بين يدي الاستاذ 167



النميمة

قال لي معلمي :
اعتدت عندما ادعو للآخرين ان ابدا دعائي لمن يحضر في ذهني اولا . وعندما لا يجب ان ادعو لاحدهم فاني الهم بعدم دعائه .
وذات ليلة عندما كنت اقنت في صلاة الوتر حاولت ان ادعو لشخص كنت قد عزمت على الدعاء له ، لكني لم استطع ان ادعو له ولو بجملة واحدة ، وكان هناك من يأمرني قائلا : لا تدع له ، لان الله لن يغفر له .
فكرت في نفسي لعل هذا من وسوسة الشيطان ! لكني كنت ادرك الفرق بين الوسوسة والالهام ، وادركت ان هذا لم يكن وسوسة ابدا ..
فكرت لعله ارتكب عملا ، استوجب فيه سخط الله عليه ، ولهذا لم اوفق في الدعاء له !
ودفعني حب الاستطلاع الى ان اعرف ماذا فعل هذا الرجل ؟
عاشرته اياما لكني لم اقف على شيء طبعا .
اخفقت لان التجسس على احوال الناس حرام ، ومحاولة معرفتي لاخلاقه امر غير محمود .
على اية حال في ليلة من الليالي ، وضمن مناجاتي ، دعوت الله ان يشمله بلطفه ، وان يغفر ذنبه ان كان له ذنب .. فجأة انتبهت الى ان له صفة قبيحة اذا لم يتركها فلن يشمله الله برحمته .
علما انني لا ادعو لاحد بان يزيده من بهارج وزخارف الدنيا ومادياتها ودعائي لاصدقائي في ان يشملهم الله برحمته .

بين يدي الاستاذ 168


وعلى اية حال وجدت نفسي مضطرا لاطلعه على ما حصل لي ليلة الدعاء له وانصرافي القلبي عن ذلك ، ثم لاسأله عن الصفة القيبحة التي جعلته محلا لسخط الله ؟
قال بعد ان اصغى متأثرا : نعم ، انا مبتلى بصفة شيطانية ، وكلما حاولت الخلاص منها فشلت واخفقت في تزكية روحي منها ..
ولاني اخجل من ان اقول ذلك لاحد .. لكني بكيت قبل ليال وسألت الله ان يحل مشكلتي هذه ، واشعر الآن بان الله قد شملني برحمته وارسلك لمساعدتي .
قلت له : ما هذه الصفة السيئة التي لا تستطيع الخلاص منها ؟
فانا لي تجربة في الامراض الروحية ، والمهم معرفة المرض لان تشخيص جذوره يسهل في علاجه .
قال : انا اعرف مرضي ولهذا اتعذب بسببه ، لكني لم استطع كلما حاولت الخلاص منه .. ومرضي الروحي هو «النميمة» .
يلذ لي ان اوقع بين اثنين متحابين ، واشعر بالمتعة عندما انقل حديث هذا لذاك وذاك لهذا ، لتوتر العلاقة بينهما .
صدقني اردت ان اتخلص من هذا المرض لكن دون جدوى ! حتى انني قررت الابتعاد مدة عن معاشرة الناس والاختلاط بهم ، ولكني وفي اول فرصة ، وعندما ارى صديقين حميمين ابدا ديدني في الايقاع بينهما فلا يفترقان حتى يتشاجران !
قبل مدة كنت في مجلس ، وبدأت بذم رجل من رجال الله الصالحين ، حتى يصبح في نظر الناس شيطانا رجيما ، ثم سمعت ان الناس راحوا يؤذونه ايما ايذاء !
حتى هذه اللحظة انا افكر ان اوقع بينك وبين فلان (وذكر لي صديق تربطني به علاقة حميمة) واتفرج على تشاجركما .
شعرت بالرهبة من هذا الانسان الذي نفذ في روحه الشيطان ، لكني كتمت مشاعري عنه ، وقلت لعل الله ارسله الي فاكون سببا في علاجه وشفائه .
لهذا قلت له : أتعرف ان النمام بمستوى من يعلن الحرب على الله عز وجل ؟ ذلك ان الله سبحانه هو الذي يلقي الالفة والمحبة بين الناس .. اما انت فتريد ان

