|
الاسراف
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
كان لي صديق تاجر من تجار طهران ، وكان رجلا طيبا محسنا . تبرع مرة بعشرات الملايين لبناء مستشفى ، وملايين اخرى انفقها على طبع ونشر الكتب الدينية .
ذات يوم اجتمعت معه ومع اثنين من الاصدقاء ، وكنا قد عقدنا العزم على الذهاب الى مسجد جمكران ، كنا اربعة والسيارات التي تنقل المسافرين تتسع لخمسة اشخاص ؛ قال التاجر : اسمحوا لي بالحساب ما دمت معكم ، رفضنا ذلك ، ولكنه اصر على ان يحسب الاجرة فوافقنا على مضض .
فقد اتخذنا اماكننا في السيارة ، والتفت السائق ينتظر الاجرة ، ودفع التاجر الاجرة ، وكانت تومانا واحدا عن كل شخص . قال السائق : اذا حسبتم اجرة الشخص الخامس سنتحرك في الحال ، والا عليكم بانتظار مسافر خامس ليكتمل النصاب .
قال الرجل الطهراني التاجر : لسنا في عجلة من امرنا ننتظر حتى يأتي مسافر ، تعجب السائق ، وكذا نحن ايضا ، ولم نكن نتوقع من التاجر هذا الكلام ، وقال احد الاصدقاء للسائق : سادفع لك اجرة الخامس .
تدخلت وقلت : الافضل ان ننتظر كما قال صديقنا ، وفي الاثناء لمحنا احد الطلبة يتقدم صوبنا ، وكان يحث الخطى حتى لا تفوته السيارة .
وهكذا انطلقت بنا السيارة تنهب الطريق نحو مسجد جمكران .
وحتى لا تنطبع صورة سيئة عن التاجر في الاذهان رحت اعدد بعض مآثر التاجر الطهراني .
قال السائق : ان رجلا يفعل ما يفعل من الخيرات ، وينفق ما ينفق ، كيف يبخل
بتومان واحد من اجل الوصول الى مسجد في وقت اقل ؟!
وهنا تدخل التاجر وامسك بطرف الحديث فقال : اتظن يا اخي ان الله منحني هذه الثروة ولن يحاسبني عليها ؟.. هذه الثروة امانة في يدي وسيحاسبني الله عليها .. سيسألني عن كيفية انفاقها .. اسأل هؤلاء وهم علماء ألم يأت في الروايات ان في حلالها حساب ؟ فبماذا اجيب اذا سالني الله سبحانه لِمَ انفقت هذا التومان في غير ما ضرورة ولم تصبر حتى يأتي زائر آخر يقصد بيتي ، ولو انك صبرت كنت وفّرت مالك ومنحت غيرك فرصة الزيارة .. نعم ، لقد انفقت الملايين في سبيل الخير ولكن كان الانفاق وفق حساب وكتاب ، اما هذا التومان فلم ار له وجها في الانفاق سوى الاسراف .
قال لي معلمي :
لقد استفدت من ذلك الحديث ايما استفادة ، وادركت ان الله سبحانه لا يمنح عباده ثروة سدى ، وان هذا التاجر يعمل بهذه الآية الكريمة في قوله تعالى : «والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما» (1) .
وجاء في الروايات عن الامام الصادق قوله : «ان القصد امر يحبه الله عز وجل ، وان السرف يبغضه حتى طرحك النواة» (2) .
وقال الامام الرضا عليه السلام مخاطبا احد اصحابه : «يرحمك الله ، اما تعرف انّ الله عز وجل كره الاسراف وكره الاقتار» (3) .
والاسراف هو الانفاق بلا حساب ، وبعثرة الاموال عبثا ، فهو صفة سيئة في النفس ، وعلى الانسان الذي يريد تزكية نفسه ان يتخلص منها ، وانّ علاج هذا المرض ان يدرك الانسان انه ليس المالك المطلق لما يملك ، وانه مجرد امين على المال وهو محاسب عليه .
|
(1) الفرقان : الآية 67 .
