بين يدي الاستاذ 204

وروى ابو الفرج ، عن علي بن اسماعيل التميمي ، عن ابيه ، قال : كنت عند ابي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام : اذا استأذن آذنه للسيد فامره بايصاله ، واقعد حُرَمَه خلف ستر ، ودخل فسلم وجلس ، فاستنشده فانشد قوله :
امرر على جَدَثِ الحسيـ ـن فقل لاعظمه الزكية
يا اعظُما لازلت من وطفاء ساكبة رويّة
فاذا مررت بقبره فاطل به وقف المطيّة
وابك المطهّر للمطهّـ ـر والمطهّرة النقيّة
كبُكاء معولة اتت يوما لواحدها المنيّة

قال : فرأيت دموع جعفر بن محمد تتحدّر على خديه ، وارتفع الصراخ والبكاء من داره ، حتى امره بالامساك ، فامسك . قال : فحدثت ابي بذلك لما انصرفت ، فقال لي : ويلي على الكيساني الفاعل ابن الفاعل يقول :
فاذا مررت بقبره فاطِل به وَقفَ المَطيّة

فقلت : يا ابت ، وماذا يصنع ؟ قال : او لا ينحر ؟! او لا يقتل نفسه ؟! فثكلته امه (1) .
ويقول ابن المعتز في طبقات الشعراء (2) : حدثني محمد بن عبد الله ، قال : قال السدري راوية السيد : كان السيد اول زمانه كيسانيا ، يقول برجعة محمد بن الحنفية ، وانشدني في ذلك :
حتى متى والى متى ومتى المدى يا ابن الوصي وانت حي ترزق

والقصيدة مشهورة . وحدثني محمد بن عبد الله ، قال : قال السدري : ما زال السيد يقول بذلك حتى لقي الصادق عليه السلام بمكة ايام الحج ، فناظره والزمه الحجة ، فرجع عن ذلك ، فذلك قوله في تركه تلك المقالة ورجوعه عما كان عليه :
تجعفرت باسم الله والله اكبر وايقنت ان الله يعفو ويغفر
(1) الاغاني 7 / 260 .
(2) طبقات الشعراء : 33 .
بين يدي الاستاذ 205

ويثبت مهما شاء ربي بأمره ويمحو ويقضي في الامور ويقدر

وفي حديث موته مكرمة خالدة تذكر مدى الدهر ، وتقرأ في صحيفة التأريخ مع الابد . قال بشير بن عمار : حضرت وفاة السيد في الرميلة ببغداد ، فوجه رسولا الى صف الجزارين الكوفيين يُعلمهم بحاله ووفاته ، فغلط الرسول فذهب الى صف السموسين (كذا) فشتموه ولعنوه ، فعَلِم انه قد غلط ، فعاد الى الكوفيين يُعلِمهم بحاله ووفاته فوافاه سبعون كفنا .
قال : وحضرنا جميعا وانه ليتحسر تحسرا شديدا ، وان وجهه لاسود كالقار وما يتكلم ، الى ان افاق افاقة وفتح عينيه ، فنظر الناحية القبلة ـ جهة النجف الاشرف ـ ثم قال : يا امير المؤمنين ، أتفعل هذا بوليك ؟ قالها ثلاث مرات مرة بعد اخرى .
قال : فتجلى والله في جبينه عرق بياض ، فما زال يتسع ويلبس وجهه حتى صار كله كالبدر ، وتوفي فاخذنا في جهازه ودفناه في الجنينة ببغداد ، في خلافة الرشيد (1) .
وقال ابو سعيد محمد بن رشيد الهروي : ان السيد اسودّ وجهه عند الموت ، فقال : هكذا يُفعل باوليائكم يا امير المؤمنين ؟ قال : فابيض وجهه كانه القمر ليلة البدر ، فانشأ يقول :
احب الذي من مات من اهل ودّه تلقاه بالبشرى لدى الموت يضحك
ومن مات يهوى غيره من عدوه فليس له الا الى النار مسلك
ابا حسن افديك نفسي واسرتي ومالي وما اصبحت في الارض املك
ابا حسن اني بفضلك عارف واني بحبل من هواك لممسك
وانت وصي المصطفى وابن عمه فإنّا نعادي مبغضيك ونترك
ولاح لحاني في علي وحزبه فقلت : لحاك الله انك اعفك
مواليك ناج مؤمن بين الهدى وقاليك معروف الضلالة مشرك
(1) الاغاني 7 / 277 .
بين يدي الاستاذ 206


قال المرزباني في اخبار السيد (1) : ان السيد حج ايام هشام فلقي الكميت ، فسلم عليه ، وقال انت القائل :
ولا اقول اذا لم يعطيا فدكا بنت الرسول ولا ميراثه كفرا
الله يعلم ماذا يأتيان به يوم القيامة من عذر اذا حضرا

قال : نعم قلته تقية من بني امية ، وفي مضمون قولي شهاد عليهما انهما اخذا ما كان في يدها .
فقال السيد : لولا اقامة الحجة لوسعني السكوت ، لقد ضعفت يا هذا عن الحق . يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «فاطمة بضعة مني ، يريبني ما رابها ، وان الله يغضب لغضبها ، ويرضى لرضاها» فخالفت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهب لها فدكا بامر الله له ، وشهد لها امير المؤمنين والحسن والحسين وام ايمن ، بان رسول الله صلى الله عليه وسلم اقطع فاطمة فدكا ، فلم يحكما لها بذلك ، والله تعالى يقول : «يرثني ويرث من آل يعقوب» (2) . ويقول : «وورث سليمان داود» (3) .
وهم يجعلون سبب مصير الخلافة اليهم الصلاة وشهادة المرأة لابيها ؛ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «مروا فلانا بالصلاة بالناس» ، فصدقت المرأة لابيها ولا تصدق فاطمة وعلي والحسن والحسين وام ايمن في مثل فدك ، وتطالب مثل فاطمة بالبينة على ما ادعت لابيها ، وتقول انت مثل هذا القول !
رحم الله السيد الحميري ، واسكنه فسيح جناته التي وعد بها عباده المخلصين .
(1) اخبار السيد الحميري : 178 .
(2) مريم : الآية 6 .
(3) النمل : الآية 16 .
بين يدي الاستاذ 207



رفع الشك وايجاد اليقين

قال لي معلمي :
في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك ، ومن اجل تعزيز حالة اليقين في قلبي ، قرأت سورة القدر المباركة الف مرة (1) . فجأة اضاء لي لحظة معنى قول امير المؤمنين عليه السلام : «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» (2) .
وقد اشاعت هذه الحالة في نفسي انتشاء وطمأنينة ، وشعرت بلذة القرب الالهي بشكل لا يوصف .
وغمرتني حالة من الايمان بالله وولاية صاحب الزمان ، وبكل حقائق ومعارف يوم القيامة ، وبلغ ايماني درجة اليقين التام ، بحيث لو تظاهر علي مئات الفلاسفة وجاءوني بادلة محكمة في ظاهرها ما تزعزع ايماني قيد شعرة .
لقد اصبحت من الذين تحدث عنهم القرآن الكريم بقوله :
«لعلكم بلقاء ربكم توقنون» (3) .
«رب السماوات والارض وما بينهما ان كنتم موقنين» (4) .
«وكانوا بآياتنا يوقنون» (5) .
(1) مفاتيح الجنان : 235 .
(2) غرر الحكم 2 / 613 ، الحديث 1 .
(3) الرعد : الآية 2 .
(4) الدخان : الآية 7 .
(5) السجدة : الآية 24 .
بين يدي الاستاذ 207


«وبالآخرة هم يوقنون» (1) .
ليت هذه الحالة تدوم معي ..
ليتها لا تفارقني لحظة واحدة .
ولكن ماذا افعل وليلة القدر ، تنطوي معها تلك الحالة من الصفاء . في الصباح بكيت من اجل «ولي العصر» بكيت كثيرا ، فتلقى قلبي الهاما ان دواءك لاستعادة تلك الحالة يكمن في المداومة على قراءة سورة «الصافات» .
فرحت اقرأهذه السورة كل ليلة ، وكانت فوائدها وآثارها تطالعني باستمرار .
والآن اريدك ان تصغي لما اقول :
في الليلة الاولى ادركت ان من مقومات اليقين ان لا تخشى احدا الا الله .
عن ابي بصير ، عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام ، قال : «ليس شيء الا وله حد» .
قلت : جعلت فداك ، فما حد التوكل ؟
قال : «اليقين» .
قلت : فما حد اليقين ؟
قال : «ان لا تخاف مع الله شيئا» (2) .
وهذا الموضوع عقلي ومنطقي ، وانتهيت الى ان القرآن الكريم يقول : «فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين» (3) .
في الليلة الثانية لم يحصل شيء ، ولعل ذلك يعود الى ترددي على محافل مختلفة ، وتحدثي باشياء لا طائل من ورائها ، حيث الصمت والسكوت من شروط التكامل الروحي .
وعلى كل حال كان الليل في الهزيع الاخير ، عندما اضاء قلبي وعرفت من ضرورات اليقين ، ان لا ترضي الناس بسخط الله ، وان المؤمن الحق لا تأخذه
(1) البقرة : الآية 4 .
(2) بحار الانوار 67 / 142 ، الحديث 6 .
(3) آل عمران : 175 .
بين يدي الاستاذ 209

