|
|
وفي هذه اللحظة انتبهت من نومي ، وكنت ما ازال اشعر بالكلمات تبعث في اعماقي الروح .. روح الحب الالهي .
قال لي معلمي :
كان شاب ما انفك يتودد الي ويطلب ان يكون تلميذا عندي لتنمو روحه ، قال لي يوما : لست لطيفا بي ولا ادري لماذا ؟ فانت لا تعلمني شيئا يساعدني في كبح شرور الهوى .. الا تعلمني ذكرا او دعاء او وردا استطيع به ترويض نفسي فلا تجرني الى المعاصي .
قلت له : انت لا تعرف حتى الآن حقيقة نفسك ، ولا تعرف مدى قوتها ، فكيف تريد صراعها ؟
ان من لا يعرف مدى قوة عدوه كيف يستطيع منازلته ؟
النفس قوة كبيرة تستطيع جر الانسان الى الخطيئة .. النفس عفريت لا ينام . حتى الانبياء مع ما هم فيه من قدرة روحية يخشون نفوسهم ، ويستغيثون بالله من شرورها (1) .
ويقول امير المؤمنين علي عليه السلام : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية ، فلما رجعوا قال : «مرحبا بقوم قضوا الجهاد الاصغر وبقي عليهم الجهاد الاكبر» ، قيل : يا رسول الله ، وما الجهاد الاكبر ؟ قال : جهاد النفس ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : «افضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه» (2) .
وعلى هذا فان اردت جهاد نفسك فعليك ان تستعد باكثر من هذا ، ولقد كان لي صديق سافر الى الهند وذهب الى المرتاضين هناك ، والتقى معلما لبعضهم فسأله :
|
(1) يقول امير المؤمنين عليه السلام : «ان نفسك لخدوع ان تثق بها يقتدك الشيطان الى ارتكاب المحارم . ان النفس لامارة بالسوء والفحشاء فمن ائتمنها خاتنه ، ومن استأمن اليها اهلكته ، ومن رضي عنها وردته شر الموارد . وان المؤمن لا يمسي ولا يصبح الا ونفسه ظنون عنده ، فلا يزال زاريا عليها ومستزيدا اليها» جامع احاديث الشيعة 13 / 246 ، الحديث 12 .
(2) بحار الانوار 67 / 65 ، الحديث 7 .
|
كيف يبدأ تلامذتك رياضتهم ، وما هي تعليماتك لهم ؟ قال : اننا نختبر التلميذ في الاشياء التي يحبها اكثر ، والاشياء التي ينفر منها اكثر .. وعندما يتضح لدينا ذلك تأتي التعليمات بضد ذلك .. انظر الى هذا مثلا ـ واشار الى تلميذ بيده معلقة كبيرة يلوط بها قِدرا مليئا بالعذرة ـ انه حساس جدا يكاد يتقيأ اذا وقعت عينه على لعاب انسان .. لا يتناول طعامه الا بالشوكة والسكين ، وهنا انت ترى كيف يعمل وفق هذه التعليمات لكي يتمرن على تحكمه بنفسه لا العكس !!
وهذا الآخر متكبر ومغرور بثروته ، جاءنا وعرض علينا مالا كبيرا مقابل تعليمه وردا يستطيع ان يكبح اهواءه ، قلنا له : المال لا يصنع لك شيئا اذا اردت ان تقهر نفسك ، فعليك ان تجلس في باب شركتك وتسأل الناس ان يتصدقوا ، عليك ان تتسول من اجل تمريغ غرورك الفارغ بالتراب ..
لهذا قلت للشاب .. هكذا يفعل المرتاضون الهنود ، وكل هذا من اجل تقوية ارواحهم ، وهم يفعلون في طريق غير مشروع .. فان اردت النجاح في جهاد نفسك في طريق مشروع فما عليك الا ان تقاوم رغبات نفسك واهواءها .
وتعاليم الاسلام ليست اعقد مما يفعلون ، سواء كانت في اتجاه ايجابي ، يعني اداء الواجبات والمستحبات ، او الاتجاه السلبي وهو ترك المحرمات والمكروهات .
كما ان هذه التعاليم الاسلامية مفيدة ، وتقرب الانسان من الله زلفى ، وتوفقه ليكون من شيعة اهل البيت عليهم السلام حقا ، ومن انصارهم في الدنيا ، واحبابهم في الآخرة ، وتزيل عن قلب الانسان الحجب الظلمانية ، وتضع خطاه في الصراط المستقيم وتوصله الى المقصود .
وقرر الشاب ان يبدأ جهاده الاكبر ، بشهامة الشباب المؤمن وقال : ساقوم بكل ما من شأنه ان يكبح هوى النفس ، حتى لو اضطرني ذلك القيام بما يقوم به الهنود ..
قلت له : ان اردت ان تغلب هواك فكن شديدا على نفسك ؛ لان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يقول : «لا يكون العبد مؤمنا حتى يحاسب نفسه اشد من محاسبة
الشريك شريكه والسيد عبده» (1) .
ويقول امير المؤمنين علي عليه السلام : «غالب الهوى مغالبة الخصم خصمه ، وحاربه محاربة العدو عدوه لعلك تملكه» (2) .
قال لي معلمي :
كنت ليلة مستغرقا في صلاة الليل .. لا ادري اذا كنت في صلاة الوتر او نهضت لاقامتها .. شعرت بان ريحا تهب خارج البيت ، وكانت شدتها تزداد وتزداد حتى استحالت الى عاصفة ...
اقتربت من النافذة فاذا الاشجار القديمة تكاد تجتث من مكانها .. (بقية الحكاية لا ادري اذا كانت في عالم الرؤيا ام كانت حالة من المكاشفة) .
ثلاثة اشخاص واقفون وسط العاصفة ، وكان احدهم قويا فارع الطول ، والثاني متوسط ، ولكن الثالث كان من الضعف والهزال بحيث كان يميد والعاصفة تكاد تقذف به بعيدا ، ولكن الرجل القوي الفارع امسك به وانقذه .
وفي الاثناء رأيت شخصا واقفا حذاء النافذة يقول لي :
| اذهب وكن قويا ان اردت المجد |
   |
فعالم الطبيعية يسحق الضعفاء |
وتمكن ذلك الرجل الفارع من النجاة بنفسه ، وانقاذ الرجل الضعيف ، وما اشقى الذي لا يستطيع انقاذ نفسه ولا مد يد العون لآخر ؛ وعلى الاقل ان يصبح المرء كالرجل الثالث الذي استطاع انقاذ نفسه فلا يقذفه الطوفان بعيدا او يُضرب عرض الجدار .
وفي هذه اللحظة انتبهت الى نفسي وعدت الى سجادتي وكنت ما ازال تحت تأثير المشهد العاصف ، حتى اني لا ادري هل صليت الوتر ام لا ؟
وحتى استفيد من هذه المكاشفة باقصى ما يمكن ، جلست في سجادتي واستغرقت في التأمل والتفكر .
|
(1) بحار الانوار 67 / 72 ، الحديث 22 .
(2) جامع احاديث الشيعة 13 / 249 ، ذيل الحديث 28 .
|
تذكرت قبل سنوات ثلاثة من تلامذتي سافروا الى اوربا للدراسة وكانوا جميعا مهندسين ارسلوا الي ثلاث رسائل متشابهة في مضمونها في غضون سنة ، وفيها شرح عن حياتهم في اوربا وناسها ، واحتمالات الجدل مع اهل الاديان والمذاهب هناك ، وفي جوابي كتبت لهم ثلاث رسائل مختلفة ..
فمثلا كتبت لاحدهم ، وكان البُعد الروحي في شخصيته قويا ما يلي :
بسمه تعالى
تستطيع ان تقذف نفسك في قلب العاصفة في خضم العقائد المختلفة ، وتستطيع ان تجادل اصحاب المذاهب وتدعوهم الى الاسلام ، وهذا من اعظم واجباتك ، ذلك ان سيرك الى الله قد تم ، وقد آن لك ان تبدا السفر الثاني وهو من الحق الى الخلق (1) .
ثم ذكرت له روايات تتحدث عن اهمية التبليغ من اجل الاسلام (وهي موجودة مفصلة في كتابي «الاتحاد والحب») .
وقد نفذ مهمته على اكمل وجه ، وتمكن من دعوة المئات الى ديننا الاسلامي الحنيف .
وكتبت للآخر وهو في الحالة الروحية اقل من الاول ما يلي :
بسمه تعالى
لا ينبغي لك الجدل مع اصحاب المذاهب والاديان ،وواجبك الوحيد ان تحافظ على نفسك وتصونها من الوقوع في مهاوي الانحراف ، والسير في طريق التكامل الروحي . انت والحمد لله في قوة من الروح ، ولن يستطع احد زعزعة ايمانك .
وذكرت له روايات وآيات تنهى عن خوض الجدل مع الكفار والمشركين ، والحمد لله استجاب لما امرته ، فظل يقاوم ما حوله من تيارات الانحراف والتشكيك .
|
|
(1) للتفصيل راجع نظرية الاسفار الاربعة للفيلسوف الايراني ملا صدرا . كتاب الامام الخميني ثورة العشق الالهي . (المترجم)
|
اما الثالث وكان ضعيفا روحيا ، فينطبق عليه ما جاء في الاحاديث في تصنيف الناس .. «وهمج رعاع اتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح» (1) .
وقول الامام الصادق عليه السلام : «الناس على ثلاثة : عالم ، ومتعلم ، وغثاء ؛ فنحن العلماء ، وشيعتنا المتعلمون ، وسائر الناس غثاء» (2) .
ولذا كتبت اليه ما يلي :
بسمه تعالى
اعتزل الناس ما دامت روحك ضعيفة ، ولا تتقحم هنا وهناك حتى تطوي سيرك الى الله .
يقول امير المؤمنين علي عليه السلام : «ايها الناس ، طوبى لمن لزم بيته ، واكل كسرته ، وبكى على خطيئته ، وكان من نفسه في تعب ، والناس منه في راحة» (3) .
ويقول عليه السلام ايضا : «قال عيسى بن مريم : طوبى لمن كان صمته فكرا ، ونظره عبرا ، وسعه بيته ، وبكى على خطيئته ، وسلم الناس من يده ولسانه» (4) .
ويقول ايضا : «يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة اجزاء ، تسعة منها في اعتزال الناس ، وواحدة في الصمت» (5) .
وهكذا كتبت له من الآيات والروايات ما يحثه على اعتزال الناس ، وقد عمل بها والحمد لله ، فقد حفظه الله من الانحراف .
وهنا ينبغي التذكير بنقطتين هامتين :
الاولى : ربما يكون الانسان ضعيفا روحيا ، فالمطلوب هنا حفظه من الاخطار باعتزاله الناس .
|
(1) نهج البلاغة : الحكمة 147 .
(2) الخصال للصدوق ـ باب الثلاثة .
(3) بحار الانوار 67 / 109 ، الحديث 4 .
(4) بحار الانوار 67 / 109 ، الحديث 6 .
(5) بحار الانوار 67 / 109 ، الحديث 7 .
|
وربما كان ضعيفا وهو يريد السير في طريق الكمال ، فاذا خالط الناس عجز عن السير في هذه الطريق فهو يعتزل الناس .
وفي الحالة الثانية : فان وجود الاستاذ والمربي ضروري للتلميذ ، حيث المراقبة الكاملة الجادة ، فلا يدعه يختلط بالناس ليكون قلبه متوجها لله وحده ، وشيئا فشيئا يأنس بالله .
يقول الامام الصادق عليه السلام : «ان الله عز وجل اوحى الى نبي من انبياء بني اسرائيل ان احببت ان تلقاني غدا في حظيرة القدس فكن في الدنيا وحيدا غريبا مهموما محزونا مستوحشا من الناس ، بمنزلة الطير الواحد الذي يطير في ارض القفار ويأكل من رؤوس الاشجار ، ويشرب من ماء العيون ، فاذا كان الليل آوى وحده ولم يأو مع الطيور ، استأنس بربه ، واستوحش من الطيور» (1) .
ويقول الامام ابو محمد عليه السلام : «من آنس بالله استوحش من الناس» (2) .
هذه الروايات تخص حال الذين هم في بدء الانس بالله تعالى ، والا فان من استأنس بالله لا يهمه ولا يتأثر باختلاطه مع الناس ، وقد قال تعالى : «رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله » (3) .
فمثل هؤلاء مع الله دائما ، سواء كانوا بين الناس او كانوا وحيدين ؛ لان اتصالهم الدائم والوثيق بالله سبحانه يجعلهم في حالة مناجاة دائمة ومستمرة ، فيجدون من لذة الانس ما لا يمكن وصفه ، ومن الطمأنينة ما لا تستطيع مؤثرات الدنيا ان تلهيهم عما هم فيه .
يقول الامام الصادق عليه السلام : «ما من مؤمن الا وقد جعل الله له ايمانه انفسا يسكن اليه حتى لو كان على قلة جبل لم يستوحش» (4) .
|
(1) بحار الانوار 67 / 108 ، الحديث 1 .
(2) المصدر المتقدم : 110 ، الحديث 11 .
(3) النور : الآية 37 .
(4) بحار الانوار 67 / 111 ، الحديث 14 .
|
ومن هنا اذا بلغ الانسان مرحلة القرب الالهي فلا ضرر عليه من الاختلاط بالناس ، بل انه سيدعوهم الى الله وطريق الهداية ، اما اذا لم يبلغ بعد مرحلة الانس التام فالعزلة له افضل لانها تصقل روحه .
الثانية : ربما يكون الشخص وبعض من صفاته الروحية قوية وبعض آخر ضعيف جدا ولا يستطيع ضبط نفسه ، فانه قد يصل مرحلة الكمال الروحي بصفاته القوية ، فاذا تعذر عليه ذلك في الدنيا ، فانه يبلغ الكمال في عالم البرزخ وستتلاشى نواقصه الجزئية .
غير انه من الافضل ان يتكامل المرء في الدنيا ولا يتحمل ضغوط عالم البرزخ ، والتكامل في الدنيا لا يتم الا برفع الحجب الروحية .
ان نسيت لا انس يوما كنت فيه جالسا في المسجد الحرام واتأمل في الناس وهم يطوفون حول الكعبة الشريفة ، فوقعت عيني على رجل متمثل لي من خلال سيرته نصفا حيوانا كاسرا وآخر انسانا .
وتوضيح ذلك انه من جهة من اهل الفناء فهو ينصب العداوة لآل البيت عليهم السلام فتمثل لي ذلك جانبه الحيواني ، حتى تعجبت كيف سمحوا له بدخول المسجد الحرام ، لكنه من جهة اخرى تمثل انسانا لان فيه صفات طيبة اخرى من قبيل السخاء والرأفة ، فلما اتصلت به عرفت انه لا يضمر المحبة والمودة لاهل البيت ولكنه في نفس الوقت انسان فيه صفات حسنة كالسخاء والكرم والطيبة ، ومثل هكذا انسان ناقص روحيا عسير عليه ان يتكامل في عالم البرزخ ؛ لان اسوأ الصفات الروحية ، ما يتعلق بالعقائد المعوجة ؛ اما الانسان الذي عقيدته صحيحة وفيه من صفات النقص فسيكون نصيبه التكامل في عالم البرزخ .
السيد الحميري شاهد على ذلك :
ابو هاشم اسماعيل بن محمد الحميري الملقب بـ«سيد الشعراء» ، ولد في عمان (1) سنة 105هـ ، ونشأ في مدينة البصرة في اسرة اباضية ، حتى اذ بلغ عقل
|
|
(1) لسان الميزان 1 / 348 .
|
وشعر ، هجر اسرته ثم غادر البصرة الى الكوفة ، واخذ فيها الحديث عن الاعمش وعاش مترددا بين البصرة والكوفة .
توفي في بغداد في خلافة هارون الرشيد سنة 173هـ ، واعظم ما في حياته هو موقفه الشجاع في انتخاب مذهب اهل البيت عليهم السلام في زمن رديء ، وقد فجر حماسه للمذهب الامامي ومظلومية اهل البيت شاعرية فذة جعلته في طليعة شعراء عصره .
جاء في الاغاني عن فضيل بن الرسان قال : دخلت على جعفر بن محمد الصادق عليه السلام اعزيه عن عمه زيد (الشهيد) ، ثم قلت : الا انشدك شعرا ؟
فقال : «انشد» ، فانشدته قصيدة يقول فيها :
| فالناس يوم البعث راياتهم |
  |
خمس فمنها هالك اربع |
| قائد العجل وفرعونهم |
  |
وسامري الامة المفظع |
| ومارق من دينه مخرج |
  |
اسود عبد لكع اوكع |
| وراية قائدها وجهه |
  |
كأنه الشمس اذا تطلع |
فسمعت نحيبا من وراء الستور ، فقال : من قائل هذا الشعر ؟
فقلت السيد .
فقال : «رحمه الله» .
فقلت : جعلت فداك ، اني رأيته يشرب الخمر !
فقال : «رحمه الله فما ذنب على الله ان يغفره لآل علي ، ان محب علي لا تزل له قدم الا تثبت له اخرى» (1) .
وفي مناسبة اخرى سمع الامام يقول عنه : «شكرا لك يا اسماعيل قولك» .. «يلحق مثله التوبة ، ولا يكبر على الله ان يغفر الذنوب لمحبنا ومادحنا» (2) .
وروي ابو الفرج في الاغاني ايضا : عن زيد بن موسى بن جعفر عليه السلام انه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم ، وقدّامه رجل جالس عليه ثياب بيض ، فنظرت اليه
|
(1) الاغاني 7 / 272 .
(2) اخبار السيد الحميري : 159 .
|
فلم اعرفه ، اذ التفت اليه رسول الله فقال : يا سيد انشدني قولك :
| لام عمرو باللوى مربع |
  |
طامسة اعلامها بلقع |
فانشده اياها كلها ما غادر منها بيتا واحدا ، فحفظتها عنه كلها في النوم .
قال ابو اسماعيل وكان زيد بن موسى لحانة رديء الانشاد ، فكان اذا انشد هذه القصيدة لم يتتعتع فيها ولم يلحن (1) .
والقصيدة كما يلي :
| لام عمرو باللوى مَربَعُ |
   |
طامسة اعلامها بلقع |
| تروع عنها الطير وحشية |
   |
والوحش من خيفته تفزع |
| رقش يخاف الموت من نفثها |
   |
والسم في انيابها منقع |
| برسم دار ما بها مؤنس |
   |
الا صلال في الثرى وُقَّعُ |
| لما وقفتُ العيس في رسمها |
   |
والعين من عرفانه تدمع |
| ذكرت من قد كنت الهو به |
   |
فبت والقلب شج موجع |
| كأن بالنار لِما شَفّني |
   |
من حب اروى كبدي تُلذع |
| عجبت من قوم اتوا احمدا |
   |
بخطة ليس لها موضع |
| قالوا له لو شئت اعلمتنا |
   |
الى من الغاية والمفزع |
| اذا توفيت وفارقتنا |
   |
وفيهم في المُلك من يطمع |
| فقال لو اعلمتكم مفزعا |
   |
كنتم عسيتم فيه ان تصنعوا |
| صنيع اهل العِجل اذ فارقوا |
   |
هارون فالترك له اوسع |
| وفي الذي قال بيان لمن |
   |
كان اذا يعقل او يسمع |
| ثم اتته بعد ذا عزمة |
   |
من ربه ليس لها مدفع |
| بلغ والا لم تكن مبلغا |
   |
والله منهم عاصم يمنع |
| فعندها قام النبي الذي |
   |
كان بما يؤمر به يصدع |
| يخطب مأمورا وفي كفه |
   |
كف علي ظاهر تلمع |
| رافعها اكرم بكف الذي |
  |
يرفع والكف التي ترفع |
| يقول والاملاك من حوله |
   |
والله فيهم شاهد يسمع |
| من كنت مولاه فهذا له |
   |
مولىً فلم يرضَوا ولم يقنعوا |
| فاتهموه وحَنَت فيهم |
   |
على خلاف الصادق الاضلع |
| وضل قوم غاظهم فعلُهُ |
   |
كأنما آنافهم تُجدع |
| حتى اذا وارَوهُ في لَحدِه |
   |
وانصرفوا عن دفنه ضيّعوا |
| ما قال بالامس واوصى به |
   |
واشتروا الضر بما ينفع |
وروى ابو الفرج في الاغاني ايضا : ان ابوي السيد كانا اباضيَّين (فرقة من الخوارج) ، وكان منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضبّة ، وكان السيد يقول : طالما سب امير المؤمنين علي عليه السلام في هذه الغرفة ، فاذا سئل عن التشيع من اين وقع له ؟ قال : غاصت علي الرحمة غوصا .
وروي عن السيد ان ابويه لما علما بمذهبه همّا بقتله ، فاتى عقبة بن سلّم الهنائي فاخبره بذلك ، فاجاره وبوّاه منزلا وهبه له ، فكان فيه حتى ماتا فورثهما .
وروي المرزباني (1) ، عن حروان الحفار ، عن ابيه ، وكان اصدق الناس ، انه قال : شكا الي السيد ان امه توقظه بالليل وتقول : اني اخاف ان تموت على مذهبك فتدخل النار ؛ فقد لهجت بعلي وولده فلا دنيا وآخرة . ولقد نغّصت علي مطعمي ومشربي ، وقد تركت الدخول اليها وقلت انشد قصيدة لها :
| ال اهل بيت ما لمن كان مؤمنا |
   |
من الناس عنهم في الولاية مذهب |
| وكم من شفيق لامني في هواهم |
  |
وعاذلة حبت بليل تؤنب |
| تقول لوم تقصد وتعتب ضلة |
   |
وآفة اخلاق النساء التعتب |
| فقلت دعيني لن اصبّر مدحة |
  |
لغيرهم ما حج لله اركب |
| اتنهيني عن حب آل محمد |
  |
وحبهم مما به اتقرب |
| وحبهم مثل الصلاة وانه |
  |
على الناس من بعد الصلاة لاوجب |
|
|
(1) اخبار السيد الحميري : 154 .
|
|
|