(2) بحار الانوار 68 / 346 ، الحديث 10 .
(3) المصدر المتقدم : 347 ، الحديث 11 .
|
وقد قال سبحانه وتعالى : «ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك احدا» (1) .
وقال عز وجل : «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» (2) .
|
(1) الكهف : الآية 49 .
(2) الزلزال : الآية 7 و 8 .
|
الحرص
قال لي معلمي :
الحرص هو تفاقم حس طلب الدنيا وتضخم الاماني الطويلة والاطماع .
ولكن هناك حرص ايجابي يتمثل في طمع الانسان في هداية اخوانه الى الطريق القويم ، فهذا حرص حسن يسهم في تكامل نفس الانسان الحريص .
ومثل هذا الحرص من ابرز صفات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد ورد في القرآن الكريم ثناء على النبي فقال تعالى :
«لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم» (1) .
غير ان الحرص اليوم اذا ما اطلق على شخص ، فان الذهن ينصرف الى المعنى السلبي منه وهو التهالك على الدنيا فهذا مرض روحي .
قال لي معلمي :
كان شاب ظل يتردد علي صباحا كل يوم وكان يسألني النصيحة والموعظة ، وكنت احدثه عن بعض الروايات والاحاديث ، وكان يصغي الي ثم ينهض على عجلة من امره وينصرف .
وذات يوم رويت له احاديث عن الحرص منها : قول الصادق عليه السلام : «ان كان الرزق مقسوما فالحرص لماذا ؟» (2) .
|
(1) التوبة : الآية 128 .
(2) بحار الانوار 70 / 160 ، الحديث 1 .
|
وقوله عليه السلام : «قال النبي صلى الله عليه وسلم : اغنى الناس من لم يكن للحرص اسيرا» (1) .
وسأل رجل شامي امير المؤمنين عليه السلام : اي ذل اذل ؟
فقال امير المؤمنين عليه السلام : «الحرص على الدنيا» (2) .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «يهرم ابن آدم ، ويشب منه اثنان : الحرص على المال والحرص على العمر» (3) .
وفي هذه المرة قال الشاب : اريد ان تشرح لي هذه الاحاديث لاعرف معنى الحرص المذموم .
فقلت : ان الرزق مقسوم في الدنيا ومقدر .. ولكل انسان رزقه ، بل لكل كائن من الكائنات رزق مقسوم قال تعالى : «وفي السماء رزقكم وما توعدون» (4) .
وهذا المعنى يزخر به القرآن الكريم في كثير من الآيات ، والمسلم المؤمن ينبغي ان يطمئن الى هذا الامر هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرى ان العمل والكدح من اجل المعيشة واجب كما هو الصلاة والصيام ، وهذه العبادات واجبات عينية على الانسان اداؤها ، ولا يمكن لاحد ان يصلي او يصوم نيابة عن الآخر . اما الكسب والعمل فهو وان كان واجبا عينيا فهو في حالة عدم قيام آخرون بهذا العمل ويؤدي ذلك حصول مضيقة في حياة الانسان .
فاعمل واجب الهي والانسان يقوم به اداء للتكليف ، واما الرزق فهو يأتي من الله ، سواء بسبب هذا العمل او من طريق آخر ، واذا كان الامر كذلك فلماذا الحرص على جمع المال والتهافت على الدنيا ؟
قال الشاب : ماذا يفعل الانسان المبتلى بهذا المرض لكي يشفى ؟
وبصراحة انا مصاب بهذا المرض .. بل انك حدثتني قبل ايام عن حب الدنيا ،
|
(1) بحار الانوار 70 / 160 ، الحديث 2 .
(2) المصدر المتقدم : 161 ، الحديث 4 .
(3) المصدر المتقدم : الحديث 7 .
(4) الذاريات : الآية 22 .
|
وكنت الوم نفسي على ذلك ، واريد ان اتخلص من ذلك ، ولكن شيطاني يمنعني ويسد على الطريق ، بل ويشوّش علي فكري .
قلت له :اقرأ سورة التكاثر ورددها باستمرار ، واطلب من الله سبحانه ان يشفيك ؛ واقرأ ايضا سورة القيامة مرة واحدة في كل يوم على الاقل ، وتأمل في معانيها ومراميها .
واصغ الى سيدنا الصادق في قوله : «لا تحرص على شيء لو تركته لوصل اليك ، وكنت عند الله مستريحا محمودا بتركه ومذموما باستعجالك في طلبه وترك التوكل عليه والرضا بالقسم ، فان الدنيا خلقها تعالى بمنزلة ظلك ، ان تبعته اتعبك ، ولا تلحقه ابدا ، وان تركته تبعك وانت مستريح» (1) .
وقال تعالى : «الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم» (2) .
|
(1) بحار الانوار 70 / 165 ، الحديث 26 .
(2) الروم : الآية 40 .
|
|
الطمع
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
ذات ليلة وقد اديت نافلة الليل رحت اردد آية النور : «الله نور السماوات والارض...» (1) .
ورحت اتأمل في اغوارها .. فجأة انزاحت الحجب عن عيني ورأيت جمعا من الناس سكارى ، ورأيت آخرين يعذبون . وقال شخص موكل بعذابهم .. ان هؤلاء سكرى بشراب شيطاني ، وانهم لن يفيقوا حتى يعذبوا بهذا العذاب .
سالته : وما هو شراب الشيطان هذا ؟
قال : الطمع .. ومعنى الطمع ان يمد المرء عينيه الى مال الآخرين يريد الاستيلاء عليه بانتزاعه منهم !
يقول الامام الصادق عليه السلام : «بلغني انه سئل كعب الاحبار ما الاصلح في الدين ، وما الافسد ؟ فقال : الاصلح الورع ، والافسد الطمع . فقال السائل : صدقت يا كعب الاحبار . والطمع خمر الشيطان يستقي بيده لخواصه ، فمن سكر منه لا يصحو الا في عذاب الله ، او مجاورة ساقيه ، ولو لم يكن في الطمع الا مشاراة الدين بالدنيا كان عظيما . قال الله عز وجل : «اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما اصبرهم على النار» (2)» (3) .
|
(1) النور : الآية 35 .
(2) البقرة : الآية 175 .
(3) بحار الانوار 70 / 169 ، الحديث 6 .
|
ويقول امير المؤمنين علي عليه السلام : «تفضل على من شئت فانت اميره ، واستغن عمن شئت فانت نظيره ، وافتقر الى من شئت فانت اسيره» (1) .
فالطمع يسلب الانسان الايمان وهو لا يدري ؛ ذلك ان الطمع يصنع هوة وفاصلة بين الانسان وربه ؛ لان المؤمن من يعتقد بخزائن الله التي تملأ السماوات والارض فكيف يمد عينه ويطمع عند الآخرين ؟
ثم ان الله سبحانه هو الرزاق الكريم ورزقه حلال طيب ، اما ما في ايدي الناس فقد اختلط غثه وسمينه ، طيبه ونتنه .
فالايمان لا ينسجم من الطمع ؛ لان الايمان يخلق عند الانسان طمأنينة بما عند الله وقناعة بما رزقه الله .
يقول الامام السجاد عليه السلام : «رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في ايدي الناس» (2) .
وقال الامام الصادق عليه السلام : «ما اقبح بالمؤمن ان تكون له رغبة تذله» (3) .
قال لي معلمي :
من يريد القربى من الله والاقتداء بالائمة الاطهار فلا يمدن عينيه الى ما في ايدي الناس .
فالطمع يذل الانسان ويفسده ، ويقضي على التوكل الذي هو سند الانسان الوحيد في هذه الدنيا وبغيره يفقد الانسان شعوره بالطمأنينة والاستقرار .
|
(1) بحار الانوار 70 / 169 ، القسم الثاني من الحديث 6 .
(2) بحار الانوار : الحديث 10 .