في الله لومة لائم .
يقول الامام الصادق عليه السلام : «من صحة يقين المرء المسلم ان لا يرضي الناس بسخط الله» (1) .
في الليلة الثالثة وفي شطرها الاول ، وبعد ان قرأت سورة الصافات ، ادركت ان العمل القليل مع اليقين افضل من العمل الكثير في غياب حالة اليقين .
كانت ليلة زاخرة بالفيض ؛ لان ما ادركته كان مهما في تكامل روحي ، وعندما ارشدت تلامذتي الى ذلك جاءت النتائج مبشرة بالخير .
اعرف شابا في مشهد ، وكان طالما يصلي الصبح قضاء ، ولم يكن مرتبا في اداء عباداته ، ذات ليلة شتائية ظل الشاب يحيي الليل في حرم الامام الرضا عليه السلام وفي تصوره انه سيجبر ما فاته خلال اسبوع .
قلت له : اتدري ماذا تشبه في حالك ؟
قال : لا .
قلت : انك تشبه حال من لا ياكل طعاما حتى اصابه المرض ، ثم اراد التعويض عن ذلك فراح يلتهم الطعام التهاما حتى مرض ايضا .
ان روح الانسانية كبدنه ، تريد غذاء في وجبات منظمة وفي وقت مناسب .
يقول الامام الصادق عليه السلام : «ان العمل الدائم القليل على اليقين افضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين» (2) .
ويقول امير المؤمنين علي عليه السلام : «قليل مدوم عليه خير من كثير مملول منه» (3) .
وادركت في تلك الليلة ان مراقبة النفس ومحاسبتها قد آتى ثماره ، لاني حصلت على حالة اليقين في مطلع الليل . والسير والسلوك يستوجبان استمرار المحاسبة .
الليلة الرابعة عندما قرأت سورة الصافات غمرتني حالة نورانية من اليقين ،
(1) بحار الانوار 67 / 143 ، الحديث 7 .
(2) المصدر المتقدم : 147 ، الحديث 8 .
(3) المصدر المتقدم : 147 .
بين يدي الاستاذ 210

واستمرت هذه الحالة حتى اليوم التالي ، وكانت تشيع في روحي وقلبي شفافية وصفاء ، وانكشفت حقيقة الرزق وانه مقسوم ، وان على المؤمن الا يحمل هما لرزقه ، لان الله سبحانه ضمن رزق عباده .
يقول الامام الصادق عليه السلام : «ولو ان احدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لادركه رزقه كما يدركه الموت» (1) .
الليلة الخامسة كانت ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك ، وقد اوشك هذا الشهر الكريم على الرحيل ، واذا لم اوفق في تثبيت يقيني في هذا الشهر فلن اوفق بعده الى ذلك .
لذا بذلت كل جهدي تلك الليلة وطلبت من الله بعد قراءة سورة الصافات ان يثبت يقيني ، ويكون حالي واحدا في الليل والنهار . ولاني قرأت في الليلة الفائتة دعاء اليوم السادس والعشرين فقد رحت اردد على مدى ساعات ذلك اليوم : «اللهم ارزقني التجافي عن دار الغرور ، والانابة الى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل حلول الفوت» (2) .
وقد اثر الدعاء في تضاعف يقيني في يوم القيامة ، الى حد اصبحت لا اخشى الموت ، ولا اخاف من العدو ؛ اذ وصلت الحالة التي وردت في زيارة امين الله : «اللهم فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك ، راضية بقضائك» .
وشعرت بان دعائي قد استجيب .
وعندها ادركت العلاقة بين ولي الله وامنية الموت ؛ قال الله عز وجل في سورة الجمعة : «قل يا ايها الذين هادوا ان زعمتم انكم اولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت ان كنتم صادقين» (3) .
وفي تلك الليلة المباركة ادركت ان اليقين يجعل من الانسان حبيبا يشتاق لقاء
(1) بحار الانوار 67 / 143 ، الحديث 7 .
(2) مفايتح الجنان : 236 .
(3) الجمعة : الآية 6 .
بين يدي الاستاذ 211

حبيبه والى روح وريحان وجنة ونعيم ، هي لقاء الله عز وجل ، وهو زمن الوصال ونهاية الفراق والشقاء والمعاناة والخلاص من السجن وانتهاء الامتحان .
فكيف لا يشتاق العاشق لقاء معشوقه ويتمنى لقاءه ؟!
ومنذ تلك الليلة اصبحت لا اهاب شيئا وتساوى ليلي ونهاري ، وكنت اواجه الاخطار بقلب ثابت ..
وربما تذكرت هذه الحالة التي ترددت في كتب الحديث والاخبار .
عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام ، قال : «كان قنبر غلام علي يحب عليا حبا شديدا ، فاذا خرج علي خرج على اثره بالسيف ، فرآه ذات ليلة فقال : يا قنبر ما لك ؟ فقال : جئت لامشي خلفك يا امير المؤمنين . قال : ويحك أمِن اهل السماء تحرسني ، او من اهل الارض ؟ فقال : لا بل من اهل الارض . فقال : ان اهل الارض لا يستطيعون لي شيئا الا باذن الله من السماء فارجع ، فرجع» (1) .
وعنه عليه السلام : «ليس شيء الا له حد» قال : قلت : جعلت فداك ، فما حد التوكل ؟ قال : «اليقين» قلت : فما حد اليقين ؟ قال : «ان لا تخاف مع الله شيئا» .
وقال : «ان محمد بن الحنفية كان رجلا رابط الجاش ، وكان الحجاج يلقاه فيقول له : لقد هممت ان اضرب الذي فيه عيناك ، فيقول : كلا ، ان لله كل يوم ثلاثمائة وستين لحظة فارجو ان يكفيك باحداهن» (2) .
قال لي معلمي :
طالما فكرت وانا في مطلع شبابي في معنى «عين اليقين» و«حق اليقين» ، ولماذا يعدهما الاساتذة اعلى مرتبة من «علم اليقين» ؟
وتحققت في بعض الكتب الحديث والقرآن المجيد واهل العلم في هذا الفن ، وحصلت على بعض المعلومات ، لكني سانقل لك رؤيا رأيتها وهي تخص هذا الموضوع .
(1) بحار الانوار 67 / 158 ، الحديث 15 .
(2) بحار الانوار 70 / 182 ـ باب اليقين والصبر على الشدائد في الدين .
بين يدي الاستاذ 212

رأيت رجلا عليه سيماء علماء اليهود جاءني ليردني بادلته من دين الاسلام الى اليهودية ، وكنت ـ ومع الاسف ـ لا املك ردا على ادلته ، غير اني من اليقين بحقانية الاسلام ما جعل سعيه في ذلك هباء ، وعندما صحوت انتابني احساس من ينجو من براثن حيوان كاسر .
في هذه اللحظات شعرت بمعنى حق اليقين في نفسي ، فعندما استيقظت من نومي كانت درجة اليقين في نفسي كحقيقة الشمس في رابعة النهار ، او كمن يحاول ان يقنعني بان الوقت ليل دامس ، فيما انا مغمور باشعة الشمس .
او كمن يؤمن بان الخيانة سيئة فيأتي آخر ليقول له انها امر حسن !
فاية حالة يعيش هذا الانسان ؟
هكذا كانت حالي في الرؤيا يعني ان ذلك اليهودي يحاول ان يملي علي خلاف اليقين والحق في نفسي .
فهل تجدي مئات الادلة الفلسفية والعلمية نفعا لاقناعك بان الظلم خير وعليك ان تقبل بذلك ؟
قطعا لا .
انا ايضا رفضت اليهودية ، ورفضت ان تكون افضل من ديني الحق دين الاسلام .
وعلى اية حال لقد ادركت من خلال الرؤيا معنى حق اليقين ، ولعلك ادركت انت ايضا ذلك من خلال الامثلة التي ذكرتها .
ولقد كان بعض الاصدقاء ينقل لي مشاهداتهم في الهند في عاشوراء ، وكيف يقوم الشيعة الهنود بالسير فوق الحجر والنار ، بل والتقطوا لهذه المشاهد المحيرة صورا تذكارية .
لكني وفي عام 1402 هـ كنت حاضر في «احمد آباد» الهندية ، ورأيت بعيني هذه الكرامات العجيبة ، وادركت الفرق بين مرحلتي علم اليقين وعين اليقين ؛ ولذا كنت اردد تلك الليلة الحق ان تقول رأيت لا ان تقول سمعت .
ولعلك فهمت بهذا المثال ايضا مراحل اليقين .. اشار القرآن الكريم الى ثلاث مراحل في ذلك ، فمرة نرى القرآن يقول :