بين يدي الاستاذ 169

تحطم اواصر هذه المحبة والالفة بين القلوب .. انك تريد ان تغير هذه المحبة الى كراهية ، وهذه الالفة الى احقاد وضغينة .
الا تريد ان تعرف مصير النمامين في يوم القيامة ؟ اذن فاسمع اولا واصخ سمعك .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لما اُسري بي رأيت امراة رأسها رأس خنزير وبدنها بدن حمار ، وعليها الف الف لون من العذاب ، فسأل ما كان عملها ؟ فقال : انها كانت نمامة كذابة» (1) .
وثانيا ان النمام مكروه من قِبل الناس ، وهو اسوأ الخلق عند الله . وقد روى الصادق عليه السلام ، عن آبائه سلام الله عليهم اجمعين ، قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم : «المؤمن غر كريم ، والفاجر خب لئيم ، وخير المؤمنين من كان مألفة للمؤمنين ، ولا خير فيمن لا يؤلف ولا يألف» .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «شرار الناس من يبغض المؤمنين وتبغضه قلوبهم المشاؤون بالنميمة ، والمفرقون بين الاحبة ، الباغون للبراء العيب ، اولئك لا ينظر الله اليهم يوم القيامة ولا يزكيهم» (2) ، ثم تلا قوله تعالى : «هو الذي ايدك بنصره وبالمؤمنين * والف بين قلوبهم» (3) .
وقال الامام الصادق عليه السلام للمنصور : «ان النمام شاهد زور ، وشريك ابليس في الاغراء بين الناس» (4) .
وعنه عليه السلام ، قال : «لا يدخل الجنة سفاك دم ، ولا مدمن الخمر ، ولا مشاء بنميم» (5) .
(1) بحار الانوار 72 / 264 ، الحديث 7 .
(2) المصدر المتقدم : 265 ، الحديث 9 .
(3) الانفال : الآية 62 و 63 .
(4) بحار الانوار 72 / 264 ، الحديث 3 .
(5) المصدر المتقدم : 265 ، الحديث 11 .
بين يدي الاستاذ 170


وقال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : «لا يدخل الجنة قتات» (1) ، والقتات هو النمام .
وقد عد الاسلام النميمة من الكبائر ، فقال تعالى يصف احد رؤوس الكفر من اعداء الله ورسوله : «همّاز مشّاء بنميم» (2) ، «عتلّ بعد ذلك زنيم» (3) .
فالنمام اذن شريك ابليس ، وهذا ثالثا ، ورابعا انه لن يدخل الجنة شأنه شأن المدمن على الخمر ، وخامسا انه بمنزلة ابن الزنا .
يقول الشهيد الثاني قدس الله روحه في رسالته حول الغيبة في عد ما يلحق بالغيبة : احدهما النميمة ، والنميمة احدى المعاصي الكبائر قال تعالى : «همّاز مشّاء بنميم» ، ثم قال : «عتلّ بعد ذلك زنيم» .
قال بعض العلماء : دلت هذه الآية على ان من لم يكتم الحديث ومشى بالنميمة ولد زنا ؛ لان الزنيم هو الدعيّ (4) .
وقد نهى الاسلام المؤمنين عن تصديق النمام ؛ لانه فاسق وقوله مردود ، وقد قال تعالى: « ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين» (5) .
بل ان الشريعة حثت الانسان اذا ما رأى نماما ان يبادر الى نصيحته ، فمن المحتمل ان يثوب الى رشده ، فان تمادى فان الاعلان عن الاستياء منه سيؤثر فيه ؛ لان النمام عدو الله ، وعلينا ان نتخذ موقفا حازما ممن يعادي الله عز وجل .
عندما تحدثت الى ذلك الرجل بكى واجهش بالبكاء وقال : اشعر ان قلبي يغتسل بهذه الكلمات وقد عقدت العزم على ترك النميمة .
وانصرف ليعود بعد ايام قائلا : ان حالي افضل بكثير مما كنت عليه ، لكني
(1) بحار الانوار 72 / 265 ، الحديث 8 .
(2) القلم : الآية 11 .
(3) القلم : الآية 13 .
(4) بحار الانوار 72 / 268 .
(5) الحجرات : الآية 6 .
بين يدي الاستاذ 171

لم اشف من المرض مئة بالمئة ، وما زال الشيطان يوسوس لي . قلت له : ان اردت الشفاء التام ، فعليك اذا ما وسوس لك الشيطان ان توقع بين اثنين ان تفعل العكس ، حاول ان تعزز بينهما عرى المحبة والالفة وتزيد في تآخيهما .
يعني اذا وسوس لك الشيطان ان تتحدث بالسوء عن شخص فافعل العكس تماما ، حاول ان تثني عليه وتمجده ، فاذا رأيت احدا يذم احدا امامك فامدح ذلك الشخص واثن عليه بما يغير من انطباع هذا الشخص عنه ، حتى لو اوقعك هذا الفعل في الكذب ، فلا بأس به ؛ لان ذلك مما يعزز من روح الاخوّة والتآلف بين الناس .
ولا تنسى ان تقرأ سورة القلم ثلاث مرات يوميا ، واطلب من الله العون في الشفاء ، وتوسل بالامام الهادي عليه السلام في ذلك .
والحمد لله مضت مدة وجاءني الرجل يبشرني بشفائه الكامل من هذا المرض الروحي الفتّاك .