(3) المصدر المتقدم : 170 ، الحديث 8 .
|
|
القسوة
|
|
|
 |
اعرف شخصا من القسوة بحيث لو عذب الناس جميعا عذابا اليما حتى الموت لما تأثر لذلك ابدا .. وعندما تأملت في سيرته وسلوكه رأيته بهيئة حيوان كاسر قبيح المنظر .
وبلغ بي شعوري بالوحشة منه انني لو كنت جالسا في معبر عام ثم مر بالقرب مني لوليت منه فرارا ولملئت منه رعبا .
وصادف ان تسنم هذا الرجل منصبا في مباحث امن الدولة ، فكان يمارس تعذيب البشر ، ومات تحت يديه بعض الابرياء فيما كان مصير الآخرين السجن لمدة طويلة .
يقول استاذي في درس الاخلاق : ان قسوة القلب هي حجاب من الظلمة بحيث يعيق حركة الانسان نحو الكمال ولا يدعه يخطو خطوة واحدة ابدا .
يقول امير المؤمنين علي عليه السلام : «لمتان لمة من الشيطان ، ولمة من الملك ؛ فلمة الملك الرقة والفهم ، ولمة الشيطان السهو والقسوة» (1) .
وكان فيما ناجى الله عز وجل به موسى عليه السلام : «والقاسي القلب مني بعيد» (2) .
قال لي معلمي :
ان القسوة تنشأ بسبب بعض الاعمال اللانسانية ، والاعمال التي تؤدي الى
|
(1) بحار الانوار 70 / 397 ، الحديث 2 .
(2) المصدر المتقدم : 398 ، الحديث 3 .
|
اضمحلال وتفاؤل حس الرحمة والشفقة .
وقد قيل مثلا ان الصيد وقتل الحيوانات يولد حالة من القسوة ، اذ يفترض في الصيد ان يتجاوز المرء آلام الحيوان قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة .
وايضا قيل ان منصب القضاء والحكم قد يفرز حالة من القسوة لان القاضي مطالب بتجاوز ظاهرة بكاء وآهات افراد الاسرة التي حكم على ربها بالاعدام او بحكم آخر شديد ، وما الى ذلك من الامور التي تؤدي الى بروز القسوة في القلب .
ولذا فان تجاوز الالم الانساني والحيواني يؤدي شيئا فشيئا الى بروز القسوة في قلب الانسان ، وباشتداد القسوة تضعف احتمالات استعادة حس الشفقة والرحمة والعاطفة الانسانية النبيلة .
ولكن لو ان المرء وهو يقوم بهذه الاعمال ، كالصيد مثلا ، ويتأثر لآلام الحيوان الذي اصطاده غير ان وجود مبررات اخرى تدفعه الى ذلك كاشباع بعض الجياع وهم ايضا لهم آلامهم ، فان الآثار السلبية التي تنجم عن عملية الصيد تنتفي تماما ، ويحفظ الانسان بهذا عاطفته الانسانية .
وهذه المشاعر ، اعني التأثر لآلام الحيوان ، سوف تقلل من فكرة الصيد لبواعث ترفيهية .
فاذا كان قاضيا او حاكما ثم اراد اصدار حكم اعدام بحق انسان او القاءه في السجن ، فانه سيتأثر لما سيحل باسرة المحكوم بالاعدام او السجن ، لكنه في نفس الوقت سيفكر بآلام المجتمع والمعاناة التي يتسببها وجود احد المجرمين طليقا . وستكون التضحية بآلام مجموعة محدودة جدا من البشر من اجل حفظ سلامة واستقرار المجتمع ، وهو مجموعة كبيرة جدا ، امرا منطقيا ، وسيحتفظ القاضي وفق هذه المشاعر بانسانيته .
واضافة الى كل ذلك فان هذا الصياد او القاضي او الحاكم سيكون دقيقا في عمله وفي حالة خطأه مرة فان هذا الخطأ سيفجر في نفسه الالم ، ومن ثم العزم على عدم تكرار ما حصل من خطأ في المستقبل .
قال لي معلمي :
كان لي صديق في ايام الشباب يذهب احيانا للصيد في الصحراء قال لي يوما : لنذهب معا الى الصيد . قلت له : ان لي استاذا في الاخلاق يشرف علي ، ويجب ان اخذ اذنه في هذا الموضوع .
قال : لا بأس .
وذهبت الى استاذي لكنه لم يأذن لي وقال : لان صيد الحيوانات يؤدي الى القسوة ، والقسوة تبعد الانسان عن الله ، وهي حجاب كثيف ينزل على قلب الانسان . أفتريد ان تضيف الى حجبك حجابا آخر ؟!
بالطبع اطعت استاذي واعتذرت الى صديقي .
قال الصديق وهو يحدثني عن احدى رحلاته : انت تدري انني لا اذهب للصيد ترفيها . وقد اطلقت الرصاص مرة على حيوان واستقرت رصاصة في بطنه ، وظل يجري مسافة طويلة الى ان سقط على الارض ، وقد استغرقت في تتبع اثر الدماء فترة طويلة الى ان عثرت عليه ، وكان في الرمق الاخير ، فاستللت سكينا كانت معي وذبحته ليرتاح من الالم . وقتها بكيت من اجله ، لقد تعذب كثيرا وتألم ، ولمت نفسي لاني لم احسن التهديف واصابته في مكان مؤثر في الحال ، وعندما علمت انه انثى وحامل تألمت اكثر ، فربما اصابت الرصاصة الجنين ، ولم يكن في نيتي اصطياد حيوان بهذه الظروف .
وانقطعت عن الذهاب الى الصيد مدة حتى اضطرتني الاحوال الى ذلك .
قال لي معلمي :
قبل اعوام كان لي صديق ، وكان من الرحمة والشفقة بحيث لا يود الحاق الاذى حتى بالنملة ، وكم من مرة رأيته يطرد الذباب من حجرته ، ولم يستخدم وسائل مكافحة الذباب من مبيدات وغيرها .
ثم مرت اعوام رأيت فيها هذا الصديق العطوف والرحيم جدا قاضيا !
فاذا به يقول : الآن اصبحت مهما لا اشعر بالراحة حتى اصدر احكام الاعدام !
وكان الاولى به وبغيره الا يتحرج عن قتل ذبابة او يُقدم على اصدار الحكم
الاعدام ببرود قاتل وربما بتلذذ . فهذا تفريط وافراط ، وعلى المرء ان يسلك طريقا وسطا وان يكون متعادلا ومتزنا .
ومن يريد الكمال عليه الا يدع القسوة تلج قلبه ابدا ، ومن ولجت قلبه القسوة فعليه ان يتوسل باهل البيت ، ويحاول ان يتصور نفسه مكان الضحايا ويدرك آلامهم ويشارك الآخرين .
كما ان تلاوة سورة نوح في معالجة مرض القسوة نافع ان شاء الله .
|
الشهوة الجنسية
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
على المرء ان يكبح جماح الغريزة الجنسية ، ولا يعني هذا القضاء على هذه المنحة الالهية التي اودعها الخالق تبارك وتعالى في ذات البشر .
لان عملا كهذا يؤدي الى انقطاع النسل والحرمان من اكثر متع الدنيا لذة .
ومن هنا فان على المرء ان يجعل قيادة نفسه الى عقله ، وان يعزز ارادته لكي يتمكن العقل من السيطرة على الغريزة الجنسية ويجعلها في الطريق القويم .
ولان الشريعة عينت الحلال وشخصت الحرام ، فالعقل يقود الغريزة في مسالك الحلال بعيدا عن الحرام ، وعندها يلتذ الانسان ويشبع شهوته الجنسية ويستمر النسل .
قال لي معلمي :
كنت اعرف شابا اشتغل مدة في تزكية نفسه قال لي يوما : لقد نجحت في ضبط نفسي ، واستطعت الابتعاد بها عن الصفات الحيوانية ، لكني اخفقت في ضبط غريزتي الجنسية ، وقد جرتني مع الاسف الى المعصية والغفلة عن الله .
