيم صفات العبودية (4)
= سألتهم من خلقهم ليقولن الله» [الزخرف : الآية 87] ثم دعوهم الى الاقرار بالنبيين ، فاقر بعضهم وانكر بعضهم ، ثم دعوهم الى ولايتنا ، فاقر بها والله من احب وانكرها من ابغض ، وهو قوله تعالى : «فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل» [يونس : الآية 74] » . ثم قال ابو جعفر عليه السلام : «كان التكذيب ثم ..» بحار الانوار 64 / 98 ، الحديث 16 .
(1) قال الامام الصادق عليه السلام في حديث جنود العقل والجهل : «ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جندا ، فلما رأى الجهل ما اكرم الله به العقل وما اعطاه اضمر له العداوة» بحار الانوار 1 / 109 ، الحديث 7 .
(2) بحار الانوار 1 / 109 ، الحديث 7 .
(3) عن الامام الصادق عليه السلام في حديث صفات العقل وعلاماته : «ثم خلق الجهل من البحر الاُجاج ظلمانيا فقال له : ادبر فادبر ، ثم قال له : اقبل ، فلم يقبل» المصدر المتقدم .
(4) روي ان النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : ما العقل ؟ فقال : «العمل بطاعة الله» ، وان العمال بطاعة الله هم العقلاء» بحار الانوار 1 / 131 ، الحديث 20 و 21 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي