بين
يدي الاستاذ
الجزء الثاني
تاليف
السيد حسن الابطحي
ترجمة
كمال السيد
لا ريب في ان لاولياء الله ، وبسبب انسهم به سبحانه ، الهام ومكاشفات ومشاهدات ، فالله عز وجل هو مصدر الالهام والمكاشفة والمشاهدة ، وهو سبحانه القائل : «وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا او من وراء حجاب او يرسل رسولا فيوحي باذنه ما يشاء انه علي حكيم» (1) .
فمن الممكن ان يوحي الله سبحانه الى عباده من الاولياء كما اوحي الى ام موسى وهي ليست نبية ، او يحصل ذلك عن طريق المكاشفة التي هي الالهام ، او الكلام من وراء حجاب كما جاء في القرآن الكريم .
ومن هنا فاذا استقى الاستاذ والمعلم كلامه عن طريق المكاشفة ثم جاءت الروايات والآيات ما يعزز من ذلك ، فقد نهض كلامه على قاعدة صلبة لا تدحض ، ذلك ان كل شيء لا ينهض الا على دعامتين مستقلتين ، واي ضعف في دعامة منها لا تسده الدعامة الاخرى ولا تعوضه ، كما ان المكاشفة على نوعين :
الاولى : الكشف عن الحقائق العلمية التي تنبع غالبا عن الالهام والحكمة الالهية وهذا النوع يدعى «مكاشفة العلم» او «مكاشفة الحال» .
الثاني : وهو المكاشفة الاخرى ورؤية المناظر الطبيعية والاشخاص في عالم الخلسة او ما بين الصحوة والنوم وهذا النوع يسمى : «مكاشفة العين» .
وهنا ارى من اللازم ان اشير الى نقطة في «مكاشفة العلم» ، وهي تتعلق بسائر مواضيع هذا الجزء ، مما لا يتيسر هضمه للبعض ، وهذه النقطة هي مكاشفة حصلت لي ..
في احدى الليالي الزاخرة بالبركة وقبل ان آوي الى فراشي بعد عبادة مختصرة ، قفزت الى ذهني مواضيع فلسفية كنت قد قرأتها في ايام الشباب وكنت اقارن بينها وبين آيات قرآنية وروايات معتبرة ، فاجد بينها تناقضات كثيرة .
وفي حالة المكاشفة ادركت ان الفلسفة مجموعة مواضيع تعتمد الفهم البشري لحقائق الاشياء ، او العلم بحقائق الاشياء بحسب طاقة البشر (1) .
اما الحكمة فهي مجموع المواضيع التي تعتمد الوحي او الالهام في فهم حقائق الاشياء ، ومصدرها الرسل الالهيين واولياء الله ، وبحسب حاجة البشر في حياتهم ؛ وعلى هذا فان الحكمة تشتمل على حقائق القرآن الكريم وما جاء عن الائمة المعصومين عن طريق علم يقذفه الله في قلب من يشاء .
وتوضيح ذلك انه في تعريف الفلسفة لم يقل احد من اهل الاختصاص ان الفلسفة تشتمل على الوحي والالهام الالهي وما جاء به الانبياء ، بل ان الجميع يعترفون بانها علم بحقائق الاشياء خاضع للفكر والفهم البشري .
وقد نبغ من العلماء في هذا الحقل كثيرون : سقراط وافلاطون قديما ، وانشتاين وراسل حديثا ، كما وتعددت المذاهب الفلسفية فتجاوزت الثمانين بعد المئة (2) .
وكلها تستند الى الفهم البشري ، ومن هنا ندرك سر اختلافها الشديد ، وتناحرها وتناقضها مع بعضها البعض ، مما يؤكد بشريتها وعدم استنادها الى منابع الغيب والالهام الالهي .. ذلك لو اننا جمعنا كل الانبياء فلن نجد اقل اختلاف في افكارهم واقوالهم ؛ لانهم جميعا يستقون من مصدر واحد ، وهذه الظاهرة في التوحيد دليل على حقانية طريق الانبياء ، وان كلماتهم انما هي وحي يوحى ، وهذا يعني انهم
|
(1) موسوعة دهخدا الايرانية .
(2) ارتباط انسان وجهان (بالفارسية) عد منها 187 مذهبا .
|
ينطوون على الحكمة والتي مصدرها الله سبحانه .
فالحكمة وكما وردت في القرآن الكريم هي بيان حقائق الاشياء والمعارف الحقة ، من خلال الاستناد الى الوحي ، والله سبحانه هو مصدر الحكمة ، ولذا نراه سبحانه يقول : «ولقد آتينا لقمان الحكمة» (1) .
«ذلك مما اوحى اليك ربك من الحكمة» (2) .
ويقول الله تعالى : «يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا» (3) .
ويقول عز من قائل : «ويعلمه الكتاب والحكمة» (4) . والخطاب لعيسى عليه السلام .
وقوله تعالى عن ابراهيم عليه السلام : «فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة» (5) .
وقوله تعالى عن النبيين عليهم السلام : «ويعلمهم الكتاب والحكمة» (6) .
كما ورد في الاحاديث الشريفة هذا المعنى ، وهو ان مصدر الحكمة الوحيد هو الله سبحانه وتعالى ، وقد جاء في الاثر : «من اخلص لله اربعين صباحا جرت ينابيع الحكمة على قلبه» .
وعن ابي جعفر الباقر عليه السلام ، قال : «ما اخلص العبد الايمان بالله عز وجل اربعين يوما الا زهده الله عز وجل في الدنيا ، وبصّره داءها ودواءها ، وثبت الحكمة في قلبه ، وانطق بها لسانه» (7) .
ومن هنا فما يرد في هذا الكتاب من مكاشفات بعنوان حكمة فهو يستند الى آيات القرآن الكريم والروايات المأثورة عن اهل البيت عليهم السلام .
|
(1) لقمان : الآية 12 .
(2) الاسراء : الآية 39 .
(3) البقرة : الآية 269 .
(4) اآل عمران : الآية 48 .
(5) النساء : الآية 54 .
(6) البقرة : الآية 129 .
(7) اصول الكافي 2 / 16 ، باب الاخلاص .
|
|
قصتي
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
عندما طويت مراحل السير والسلوك ، وتخلصت من الرذيلة ، واجتزت مراحل التوبة ، وبلغت الاستقامة على الصراط ، وجاهدت نفسي ، وادركت معنى العبودية ، وعندما انتزعت حب الدنيا من قلبي ، بل انتزعت نفسي منها ، بحيث استطيع ان اغمض عيني عن كل شيء في الطريق الى الله ، وعندما قمت بواجبي فلا غش ولا خيانة ، ولا رياء ولا كذب في وجودي ، ولا بخل ولا حسد في حياتي ، وعندما لم اعد اعرف التباهي والزهو ، وعرفت نفسي خادما للناس ، اقول الحق واصغي اليه ، عندما فعلت كل هذا رأيت نفسي ذات ليلة ، وبالرغم من ظلمة المكان وكنت ابكي شوقا وحبا لله ولم اعد اعي هل انا في يقظة ام في عالم بين اليقظة والنوم رأيت نفسي ورأيت المكان مليئا بالنور .. ولم يكن هذا النور نور شمس كان اكثر بهاء مما لو كان مستمدا من آلاف الشموع .
كان نورا بهيا شفافا ..
رأيت نفسي انتقل فجأة من عالم مظلم الى عالم زاخر بالنور ، ومع ذلك فلم يؤذ عيني هذا الانتقال ، بل اصبح بصري اكثر حدة ، وغمرني العالم الجديد الذي عشته بسيل من المشاعر التي لا يمكن وصفها .
ورأيت في غمرة النور طيفا لم استطع تمييزه ، ولم اشعر بالرهبة ، بل سألته سؤالا :
ـ من تكون ؟
اجاب الطيف :
ـ انا فاطمة بنت محمد رسول الاسلام .
قلت : انت امي .. وانا من ذريتك ونسلك .
افترضين لي كل هذا العناء ، وكل هذه الدموع من اجل بلوغ الكمال ؟
قالت : ان كل ابنائي وشيعتي ممن عزف عن حب الدنيا وعرف حق المعرفة وعرف من اين جاء واين هو الآن والى اين يسير ؟ سوف يصل الكمال الحقيقي ..
وانت وان انتزعت حب الدنيا من قلبك ونجوت من الرذيلة ولكن بقي عليك ان تعرف انوار الامام (1) .
قلت : وهذه هبة منكم اهل البيت فعرفوني اعرفكم .
قالت : سآمر ولدي بقية الله ليدلك .
قالت ذلك ثم اختفى ذلك الجمال الالهي المضيء لكني سعدت بالوعد ورحت انوح شوقا الى اللقاء .
وتمر الشهور وانا في انتظار ؛ وقد بلغ بي الوجد مبلغه .. آه ما اصعب انتظار المعشوق .. لا اريد ان اقول :
«ما اكثر الوعود واقل الوفاء» .
انا اعترض على هذا الشعر ، لان وعود الطيبين لا تعرف الغدر ، لا تعرف غير الوفاء .. ربما يكون الوفاء عاجلا وربما يأتي آجلا ، وهناك مصلحة ما اجهلها انا .. وما حصل كان في مصلحتي .. انا اعرف نفسي جيدا ..
هذا الانتظار الطويل يزيد من اشعال الجمر .. جمرة الحب وعندما يأتي اللقاء فلن اغفل عن المعشوق لحظة واحدة ، ساذوب فيه .
وعلى كل حال صبرت ولكن في عناء ، لا اريد ان اقول كنت طريد الامام فصبرت صبرا قاتلا .. في كل ليلة انتظر في نفس المكان الذي امتلأ بالنور المقدس ، وكنت اردد ذات الاذكار والاوراد ، واتضرع بنفس الكلمات تلك الليلة ولكن دون جدوى .
|
|
(1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من مات ولم يعرف امامه مات ميتة جاهلية» بحار الانوار 23 / 78 ، الحديث 9 .
|
حتى حانت تلك الليلة المنتظرة فبعد بكاء مرير وقد اغمي علي قلت بلهجة يعوزها الادب :
لماذا هذه الجفوة ؟ فوحقك يا سيدتي لو علمت ان ولدك على قمم دماوند (1) لذهبت اليه ، ولو كلفني ذلك حياتي .. ولكن كيف لي ذلك وانا اجهل مكانه ؟ فيا سيدتي لقد نفد صبري ..
وسيدتي التي هي معشوقي ، والتي اعز علي من روحي لم تلتفت الى جسارتي في تلك الليلة ، اخذت بيدي ووضعتها في كف سيدي والحبل المتين الذي يربط السماء بالارض والارض بالسماء .. آه يا بقية الله روحي وارواح العالمين لتراب مقدمك الفداء ..
وغابت سيدتي بعد ان عرفتني الامام (2) .
قال لي معلمي :
في ليلة من ليالي الصيف وكنت مرهقا بدنيا ، امّا روحيا فقد كنت في غاية النشاط ، وكنت ابث الحبيب همومي واناجي معشوقي وخالقي والهي وربي ، ثم انتبهت الى انني ، وبسبب جهلي تغيرت نبرة صوتي من مناجاة الى كلام وصياح وبالرغم من ان صوتي لم يكن عاليا ولكنه لم يكن متناسبا من القرب الذي كنت استشعره ، فالذي اناجيه اقرب الي من حبل الوريد ، فكل صوت اذن سيكون كما لو انني اصرخ في اذنك .
اليس هو القائل : «واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول» (3) .
وهو القائل : «يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور» (4) .
|
(1) دماوند : اعلى قمة في ايران 5700م . (المترجم)
(2) سياتي تفصيل ذلك فيما بعد .
(3) الاعراف : الآية 205 .
(4) غافر : الآية 19 .
|
فلم لا اناجيه خفية وهذا اعلى مرتبة في طريق الكمال من الذكر الجلي .
ومن تلك الليلة رحت اتحدث الى الهي الحبيب ، بروحي وقلبي ، وكنت اتضرع اليه عاجزا عن التعبير .
حتى انست به وشعرت بلطفه يغمرني ، فلم يعرض بوجهه الكريم عني ، وكان يرعاني بكل كبريائه وشموخه واعتلائه ، يحدثني ويهديني سواء السبيل .
اليس هو القائل : «يهدي من يشاء» (1) .
وهو القائل : «لنهدينهم سبلنا» (2) .
والقائل : «ان علينا للهدى» (3) .
ثم قال لي :
اتفكر في كيفية ذلك ؟ تتساءل كيف يتحدث ربنا المحبوب معنا ، اقول لك : انه يحدثنا دائما ونحن نعرض بوجوهنا عنه ، حتى اننا لم نعد نتعرف صوته ، سوف يخفق قلبك بعد ان تعرف حجم الظلم الذي ترتكبه بحقه .
والآن ساشرح لك وسوف تحترق بنار المحبوب ، سوف تتفجر او تنتبه الى حديثه حديث الحكمة ، ولن تمر كلمة واحدة من كلماته دون ان تسمعها .
قال لي معلمي :
اعلم ان اثنين يحدثانا دائما احدهما عدو لنا وهو الشيطان ، والآخر هو المحبوب وهو الرحمن ، ولاننا ومع شديد الاسف نصغي اكثر للشيطان فلم نعد نميز صوت الرحمن .
انت رأيت وساوس كثيرة .. ومع اننا لا نسمع صوتا لكنها اصرح في ضجيجها من عدة اشخاص يدعوننا لان نعمل المنكر ، فكأن هناك قوة ما تدعو ارواحنا تقول لنا : ان هذا الشيء بهذا الشكل وان علينا ان نفعل ذلك العمل اللاشرعي .
|
(1) البقرة : 142 ، 213 . يونس : الآية 25 ...
(2) العنكبوت : الآية 69 .
(3) الليل : الآية 12 .
|
وكذلك بالنسبة لله عز وجل ، فهو يحدثنا بلا صوت بل يشرق على قلوبنا بالحقائق ، ويحدثنا من وراء حجاب ، ونحن الذين نعرض عن كلماته واشراقه ، ولا نميز كلماته ، وربما خلطنا بين الهامه لنا والوساوس فلا نلتفت اليه .
اليس هذا من الظلم ونحن ندّعي الحب ؛ اوليس هذا وقاحة منا ؟ افلا يأسف المحبوب ان رأى ذلك ممن يدعو الحب ؛ افلا يعرض عن هؤلاء الذين لا يراعون آداب المحبة ؟
قال لي معلمي :
قبل سنوات وكنت حينها مستغرقا في تهجدي وكان الوقت منتصف الليل ، جلست تحت السماء الزاخرة بآلاف النجوم ، كنت قد اديت النوافل وفي قنوت صلاة الوتر انتبهت الى نفسي احدث الله سبحانه ، فسمعت بقلبي صوتا يقول لي : ادع لاصدقائك .. واطلب مني اغفر لك اعمال السيئة .. هلم الي وتب ..
وعندما فعلت ذلك ، وجدت ابواب الرحمة تنفتح بوجهي ، ليجعلني الله من المقربين .
والآن عليك الا تتصور ان الله تبارك وتعالى تحدث الي كما اتحدث اليك ؛ لاني عندما اتحدث اليك احتاج الى لسان وشفتين ، والى امواج الهواء ، والى اذن تلتقطها وهي اذنك .. اما المحبوب وهو الله تعالى فلا يحتاج ذلك ، وهو يُلقي كلماته في قلبي .
عليك ان تسعى فقط الى صقل قلبك ليتلقى الكلمات المقدسة (1) .
قال لي معلمي :
ومن ذلك اليوم وانا اعي اشياء في عالم الملكوت والنور المقدس لامام العصر ، يعلمني ما ساشرح لك بعضه .. وما عليك الا الاصغاء ، ففي ذلك ما يُعينك على بلوغ الكمال والوصول الى المقصود الحقيقي ..
فان ذكرت لك شيئا فاعلم انه من المعصوم الذي يدلني سواء السبيل .
|
|
(1) انظر كتاب ليالي مكة : 39 .
|
|
معرفة النفس
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
كم روضت نفسي كي اصبح انسانا كاملا ، وكنت في لهفة لمعرفة هل وصلت الى ذلك ام ما تزال النواقص في نفسي ؟
ذهبت الى احد الاولياء ، فلم يقبلني لما خطر من ذلك من الباطل في نفسي ، لكني عانيت ما عانيت حتى استقبلني .
قال لي : كيف ظننت نفسك انسانا كاملا ؟! وكيف يكون ذلك وانت لم تزل تجهل نفسك .. فلا تعرف من اين جئت ، والى اين جئت ، والى اين المسير ؟!
قلت : كيف لا اعرف من اين اتيت ؟ من بطن امي جئت الى الدنيا ، وها انا فيها ، ثم اموت وادفن في قبر !
قال : ان روحك وهي حقيقتك ، كانت في عالم الذر والارواح وها انت الآن في عالم الامتحان ، وبعدها ستذهب الى عالم البرزخ والقيامة .
قلت : لا افهم شيئا ، صحيح ما تقوله انا مركب ومطيّتي بدني ، وانني خلطت بين ذاتي وحيوانيتي .. اجل كل ما تقوله حق والآن ماذا افعل ؟
مسح على رأسي بحنان وقال : ان كنت على استعداد فهلم اصغ لما اقول .
قلت : انا حاضر اصغي لما تقول ، وان شاء الله سأعي حديثك .
قلت : في البدء عليك ان تعرف نفسك .. من انت ، وما انت ، وما هي علتك ، وما الذي يجب ان تفعله ؟
ثم قام من فوره ففرق بين روحي وجسدي وجعل كل طرف في مكان ، فكان بدني بلحمه وجلده وعظامه ودمه والروح النباتية التي تسري في عروقه .
وكنت ارى نفسي بعيدة منفصلة كمن يترّجل عن مركبه ، وكان بدني مجردا من كل شعور وحس فهو لا يسمع ولا يبصر ، اما روحي فكانت تدرك ما يجري حولها والآن ساصف لك روحي :
انا مخلوق من مخلوقات الله عز وجل ، جسم لطيف شفاف جدا ، ورقيق كارق ما يكون (1) ، ولي من النورانية كالمرآة ، فهي تعكس كل ما يقابلها من معاني وعلوم . علاوة على حفظها في الذاكرة . وانا من اخمص قدمي الى هامة رأسي بصير وسميع ، ذلك ان الله سبحانه خلق الارواح من دون ان تتعلق بالابدان ، وهذه الارواح ليست شيئا سوى قوة الادراك ، تدرك بها المعارف تتعلم كل شيء وتتلقى ؛ تماما كالمرآة تنعكس فيها صور الاشياء ، فيما الارواح تنعكس فيها صور العلوم والمعقولات ، كما انها مثل عدسة التصوير تختزن ما ادركته .
وروح كل انسان وكل فرد من افراد البشر ، خُلقت مستقلة عن غيرها ، وهي متساوية مع غيرها .
فلا يوجد ادنى امتياز في بدء الخلق ، فروح اسعد الناس اليوم كانت متساوية مع روح اشقى الناس .
وقد خُلقت ارواح بني آدم جميعا الى يوم القيامة ، قبل خلق بدن آدم بنحو الفي عام (2) ، فالتحقت هذه الارواح بمدرسة النور المقدس ، وكانت الملائكة خَدمة في هذه المدرسة ..
وتشكلت الصفوف المختلفة ، وانتظمت الدروس ، وكان اهم درس فيها هو معرفة الخالق والتوحيد . اضافة الى دروس اخرى في الاخلاق والصفات الانسانية واسرار العالم ، حيث الحقائق القرآنية شاملة لكل علوم الخليقة ، وكان المعلمون فيها قديرون ، فتخرجت ارواح البشر في مدة الالفي عام .
|
(1) الامام الصادق عليه السلام : «والروح جسم رقيق قد البس قالبا كثيفا» بحار الانوار 58 / 34 .
(2) الامام الصادق عليه السلام : «ان الله تبارك وتعالى خلق الارواح قبل الاجساد بالفي عام» بحار الانوار 26 / 320 ، الحديث 2 و 58 / 131 .
|
وفي تلك اللحظات لم اكن اعي حالتي وكيف انفصلت روحي عن جسدي ؟ هل استغرقت في النوم ؟ هل مت ؟ ام ان ما اراه هو مجرد خيال ؟
فجأة قام بحركة سريعة فاذا به يخرجني من الدنيا ، فلم اعد ارى بدني ، ونسيت كل ما يشدني الى هذا العالم الدنيوي ، وانفصلت عن جميع الاشياء ، غير ان عيني ما زالتا مغمضتين ؟
وفي تلك الاثناء وصلنا محلا ، شممت فيه عبيرا يأخذ بالالباب ، وكنت اتلمس اشياء فاكتشفها ، واعرف هويتها ، فاشعر بلذة الاكتشاف تنعشني .
قال لي : افتح عينيك !
وعندما فتحت عيني ، اذا انا في غمرة النور ، واذا انا امام عظمة الخالق ، حيث تتجلى صفات الله ، ولم تكن هناك من فروق بينه وبين الله ، الا في صفات الذات خاصة الازلية والاستقلال المطلق (1) .
ولولا استحالة تحديد الله في مكان وزمان ، لكان ذلك النور الذي ارى (2) .
قلت : من هذا وما هذا ؟
قال : هذه الروح والنور ، وقد خلق الله من هذه الروح المقدسة كل خير (3) فهو معدن الرحمة ، ونبع الفيض الالهي ، والسبب المتصل بين الله وخلقه (4) ، وارادة الله ومشيئته ، ومعلم البشرية ، والاسم الاعظم ، والعقل الكلي ، والهادي
|
(1) «لا فرق بينك وبينها الا انهم عبادك» مفاتيح الجنان ـ دعاء الرجبية : 240 .
(2) «والحمد لله الذي من علينا بحكام يقومون مقامه» مفايتح الجنان : 312 .
(3) عن جابر بن عبد الله ، قال : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اول شيء خلق الله تعالى ما هو ؟ فقال : «نور نبيك يا جابر ، خلقه الله ، ثم خلق منه كل خير» بحار الانوار 25 / 21 ، الحديث 37 .
(4) عن الامام الصادق عليه السلام : «نحن السبب بينكم وبين الله عز وجل» بحار الانوار 23 / 101 ، الحديث 5 .
وعن الامام الباقر عليه السلام : «فنحن اول خلق الله ، واول خلق عبدَ الله وسبّحه ، ونحن سبب خلق الخلق ، وسبب تسبيحهم وعبادتهم من الملائكة والآدميين» المصدر المتقدم 25 / 20 .
|
|