بين يدي الاستاذ 172



الوسواس

قال لي معلمي :
عندما كنا في المدينة نطلب العلوم الدينية كان بيننا طالب معروف بالوسواس . وكان وسواسه ان يتحدث الشيطان معه رسميا وهو ايضا يتحدث معه !
اذكر جيدا انني ذهبت مرة الى المراحيض .. وسمعت في المرحاض المجاور شخصا يتحدث بصوت مسموع جدا .. تصورت انهما يتحدثان ، وكأن احدهما يقول للآخر : كفى .. لقد قمت بما يجب .
لم يخطر في بالي انه ذلك الموسوس .. ولذا عندما خرج سألته : مع من كنت تتحدث ؟
قال : مع نفسي .. مع شيطاني الذي يركبني ويأمرني ، لقد مرت ساعة كاملة وانا اشطف نفسي في المرحاض ..
اقول : يكفي هذا لقد تطهرت ، وهو يقول : لا ما يزال ناقصا .. ولا ادري ماذا افعل ؟!
فيما مضى كان الوسواس في قلبي واشعر به يوسوس لي ، كنت ازجره في قلبي ايضا : اقول له : كفى .. ثم لم اعد اضبط نفسي وشيئا فشيئا صرت اتحدث معه بصوت مسموع ، وها انت قد سمعت مني ما جرى ، وتسألني مع من كنت اتحدث ؟
قلت له : منذ سنوات وان احاول ان اعرف كيفية الوسوسة ، فهل لك ان تساعدني في ذلك ؟
قال : لا مانع لدي ، ولكن اخشى عليك من العدوى .. وربما تريد السخرية مني !
قلت : الله يعلم اني لا اقصد ذلك ابدا ، واسأل الله ان يوفقني في دفع هذا المرض

بين يدي الاستاذ 173

عنك فاكون قد ساعدتك .
سُرَ لكلامي وقال : اذن فهيا الى حجرتي ساحدثك بالتفصيل عن مرضي .
عندما ذهبنا هناك بدا يشرح لي بداية ظهور اعراض المرض الروحي فقال : لقد بدا ذلك يوم سخرت من احد الوسواسين فتاثر مني وابتليت من وقتها بالوسواس !
سالته : هل ان وسواسك في التطهر ام في العبادة والشؤون الاخرى ايضا ؟
قال : في البداية كان مسائل الطهارة والنجاسة ، ثم بدا يسري الى العبادة وسائر الاشياء الاخرى ، بل وصل المرض الى عقائدي .
قلت : عندما تريد ان تطهر مكانا نجسا وفق الحكم الشرعي ، فما الذي يحصل لكي تعيد عملية التطهير مرة اخرى ؟!
قال : لا استطيع الآن ان اصف الحالة بدقة ولكن حالتي تشبه حالة جندي في حضرة قائد مطاع يخشى سطوته .. انه يقوم بما يريده القائد ، وان كان في قلبه غير راض .
قلت : كيف يصدر هذا القائد اوامره لك ؟
قال : عشرة اضعاف اقوى وارهب من اوامر الضابط ، حتى انني وعندما احاول عدم تنفيذ اوامره ، فانه يصرخ بي بصوت مرتفع ، فاشعر ان ارادتي مهزومة ، فاُنفّذ ما يريد ، مع تململ في قلبي من ذلك .. ولعل الوسوسة افضل تعبير عن هذه الحالة ، هذه باختصار الاحاديث التي تبادلناها ذلك اليوم ، وقد خلصنا الى نتيجة واحدة ؛ ان هذه الحالة تشبه حالة من لا يؤمن بشيء ولكن عشرات الاشخاص يفرضوه فرضا عليه ، فيجد نفسه مضطرا للعمل به فيسلم جوارحه اليهم .
وهنا اجد من الضرورة الاشارة الى هذه النقاط :
الاولى : استاذي كان يقول : انه في الوقت الذي تعرف فيه الشيطان يمكننا ان نعرف فيه الله ايضا . فالانسان المصاب بالوسواس يدرك ان قوة غامضة تتلبس كل كيانه وتسيّره ، فما نقوله عن الشيطان بانه يجري في الانسان مجرى الدم في العروق ويجرّه الى الآثام والمعاصي . فكذا الالهام شانه شان الوسواس الا في مصدره ، فالوسواس من الشيطان والالهام من الله عز وجل .

بين يدي الاستاذ 174


فان استطاع الانسان ان يحل الرحمن محل الشيطان اصبح عبدا لله خالص العبودية .
الثانية : ربما يتعاون الشيطان مع النفس الامّارة حينا ويعمل مستقلا حينا آخر ، ولمعرفة استقلال الشيطان في فعاليته ، هو في جنوح النفس الى الدعة والراحة مثلا تقول النفس : لا تصوم ، لا تصلّ ، ولا تقم بالعمل العبادي القرآني ؛ لانه شاق . وهنا ياتي الشيطان ليعزز هذا الميل في نفس الانسان ويوسوس له بالراحة والدعة .
لان النفس لا تقول كرر صلاتك عشر مرات لكي تكون قد صليت حقا ، ولا تقول له اغسل يدك عشر مرات لتطهر حقا ، فمثل هذه وغيرها هي وسوسة الشيطان ؛ يعني ان الشيطان يعمل في ذلك مستقلا وخلاف هوى النفس .
الثالثة : ان المصابين بالوسواس يدركون معنى ولاية الشيطان ، ويعرفون كيف يمكن تقبل ولاية موجود غير قابل للرؤية .
الرابعة : المصابون بالوسوسة يدركون معنى الالهام ، وهو سماع حديث يصدر من غير ادوات الفم والشفاه واللسان وامواج الهواء ، ويدركون ايضا ان الذين يخضعون لولاية الله يشملهم الالهام ، اي ان الله يتحدث اليهم .
عليك ان تعرف هذا فقد تصاب بالوسواس فلا تستطيع معالجة نفسك لانك لا تعرف حقيقة الوسواس ، لقد زودت صديقي ببعض الارشادات وها انا اختصرها لك ، فقد تبتلى يوما بالوسواس ، فتعرف حينئذ كيف تداوي روحك .. فلتعرف اولا معنى ولاية الشيطان .
اولا : قلت له : عليك ان تسلم نفسك لي مئة بالمئة لعدة ايام ، فتنفذ كل ما آمرك به .
قال : ربما تطلب مني الا يراودني الوسواس ، وهذا امر يخرج عن ارادتي لكني على استعداد لتنفيذ اوامرك الاخرى .
قلت له : كلا لن اقول لك ذلك ؛ اذ لو قلت لك ذلك لكنت كالطبيب الذي يامر المريض ويقول لا تمرض .. هذا خطأ .. لكني اطلب منك ان تنفذ ما آمره بك حتى لو جهلت فلسفة ذلك .

بين يدي الاستاذ 175


قال : لا مانع في هذا .
ولانا كنا في مدرسة واحدة فقد تيسر لي مراقبته والتزامه بالبرنامج الذي حددته له .
ثانيا : قلت له : يتوجب ان يكون لديك حلتان : احداها نجسة تماما ، واخرى طاهرة تماما ، ترتدي الاولى دائما ، اما الثانية فلا ترتديها الا في الصلاة .
قال :حسنا جدا سافعل ذلك .
ونتيجة هذا هو انتفاء نفوذ النجاسة الى الروح .
وقد استمر في هذا العمل اسبوعين ، حيث كان يحتفظ بحلته الطاهرة فوق سجادة الصلاة فلا يرتديها الا من اجل الصلاة حيث يخلع اولا حلته النجسة ، ثم يعود الى ارتدائها بعد اداء االصلاة .
ثالثا : قلت له بعد اسبوعين : عندما تريد الذهاب الى المرحاض فاذهب بحلتك النجسة ، ولا تتقيد بالغسل ، يمكنك فقط ازالة عين النجاسة بالماء او بمنديل ورقي ، وارتد حلتك .
قال : هذه مشكلة فكيف اصلي اذن .
قلت : اغتسل قبل الصلاة وارتد حلتك الطاهرة .
قال : حسنا سافعل ذلك .
واستمر على هذا البرنامج مدة اسبوع ، ونتج عن هذا حالة من الادراك للنجاسة الحقيقية .
واعقب هذا تعليمات معنوية غاية في الجدية .. فقد حدثته عن ارادة الانسان القوية ، وانه لا ينبغي ان يقوم باعمال غير منطقية ، ثم قرأت عليه بعض الروايات التي تذم الوسوسة انقل لك طائفة منها :
قال الامام الصادق عليه السلام : «لا يتمكن الشيطان بالوسوسة من العبد الا وقد اعرض عن ذكر الله واستهان بأمره وسكن الى نهيه» (1) .
(1) بحار الانوار 69 / 124 ، الحديث 2 .
بين يدي الاستاذ 176


وعنه عليه السلام : «انه كيف يكون المرء عاقلا وهو يطيع الشيطان» (1) .
وجاء في الاثر : سألت العالم عن الوسوسة ان كثرت قال : «لا شيء فيها يقول : لا اله الا الله» (2) .
وروي ان رجلا قال للعالم : يقع في نفسي امر عظيم ؟ فقال : «قل : لا اله الا الله» . وفي خبر آخر : «ولا حول ولا قوة الا بالله» (3) .
وروي ايضا : «اذا خطر ببالك في عظمته وجبروته ، او بعض صفاته ، شيء من الاشياء فقل : لا اله الا الله ، محمد رسول الله ، وعلي امير المؤمنين» (4) .
وروي عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في مثل هذا : «قل : لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم» (5) .
وفي حديث آخر عنه صلوات الله عليه : ادع بهذا الدعاء : «اللهم ان ابليس عبد من عبيدك يراني من حيث لا اراه ، وانت تراه من حيث لا يراك ، وانت اقوى على امره كله ، وهو لا يقوى على شيء من امرك . اللهم فانا استعين بك عليه يا رب ، فاني لا طاقة لي به ، ولا حول ولا قوة لي عليه الا بك . اللهم ان ارادني فارده ، وان كادني فكده ، واكفني شره ، واجعل كيده في نحره .. برحمتك يا ارحم الراحمين ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين» (6) .
وادرك ذلك الصديق ما حل به ، فنهض بجد واجتهاد لمكافحة الوسواس ؛ لان الالهام لا يدخل قلبا احتلته الوسوسة .. والملاك لا يدخل مكانا يسكنه عفريت .. وتمر الايام ويعافى صاحبنا من مرضه ، فله الحمد اولا وآخرا .
(1) اصول الكافي ـ باب العقل والجهل .
(2) و (3) بحار الانوار 69 / 127 ، الحديث 13 .
(4) المصدر المتقدم : 128 .
(5) بحار الانوار 92 / 137 ، الحديث 1 .
(6) بحار الانوار ـ باب الوسواس .
بين يدي الاستاذ 177



سوء الطبع

قال لي معلمي :
كثيرون اولئك الذين يتمتعون بحسن طباع جعلتهم محبوبين عند الله ، فهم متعففون ، اغنياء النفس ، لا يمدون اعينهم الى ما عند غيرهم . وهؤلاء الناس حتى لو كانوا فساقا او كفارا فهم احب الى الله من غيرهم من الكفار والفساق .
قال لي معلمي :
اعرف شخصا كان سيء الطبع .. يعني شحاذا بطبعه ، ومع ثرائه الواسع فهو يفرح اذا ساعده احد .
وعندما كان يأتي عندي كان لا يمتدح الا الذين اعطوه شيئا ما ، وكانت عينه ممدودة على ما في ايدي الناس ، فهو يترقب منهم هدية او مساعدة .
وهذه حالة حيوانية تشبه كلبا يهز ذيله عندما ترمى اليه كسرة خبز .. فهذه الحالة حجاب تمنعه من السير في طريق التكامل .
تحدثت اليه يوما عن ذلك ، وذكرت له روايات واحاديث مؤثرة ، فطلب مني ان اعالجه من هذا المرض الروحي .. فلعله ينجو من شر هذه الطبع السيئ الذي جعله اشبه ما يكون بالشحاذين منه الى الموسرين .
ولذا قلت له : لقد ورد في الاثر : «ان تفكر ساعة خير من عبادة سنة «انما يتذكر اولوا الالباب» (1)» (2) .
(1) الرعد : الآية 19 . الزمر : الآية 9 .
(2) بحار الانوار 68 / 327 ، الحديث 22 .
بين يدي الاستاذ 178


عليك يا صديقي وانت تأوي الى فراشك في الليل ، ان تفكر في هذا الامر ، انت بحمد الله انت موسر ، وحتى لو لم تكن ثريا ، فان الغنى غنى النفس ، فصرف النظر عما في ايدي الناس يكسبك ثقتهم واحترامهم ، وهذا اعظم ما يحصل عليه المرء في حياته الاجتماعية .
ان المؤمن بالله لا يفكر الا به ، ولا تشغله عن ذكره امور الدنيا الزائلة ، ثم من قال ان المال يجلب السعادة .. ان اساس السعادة هو القناعة وغنى النفس .
يقول الامام الصادق عليه السلام : «غنى النفس اغنى من البحر» (1) .
وعنه ايضا : ان جبرئيل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم : «شرف المؤمن قيام الليل واستغناؤه عن الناس» (2) .
وعنه ايضا ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم : «خير الغنى غنى النفس» (3) .
وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : علمني شيئا اذا انا فعلته احبني الله من السماء ، واحبني الناس من الارض ؟ قال : «ارغب فيما عند الله يحبك الله ، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس» (4) .
بل ان طبع التكدي مع وجود الثروة يؤدي بالانسان الى الشقاء .
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم دعاؤه : «اللهم ارزق محمدا وآل محمد العفاف والكفاف ، وارزق من بغض محمدا وآله محمد المال والولد» (5) .
مرت على صديقي ايام عسيرة ؛ لانه ليس من السهل التخلص من طبع ترسخ في اعماقه ، لكنه كان ذا ارادة قوية ، وعندما انتبه الى ما فيه من سوء طبع فانه كان يجاهد ببسالة من اجل ان يزكي روحه ..
ولذا راح يُقدم على اشياء كأنه يسبح ضد التيار ، فبدل ان ينتظر هدية من هذا
(1) بحار الانوار 72 / 105 ، الحديث 1.
(2) المصدر المتقدم : 109 ، الحديث 14 .
(3) المصدر المتقدم : 106 ، الحديث 5 .
(4) المصدر المتقدم : 107 ، الحديث 10 .
(5) وسائل الشيعة 15 / 243 ، الحديث 3 .
بين يدي الاستاذ 179

او ذاك بادر هو الى تقديم الهدايا ، واصبح يتصدق على المحتاجين كثيرا .. وراح ينظر الى من هو ادنى منه مالا ، فيشكر الله سبحانه ان وهبه الغنى .. فلم تكد تمضي مدة حتى زال عنه هذا السوء من الطباع ، ليحل مكانه الغنى .. غنى النفس .
قال لي معلمي :
يقول الشهيد الثاني : «فمما يلزم كل واحد منهما (العالم والمتعلم) ، بعد تطهير نفسه من الرذائل المذكوره وغيرها ، توجيه نفسه الى الله تعالى ، والاعتماد عليه في اموره ، وتلقي الفيض الالهي من عنده ، فان العلم كما تقدم من كلام الصادق عليه السلام ليس بكثرة التعلم وانما هو نور من الله تعالى ينزله على من يريد ان يهديه .
ون يتوكل عليه ، ويفوض امره اليه ، ولا يعتمد على الاسباب فيتكل عليها ، وتكون وبالا عليه ، ولا على احد من خلق الله تعالى ، بل يلقي مقاليد امره الى الله تعالى في امره ورزقه وغيرها ، يظهر عليه حينئذ من نفحات قدسه ولحظات انسه ما يقوم به اوده ، ويحصل مطلبه ، ويصلح به امره . وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : «ان الله قد تكفل لطالب العلم برزقه عما ضمنه لغيره» ، بمعنى ان غيره يحتاج الى السعي على الرزق حتى يحصل غالبا ، وطالب العلم لا يكلف بذلك ، بل بالطلب وكفاه مؤونة الرزق ان احسن النية واخلص العزيمة .
وعندي ذلك من الوقائع والدقائق ما لو جمعته بلغ ما يعلمه الله من حسن صنع الله تعالى بي وجميل معرفته ، منذ اشتغلت بالعلم وهو (مطلع عام 930هـ) الى يومي هذا وهو منتصف رمضان سنة (953هـ) (1) .
قال لي معلمي :
وانت ايها الطالب عليك قبل غيرك ان تكون حرا في حياتك ، عزيزا في نفسك .. يقول امير المؤمنين في الديوان المنسوب اليه :
لنقل الصخر من قلل الجبال احب الي من منن الرجال
وذقت مرارة الاشياء طرا فما طعم امر من السؤال
(1) منية المريد ـ الشهيد الثاني : 61 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي