|
|
|
الانتقام
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
اعرف سياسيا عانى ما عانى في حياته السياسية من سجن وتعذيب ، وامضى سنوات طويلة من عمره في رحلة من العذاب ، ثم دار الزمن فاذا به يمسك بزمام القوة والنفوذ والسلطان ، وسلطه الله على اعدائه .. قال لي يوما : الآن وقد مكنني الله كيف انتقم من اعدائي ؟
قلت له : انت مسلم ويجب عليك ان تتأسى بقائد الاسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فانظر ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم باعدائه عندما انتصر عليهم ومكنه الله منهم ، وافعل مثله !
ان الله لا يحب الذين ينطوون على احقادهم ، ويضمرون الانتقام لاعدائهم ؛ لان الله يعفو عن المذنبين ويحب الذين من شيمتهم العفو .
قال : الا تحدثني قليلا عن نبينا عليه الصلاة والسلام فيما يخص هذا الموضوع على الاقل !
قلت : انت تعرف ان ابا سفيان كان من الد اعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما كان فتح مكة ، كان اللقاء بينهما ، فماذا كان موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه .. لنترك التأريخ يحدثنا عن ذلك ..
اخذه العباس الى النبي صلى الله عليه وسلم ، وعندما وقع نظر النبي صلى الله عليه وسلم عليه قال ـ دون ان يذكر شيئا عما فعله ابو سفيان من جرائم .. ، بل ولم يطرده ـ : «اما آن لك يا ابا سفيان ان تؤمن انه لا اله الا الله ؟» .
قال ابو سفيان : لو كان مع الله اله آخر لاغاثنا في بدر .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «اما آن لك ان تؤمن اني رسول الله ؟» .
قال ابو سفيان : بأبي انت وامي ، ما زال في نفسي شيء من هذا .
ولم يؤمن ابو سفيان الا ظاهرا فقد انتهره العباس قائلا : ويلك اشهد والا ضربت عنقك .
واراد النبي صلى الله عليه وسلم ان يريه قوة الاسلام ، فأمر العباس ان ياخذه الى المرتفعات ليرى بنفسه جيوش الاسلام وكتائب جنوده ..
وتقدمت كتائب الاسلام وابو سفيان ينظر ، ويسال عن كل كتيبة حتى جاءت الكتيبة الخضراء ، فقال ابو سفيان : من هؤلاء ؟
فقال العباس :
ـ هذا رسول الله في المهاجرين والانصار .
وشعر ابو سفيان بالذل فقال :
ـ ما لاحد بهؤلاء طاقة !
ثم قال بحقد وضيق :
ـ لقد اصبح ملك ابن اخيك اليوم عظيما ؟
فالتفت العباس اليه وقال : انها النبوة يا ابا سفيان .
فرد ابو سفيان مهزوما .
ـ نعم .
وقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم :
ـ يا رسول الله ، ان ابا سفيان رجل يحب الفخر في قومه .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
ـ «من دخل دار ابي سفيان فهو آمن» .
«ومن دخل المسجد فهو آمن».
«ومن اغلق عليه بابه فهو آمن» .
وعندما اقتربت جيوش الاسلام من مكة كان سعد بن عباده هو حامل الراية ، وكان يطلق صيحات الانتقام هاتفا :
ـ اليوم يوم الملحمة ، اليوم تسبى الحرمة .
واستغاث ابو سفيان بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم باخذ الراية من سعد وسلمها الى ابن عمه علي بن ابي طالب عليه السلام ، وانطلق علي عليه السلام يهتف : «اليوم يوم الرحمة» ..
ودخل المسلمون وهم يرددون كلمات النبي صلى الله عليه وسلم : لا اله الا الله وحده وحده .. انجز وعده .. ونصر عبده .. وهزم الاحزاب وحده (1) .
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفكر بالانتقام الشخصي ، وانما كان يفكر في اهداف الاسلام العليا .. ولهذا لم يدع على قومه .. كان يحب الناس جميعا ، ويحب لهم الهداية والنور والحياة الطيبة ، وكان يعاني في ذلك الكثير ، حتى خاطبه الله سبحانه قائلا : «طه * ما انزلنا عليك القرآن لتشقى» (2) .
واسلم اهل مكة ، وكان من بين الذين جاءوا ليعلنوا اسلامهم «عبد الله بن ابي امية» ، وهو اخ ام المؤمنين ام سلمة ، فقد رفض النبي صلى الله عليه وسلم اسلامه ، فذهب عبد الله الى اخته ام سلمة وحدثها بما جرى ، فانطلقت هي الى النبي صلى الله عليه وسلم تحاوره في ذلك ، فقال لها النبي : «لقد كذبني بما لم يكذبني به احد» ، فقالت : أليس قلت : الاسلام يجبّ ما قبله ؟
قال : بلى . قالت : فاقبل اسلامه . فقبل اسلامه وعفا عنه (3) .
فاعف يا صديقي عن اعدائك وسامحهم .
اعف عنهم حتى ينتبهوا الى خطاياهم .
اعف عنهم لتكسب صفة من صفات الله عز وجل .
اعف عنهم عفا الله عنك .. وارحم من في الارض يرحمك من في السماء .
وعفا صديقي عن جميع اعدائه واصبح تسعون بالمئة منهم اصدقاء له ومحبين يفدونه بارواحهم .
اما ما تبقى منهم فلم يكن لهم من الشأن ما يستطيعون به الحاق اقل ضرر به .
|
(1) تاريخ الطبري : حوادث سنة 8 هـ .
(2) طه ، الآية 1 و 2 .
(3) بحار الانوار 21 / 114 ، الحديث 8 .
|
|
الصبر
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
عندما كنت في مدينة النجف الاشرف كنت دائم التردد على مرقد الامام علي عليه السلام ، وزيارة مرقد سيد الشهداء في كربلاء ..
وما اكثر الاوقات الطيبة التي امضيتها في هذين الحرمين الشريفين .
وكنت في تلك الايام ارى شابا ، يتردد على الزيارة . مرة اراه في النجف ، واخرى في كربلاء ، وما رأيته الا باكيا حتى كنت اخشى عليه ، وعجيب ان يبكي شاب في السادسة عشرة من عمره ، تبدو عليه سيماء العبادة ... دائم الذكر لله سبحانه ، مستغرق في الصلاة والدعاء ، رأيته يوما في حرم امير المؤمنين علي عليه السلام جالسا في زاوية ويبكي ، حتى اوشك على الاغماء ، فبادرت اليه ووضعت رأسه في حجري ومسحت دموعه ، حتى اذا افاق من غشيته قال : سامحني يا سيدي ..
قلت له : لماذا اراك مضطربا ؟ ولم كل هذا البكاء ؟ ما الذي تريده من الله لم يمنحك اياه وانا اسمعك تعاتبه ؟!
قال : قرأت مرة دعاء الفرج .. فجأة تفجر نبع حب في قلبي لـ «بقية الله» روحي فداه وبدأت معاناتي من تلك اللحظة .
قلت : فما تريد الآن ؟
قال : ان اكون مع ولي العصر في كل وقت .
قلت : اذا سمعت كلامي وتصبرت قليلا وابعدت عن نفسك الاضطراب فسارشدك الى من يوصلك الى مرادك .
لقد قلت له هذا مع انه لا يتيسر ذلك لمن كان في سنه ، ثم ان ملازمة ولي العصر
لا تتيسر له ولا لغيره ، لكني اخذت بين الاعتبار شبابه ، فاردت ان ابين له كيف يصبر ، وكيف يدرك ان روح ولي العصر في كل مكان ، وانه يستطيع الاتصال به متى شاء .
تحدثت اليه ذلك اليوم كثي يصغي ويدرك اهمية الصبر ، وانه من صبر ظفر ، وان الصبر رمز الموفقية والنجاح .
وقد اثنى الله عز وجل على الصابرين والذين تحملوا المشاق وقاوموا ، وعدّهم من المؤمنين الحقيقيين .
ومن لم يصبر ويتحمل لن يستطيع ان يطوي مراحل التكامل وتزكية الروح .
فاصبر يا بني ، وتحمل ، ولا تفعل شيئا يعقبه سخط الهي ، وارض بما منحك الله من نعمة الحب ، حب «بقية الله» روحي فداه ، واقرأ يا بني سورة العصر المباركة كثيرا .. يمنحك الله الطمأنينة والسكينة .
|
اللجاجة والانكار
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
اعرف رجلا خبيثا في زمن الطاغوت وكان من اعوان الظلمة .. وكثيرا ما كان يظلم الناس ويؤذيهم ، ونسب الى الابرياء ما ليس فيهم ولا من شأنهم .. ظلمني مرة وآذاني فسألته وقد وجدته هادئا بعض الشيء : هل صادف واحترق قلبك من اجل مظلوم ؟
قال : في البداية كنت اتألم لحال بعض المظلومين .. فمثلا جاءوا بامرأة حكم عليها بالسجن ، وكانت لها ابنتان احداهما في الثانية عشرة ، والاخرى ما تزال رضيعا .. ذات يوم جاءوا بالرضيع وطلبوا زيارة السجينة ؛ ولان اللقاء من خلف الحاجز الزجاجي وما ان وقعت عينا البنت على امها حتى اضحى حالها كحال سمكة رميت خارج الماء ، فهي تطلب ثدي امها وتصرخ حتى ترضعها .
الام اخرجت ثديها والصقته بالزجاج ، والطفلة المسكينة وضعت فمها على الجانب الآخر من الزجاج .. فاحترق قلبي على البنت ، وسمحت بلقاء البنت مع امها في مكتبي حتى يمكن للام ارضاع ابنتها ..
وفي الاثناء دخل رئيسي علينا ، وسأل عن حال المرأة ، وعندما اخبرته صرخ في وجهي قائلا : علينا ان نطلق كل يوم سجينا من اجل قلبك !!
رأيت ان الحق معه فقررت من تلك اللحظة الا اكترث لمثل هذه الامور ، وتحقق ما اردت .. فلو قطعوا امامي العشرات اربا اربا ما تأثرت ابدا .
قلت : فهل هذه الصفة التي عندك حسنة ام سيئة ؟
قال : انها تنسجم مع طبيعة عملي ؟
قلت : اذا كنت تعمل عملا غير هذا فما ترى في هذه الصفة ؟
قال : اعتبرها صفة غير طيبة ؛ لان الناس تستضعف ذوي القلوب الرحيمة .
قلت : فهل هذه الصفة في الحيوانات اكثر ام في الناس ؟
قال : في الحيوانات .
قلت : فهل على الانسان ان يكون حيوانا في صفاته ؟
وهنا سكت ثم استدرك قائلا : لا ادري ولكن فيما يخصني ، فلولا هذه الصفة في الآن لفقدت عملي .
قلت : فاترك عملك اذن !
قال : وكيف لي ان اعيش اذن ؟
قلت : الرزق على الله .
قال : لو كنت مؤمنا بالله ما اصبح حالي كما ترى .
وانتهى بي الحديث ، مع انه لم يعترف ابدا بأن الظلم صفة سيئة ، وانه لا ينبغي ان يظلم الناس .. لقد كان عنيدا جدا مكابرا .
وادركت وقتها ان العناد واللجاجة والمكابرة ، من الحجب الكثيفة التي تحجب قلب الانسان عن الله .
كيف يمكن لمن لا يعرف سيئة الظلم وينكر وجود الله ان ينجو من براثن الحيوانية الى عالم الانسانية النبيل ؟
ومثل هؤلاء المرضى ميؤوس من شفائهم وقد قال عز وجل : «سواء عليهم ءانذرتهم ام لم تنذرهم لا يؤمنون» (1) .
وهذه الدرجة من العناد والانكار ، تحيل الانسان الى مخلوق مخيف وخطير .. وهكذا انسان تتضاءل احتمالات خلاصه مما هو فيه من تردي وهبوط الى حضيض هو اسفل السافلين .
وهذه الحالة هي جهل مركب يصعب علاجه .. ولكن في حالة وجود رغبة في
العلاج فاول خطوة هو وضع العناد جانبا ، وان يصغي بعقله الى منطق هؤلاء الآية في قوله تعالى : «الذين يستمون القول فيتبعون احسنه اولئك الذين هداهم الله» (1) .
فالذين يعقلون هم من يأخذون بالقول الحسن ويصغون للمنطق الصحيح الصائب .
فاول خطوة هو التأمل في ما يقال لهم : (واكثرهم يعرضون من غير تأمل وتفحص وتحليل) ، فهذه خطوة لانه من غير المنطقي رد كلام له حجته وبرهانه ودليله ، ومن يفعل ذلك فهو مصاب بداء العناد والمكابرة واللجاجة ، هذا اولا ، وثانيا على من يريد الشفاء ان يلتزم برنامج العلاج ويطبقه بحذافيره ، وفيه ان يراجع وجدانه وضميره ويصغي الى اي كان من الناس ، وان يترك الغرور جانبا ، وعلى الناس في تعاملهم مع هؤلاء المرضى الا يكترثوا لهم فيجترونهم الى المزيد من المكابرة والعناد واللجاجة .. وعليهم الا يستفزوا غرورهم وكبرياءهم ، فمداراتهم واجبة علينا كما هي واجبة مداراة اي مريض في جسمه .
ومن اراد العلاج لنفسه فليكثر من تلاوة سورة الكافرون .. وان يطلب من الله الشفاء .
|
الكذب
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
كان في حينا رجل لا يعرف الكذب .. ولذا كان يصدّق كل ما يقال . اذكر مرة انني وبعض اهل المحلة ذهبنا الى كربلاء للتشرف بزيارة مرقد سيد الشهداء الحسين عليه السلام .. وكان هو معنا ايضا ، فلما عدنا قال له بعضهم في الطريق : هل حصلت يا «مشهدي علي» على صك الخلاص من نار جهنم .. لقد اعطانا الامام الحسين ورقة مكتوب فيها نجوتم من النار .. فهل عندك مثل هذه الورقة ؟!
قال حزينا : كلا ، ولكن لماذا حرمني سيد الشهداء من ذلك ؟ لماذا ميز بيني وبينكم .
وعاد باكيا الى حرم سيد الشهداء .. اراد احد الرفاق ان يرجعه ان يقول له : ان ذلك مجرد مزاح .. واننا كذبنا عليك ، ولو كانت عندنا ورقة من هذه لابرزناها .. تدخلت وقلت : دعوه وشأنه كان الافضل الا تكذبوا عليه الآن وقد كذبتم فدعوه يزور مرة اخرى فلعل قلبه يرتاح .
ومضت ساعتان ونحن ننتظر ثم عاد الينا مبتهجا .. لقد حصلت على الورقة ، ولكن سيدي قال لا تبرزها لهم فقد يحزنوا .
كان «مشهدي علي» صادقا ، وانك لترى نور الاخلاص يشع من وجهه ، ولكن كان هناك رجل كذاب طالما كان يؤذيه .. وكان ذلك الرجل شقيا خسر ثقة الناس به .. اما «مشهدي علي» فقد كان غنيا موسرا وسعيدا في حياته .
وطالما كنت افكر في هذين الرجلين ، وادركت ان صدق مشهدي علي جعله قريبا من الله ، وكانت ثقته بالله تصل دوحة اليقين ، حتى انه اذا طلب من الله اعطاه ، فهو سعيد في الدنيا مطمئنا الى مصيره في الآخرة ، اما ذلك الكذاب فبعيد عن الله ،
والله سبحانه لا يحب كل كذاب .. والله سبحانه لا يريد لعبده الكذب ، ولذا جاء في الروايات الكثير من الذم لهذه الصفة القبيحة والمرض الروحي الخطير .
فالكذب على الله سبحانه وعلى الانبياء والائمة الطاهرين يبطل الصوم .. بل انه اذا اعلن واعترف امام الملأ انه قد كذب على الله ورسله ، وان ما قاله عن الانبياء لا حقيقية له ، لا يصح منه الصوم وعليه القضاء .
ولذا على الكتّاب والخطباء ان يتحرّوا الحقيقة والحق في كلامهم خاصة فيما يتعلق بالآيات والروايات .
وقد قال امير المؤمنين علي عليه السلام : «كذب السفير يولّد الفساد ، ويفوّت المراد ، ويبطل الحزم ، وينقص العزم» (1) .
والاسوأ من الكذب على الله سبحانه هو التكذيب به وبالانبياء والائمة الاطهار ؛ لان تكذيب المؤمن يعني تسقيطه اجتماعيا ، وهو اسوأ من امر لا حقيقة له .
وجاء في الاثر ان محمد بن الفضيل احد اصحاب الامام الكاظم دخل عليه وقال له : جعلت فداك ، الرجل من اخواني يبلغني عنه الشيء الذي اكرهه فاسأله عن ذلك فينكر ذلك ، وقد اخبرني عنه قوم ثقات ؟
فقال لي : «يا محمد ، كذّب سمعك وبصرك عن اخيك ، فان شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولا فصدقه وكذبهم ، لا تذيعن عليه شيئا تشينه به وتهدم به مروته فتكون من الذين قال الله في كتابه : «ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم» (2)» (3) .
واذا كان الكذب على الله ورسله يبطل الصوم ، فان التكذيب بالله وانبيائه كفر يخرج بالانسان من دائرة الايمان .. وقد انذر الله سبحانه المكذبين بعذاب اليم : «ويل يومئذ للمكذبين» (4) .
|
(1) غرر الحكم : الفصل 69 ، الكلمة 40 .
(2) النور : الآية 19 .
(3) اصول الكافي 8 / 147 .
(4) المرسلات : الآية 15 .
|
|
الزهد ومعناه الخاطئ
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
اعرف درويشا يتصور نفسه ارتدى سبعة خرق تركية وترك كل شيء وراء ظهره ، كان يتردد علي مدة من الزمن وقال في ما قال لي : لماذا يذم اهل المعرفة الزهاد ويسخرون منهم ؟
قلت له : «الزهد» اذا كان معناه الزهد بالدنيا والاعراض عن زخارفها والا يكون المرء اسيرا لها تابعا ذليلا لاغرائها ، ثم يكون في مقابل ذلك توجه الى الله عز وجل وايمان به سبحانه ، فهذا اعظم ما يحصل عليه المرء في حياته الانسانية وهو زاد الانسان وقوته في طريق التكامل والرقي الروحي .
اما اذا كان معناه الكسل وعدم الاكتراث لما يجري من حوله والاتكاء في اداء طقوس العبادة وقشورها وانتفاء الحب الالهي في كل ذلك فهذا معنى سلبي وخاطئ للزهد ، واهل المعرفة يذمون هذا التصور ، ويذمون من كان زاهدا بهذه الطريقة ؛ لانهم لا يعرفون معنى الحقيقة والحب والعرفان .
يقول الامام الصادق عليه السلام : «ليس الزهد في الدنيا باضاعة المال ولا بتحريم الحلال ، بل الزهد في الدنيا ان لا تكون بما في يدك اوثق منك بما في يد الله عز وجل» (1) .
وعن حفص قال : قلت لابي عبد الله الصادق عليه السلام : جعلت فداك ، ما حد الزهد في الدنيا ؟ فقال : «قد حده الله في كتابه فقال عز وجل : «لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» ، ان اعمل الناس اخوفهم بالله ، واخوفهم له اعلمهم به ،
|
|
(1) بحار الانوار 67 / 310 ، الحديث 4 .
|
واعلمهم به ازهدهم فيها» (1) .
وقال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : «اذا رأيتم الرجل قد اعطي الزهد في الدينا فاقتربوا منه فانه يلقى الحكمة» (2) .
قال الدرويش : اذا كانت دائرة الزهد تتسع لكل شيء حسب ما قلت بحيث لا يفرح بما اوتي فانه لن يكترث حتى اين سيكون مصيره في الجنة والنعيم ام في جهنم والجحيم .. ولن يكترث حتى لو خسر حب الله واوليائه ، وهذا اسوأ من حالنا في الزهد ! قلت : هنا يكمن خطأكم عندما تتصورون ان الزهد هو الاعراض عن كل شيء حتى عن الهدف الحقيقي وهو الوصول الى مرحلة الفناء والقرب الالهي .. كلا ليس الزهد كما تتصور لان الزهد ليس في ذاته هدفا ، وانما هو وسيلة من اجل بلوغ القرب الالهي والفناء في الله .. نزهد في الدنيا لنربح الآخرة .
نُعرض عن حب الدنيا لنفوز بحب المولى ؛ ولان حب الدنيا لا ينسجم مع حب المولى ؛ ولان الملاك لا يدخل مكانا يعشعش فيه العفريت ، علينا ان نزهد في الدنيا ولا نفتتن في زخرفها ، وهذا هو الطريق لبلوغ الفناء في الله ، فيكون حبنا في الله ، وبغضنا في الله .
ولذا جاء في الروايات عن السلف الصالح ان المعنى الحقيقي في الزهد يوجد في هذه الآية : «لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» (3) .
فمعنى الزهد انه لو خسر المؤمن الدنيا كلها بما فيها من اجل الوصول الى الكمال الروحي فهو لا يأسى على شيء منها ، ومن كان هكذا لا يفرح بما اوتي في دنياه لانه لا يوجد في قلبه ذرة حب للدنيا .
|
(1) بحار الانوار 67 / 311 ، الحديث 8 .
(2) بحار الانوار : الحديث 9 .
(3) الحديد : الآية 23 .
|
|
محاربة النفس
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
صادفت ذات يوم في الشارع صبيا عاقا لابيه ، عرفت ذلك من سلوكه مع والده .. قال له ابوه : لماذا فعلت هذا ؟ وهو يجيب : لانه يعجبني !
وعندما قال ابوه : لماذا لم تفعل العمل الفلاني ؟ قال الابن بوقاحة : لانه لا يعجبني!
وهكذا استمر الاب مع ابنه ، فالاب يقول شيئا وهو لا يجيب بأكثر من ذلك : يعجبني ولا يعجبني !
وتكدّرت لهذا المشهد بشدة .. كنت يومها شابا ، ولذا عزمت في تلك اللحظة الا اجيب احدا بهذا الجواب ابدا .. وفي ليلتها رأيت في عالم الرؤى شخصا يقول لي : ان قبح العمل الذي قام به الصبي في شيئين :
الاول : عليه الا يقوم بما يعجبه لان قلبه في هذه السن لا يدرك النافع والضار من الاشياء ؛ ولان النفس تجنح بطبيعتها الى الراحة ، فانها تجر المرء في اغلب الاحيان الى ما يضره (1) .
الثاني : ان هذه الطريقة في التحدث مع الاكبر يعوزها الادب ، كما ان ترجيح المطلب الذاتي على مطلب الاب ، امر سيء جدا بل ويبعث على النفور .
|
|
(1) عن الامام الكاظم عليه السلام ، قال : «وكان ابو عبد الله عليه السلام يقول : لا تدع النفس وهواها ، فان هواها في رداها ، وترك النفس وما تهوى اذاها ، وكف النفس عما تهوى دواؤها» جامع احاديث الشيعة 13 / 251 ، الحديث 36 .
|
والآن لو كان الطرف الآخر هو الله سبحانه وتعالى ، يعني الخالق الذي لا يأمر بشيء الا فيه نفع للانسان ، ولا ينهى عن شيء الا وفيه ضرر عليه ، تتضح لدينا الوقاحة اكثر .
وعندما نؤكد على ان الاحترام يتناسب تناسبا طرديا مع منزلة الانسان ، فان احترام الانسان لله سيكون مطلقا ؛ لان الله هو الاكبر المطلق ، ولابد للانسان هنا الا ان يتلاشى امام الله ، يعني ان يتلاشى هواه الذاتي امام ارادة الله سبحانه ، والا يعصيه قيد شعرة ومقدار ذرة ..
هذه الكلمات سمعتها من شخص لم اعرفه في المنام .. فجأة وفي الحلم رأيت نفسي في بستان كبير مليء بانواع الفاكهة ؛ ولاني كنت جائعا جدا فقد رحت التهم الفاكهة الشهية .. فاكهة لم آكل مثلها ابدا !
وهناك تذكرت حديثا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يقول فيه : «طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود لم يره» (1) .
وادركت حينها ان ذلك البستان هو ما وعدنا الله سبحانه يوم القيامة من اجل ترك الهوى .
لا استطيع ان اصف لك كم هي لذيذة تلك الفاكهة .. ما ازال اشعر بلذتها حتى الآن .
والاكثر من هذا هي تلك النشوة التي غمرت روحي ؛ لاني ادركت انني في بحبوحة من رضا الله سبحانه .. كما شعرت للحظات بانني من القوة ما استطيع ان افعل كل شيء لاني استند الى قدرة الله المطلقة .
وكأني بصوت العظمة الاحدية تدوي في اعماقي : «وعزتي وعظمتي وجلالي وبهائي وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه الا جعلت همه في آخرته ، وغناه في قلبه ، وكففت عليه ضيعته ، وضمنت السماوات والارض رزقه ، واتته الدنيا وهي راغمة» (2) .
|
(1) بحار الانوار 70 / 74 ، الحديث 1 .
(2) بحار الانوار 67 / 77 ، الحديث 8 .
|
|
|