بين يدي الاستاذ 213

«كلا لو تعلمون علم اليقين» (1) .
ومرة يقول عز من قائل : «ثم لترونها عين اليقين» (2) .
ثم تأتي المرحلة الثالثة في قوله تعالى : «ان هذا لهو حق اليقين» (3) .
وهذه هي مرحلة الكمال الروحي ، حيث يتدفق نبع الطمأنينة في القلب ، وتكون حركة الانسان الى المقصود حركة منتظمة صاعدة .
(1) التكاثر : الآية 5 .
(2) التكاثر : الآية 7 .
(3) الواقعة : الآية 95 .
بين يدي الاستاذ 214



خشية الله

قال لي معلمي :
اعرف شابا حباه الله باليقين التام ؛ ايمان كامل بالمبدأ والمعاد ، وخوف من الله وخشيته منه ، يقشعر بدنه وتسيل دموعه .. فاذا نهض للصلاة اضطرب واصفر لونه ، وصادف ان صلى ذات يوم الى جانبي ، فلما انفتل من صلاته سألته : مم تخاف ؟
قال : أتسالني وانت المعلم ؟! ولقد تعلمت منك وجوب الخوف من الله عز وجل !
قلت : اتخاف من عدل الله ؟! ام تخاف ان يجور عليك ؟
قال : لا من هذا ، ومن ذاك لان العدل لا خوف منه ، والله سبحانه منزه عن الظلم . ولكني احب الله ، واخشى ان يصدر عني عمل يطردني بسببه المحبوب .
قلت له : احسنت ، وبارك الله فيك ، وهذا هو خوف الاولياء ، وكلما عرف الانسان ربه اكثر وتضاعف حبه له اكثر ، فاكثر خوفه وتضاعفت خشيته .
وهذا اللون من الخوف هو خوف العاشق من معشوقه وخشية المحب من محبوبه .
وكان هذا الشاب قبل ان تصل حالته الى ما هي عليه يحبني حبا عظيما ، فكان يزورني يوميا ، ويظهر لي حبه لي ، وكان ذلك ما جعلني اتحدث اليه بما ذكرت آنفا .
ذات يوم وكانت صحتي ليست على ما يرام ، ولم اكن في وضع يساعدني على تحمل زيارته ، فرأيت الاضطراب قد بدأ عليه فسألته : لماذا انت مضطرب هكذا ؟!
قال : مذ رأيتك استقر حبك في قلبي ، والى جانب هذا الحب شعرت بخوف عجيب ينمو في نفسي كلما تضاعف حبي لك ، وخوفي الا يصدر مني عمل

بين يدي الاستاذ 215

يحملك على طردي او يتضاءل حبك لي او اسقط من عينك .. اقول هذا لاني رأيت فتورا في جوابك سلامي ، فتضاعف خوفي من احتمال طردك لي ، وهذا ما جعلني اضطرب .
قلت له : ليس الامر كما تتصور ، وان حبي لك كما هو ، ومنزلتك كما هي ، ولكني كما ترى لست على ما يرام صحيا .
وانك لتعرف ذلك فانت اهل المحبة .. الا تلاحظ ان المرء عندما يصادف صديقا طيبا فانه في المرحلة الاولى من علاقته يأخذ منه ميثاقا وعهدا على الا يخون ويغدر بالصداقة ، وان الحب الذي بينهما يستمر . فلو رأى المحبوب تقصيرا منه ما اخذ عليه شيئا او رأى قصورا ما عتب عليه ، بل ذكره بالعهد فلا يحدث ما يكدر بينهما .
وهذا ناشئ من الخوف الذي يستشعره المحب من محبوبه ، والعاشق من معشوقه ، ولوجود هذا اللون من الخوف يطيع الانسان محبوبه ، فيسير بسيرته ، ويستلهم صفاته واعماله ، ولذا كلما زادت معرفة الاولياء بالله اكثر تضاعف خوفهم منه عز وجل .. خوف من غفلتهم لحظة عن ذكره ، فهم وان كانوا يعتقدون ان محبوبهم رؤوف ورحمان رحيم ، فهم في نفس الوقت يعيشون حالة الخشية الا يصدر عنهم ما يستوجب غضب المحبوب ، فهم في سرهم يبكون وينوحون ويطلبون من الله العفو عن قصور منهم او تقصير يصدر عنهم ، فهم يطلبون العفو من الله لكسب رضاه ، وهم لا يطلبون غفران ذنوبهم للنجاة من النار ، بل خشية من غضب المحبوب الذي يعشقون .
ذات ليلة حلمت اني زرت محبوبا افديه بروحي ، وهو من الرأفة ما لم ار له نظيرا ، ولكني كنت اخشاه ، فكلما غمرني برحمته ولطفه ازدادت خشيتي منه .. كنت اخشى اعمالي وشيطاني ان يبعدني عنه .
وقد ورد في حكاية مجنون ليلي انه التقاها في منزل ، فجلس العاشق قرب معشوقه وكان يبكي فقيل له : أليست ليلي بقربك فلِمَ البكاء ؟!
قال : اخاف ان يأخذوها مني !

بين يدي الاستاذ 216


فكل عاشق ينعم بالوصل ويعرف قدر المحبوب ، يراوده شعور الخوف ان يفقد محبوبه !
فانت تحصل على شيء ثمين ثم يخامرك احساس وهو خوف فقدانه ، فتحافظ عليه ، وهذا مثال يقرب معنى خوف الاولياء من محبوبهم .
انا نفسي ذات يوم ، وقد كنت اتلو آيات من القرآن الكريم ، اذ احسست للحظات بالفناء ، وامتلات نفسي رهبة بسبب العظمة الالهية ، وغمرني احساس بالخوف ان افقد هذه الحالة ، وادركت معنى الآية : «لمن خاف مقامي وخاف وعيد» (1) ، «فان الجنة هي المأوى» (2) .
فخوف الاولياء هو خوف المحب ان يخسر محبوبه ؛ لانه لا محبوب لهم سواه ، وهو الحب الحقيقي وما عداه حب مجازي ، والاولياء لايبالون اذا خسروا الحب المجازي .
يقول الامام الصادق عليه السلام : «من عرف الله خاف الله ، ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا» (3) .
وقال عليه السلام لاحد اصحابه : «يا اسحاق ، خف الله كانك تراه ، وان كنت لا تراه فهو يراك ، وان كنت ترى انه لا يراك فقد كفرت ، وان كنت تعلم انه يراك ثم برزت له بالمعصية ، فقد جعلته من اهون الناظرين عليك» (4) .
وليكن في علمك ان الاولياء عندما يخافون من العذاب الالهي ويخشون السقوط في جهنم ، ليس لاهوال العذاب التي سيلقون ، بل من فراق المحبوب ، فهذا عندهم امر والم ، وخوفهم لا من السنة النار بل من مفارقة رحمة الرحمن .
يقول امير المؤمنين .. في دعائه :
«وهبني صبرت على حر نارك ، فكيف اصبر عن النظر الى كرامتك ؟ ام كيف اسكن
(1) ابراهيم : الآية 14 .
(2) النازعات : الآية 41 .
(3) بحار الانوار 67 / 356 ، الحديث 3 .
(4) بحار الانوار : 355 ، الحديث 2 .
بين يدي الاستاذ 217

في النار ورجائي عفوك ؟ فبعزتك يا سيدي ومولاي اقسم صادقا ، لئن تركتني ناطقا لاضجن اليك بين اهلها ضجيج الآملين ، ولاصرخن اليك صراخ المستصرخين ، ولابكين عليك بكاء الفاقدين ، ولانادينك اين كنت يا ولي المؤمنين ، يا غاية آمال العارفين ، يا غياث المستغيثين ، يا حبيب قلوب الصادقين» (1) .
اجل ان عليا عليه السلام يرى انه يمكن تحمل عذاب الجحيم ، ولكن من المستحيل تحمل فراق الرحمن الرحيم ، والم الفراق اصعب من الم العذاب .

تم الجزء الاول والحمد لله ، وما ورد فيه هو حول تزكية النفس والنجاة من امراض الروح رواية عن معلمي واستاذي .
وسيليه باذن الله قسم آخر يتعلق بالمعارف والحقائق ، وهي ايضا رواية عن المعلم ، واهميتها كبيرة في السير الى الحقيقة والسلوك الى الله عز وجل .
آمل ان يتزود منه السائرين الى الله .
(1) دعاء كميل .
بين يدي الاستاذ 218




السابق السابق الفهرس التالي التالي