قلت له : اتعرف لماذا فشلت في ذلك ؟
قال : لا ، ولقد جئت اليك استمدك العون .
قلت له : ان فشلك يعود الى خطأ في رؤيتك لهذه الغريزة ، انك تتصورها صفة حيوانية يتوجب القضاء عليها تماما ، ليكن في علمك ان هذه الغريزة كلما قوت في ذات الانسان كان سليما معافى ، فهي كالبصر والشم والذوق وسائر الحواس ، فكلما كانت قوية كان الجسم صحيحا سليما .
وديننا لم يأمرنا بمحاربة غريزة الجنس والقضاء عليها . فكما انه ينبغي السيطرة على ابصارنا فلا نرى فيها الحرام ، واسماعنا نمنعها عن الاصغاء للحرام ، فكذا شهوة الجنس يتوجب السيطرة عليها فلا توقعنا في الحرام .
ولذا لو وقعت عين احد على حرام كالنظر الى غير المحارم فهل عليه ان يطمسها ؟ فكذا غريزة الجنس اذا اوقعته في حرام فلا ينبغي ان يقضي عليها ، وانما عليه ان يكبح جماحها ويسيطر عليها .
وكما ان الانسان يشكر الله سبحانه اذا منحه نعمة البصر الحاد فعليه ان يشكر الله عز وجل ؛ اذ منحه هذه الغريزة القوية والمطلوب منه هو ان لا يجعلها تجره الى الحرام .
من هنا فانك خاطئ لو اردت القضاء على شهوتك الجنسية ، فلا تقل اني اريد القضاء عليها وقل انما اريد تهذيبها ، وان تكون نفسي تحت قيادة عقلي ، وان غريزتي حرة ما دامت تتحرك في دائرة الحلال ، ولن اتعرض لها بالمنع الا في حالة تجاوزها حدودها الشرعية .
قال الشاب : الآن ادركت خطأي في القضاء على الشهوة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «النكاح سنتي ، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (1) .
قلت له : وما اكثر الروايات والاحاديث في الحض على الزواج والترغيب فيه ، ولو جمعتها لكانت كتابا مستقلا ، وكم من الروايات التي تنفر من العزوبية والاعراض عن الحياة الزوجية المشتركة التي تصل الى حد اعتبار منكرها منكرا لضرورات الدين .
ان طريق النجاح في تزكية النفس هو في اخضاعها لمنطق العقل ، ويكفي زجرها عن الحرام فلا تقع فيه ، ولذا قال الله سبحانه في صفات المؤمنين :
«والذين هم لفروجهم حافظون * الا على ازواجهم او ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين» (2) .
|
(1) بحار الانوار 100 / 220 ، الحديث 23 .
(2) المؤمنون : الآية 5 و 6 .
|
قال لي معلمي :
كان لي تلميذ من اهل العبادة ، وكان لا يقوى على كبح جماح شهوته الجنسية ، ومع انه متزوج فقد كان كثيرا ما يقع في الحرام ، وشيئا فشيئا بدأ يستسهل هذه المعصية ويعتبرها شيئا هينا ، ثم راح يتأمل في ما ورد من الاخبار حول ذلك ، فانتبه الى نفسه واصبح بحمد يتقزز من عمل الحرام .
يقول الامام الباقر عليه السلام : «ما عبد الله بشيء افضل من عفة بطن وفرج» (1) .
وقال عليه السلام : «ان افضل العبادة عفة البطن والفرج» (2) .
وقال سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم : «ثلاث اخافهن بعدي على امتي : الضلالة بعد المعرفة ، ومضلات الفتن ، وشهوة البطن والفرج» (3) .
وقال الامام الصادق عليه السلام : «برّوا آباءكم يبرّكم ابناؤكم ، وعفّوا عن نساء الناس تعفّ نساؤكم» (4) .
وروى انس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على اصحابه فقال : «من ضمن لي اثنين ضمنت له الجنة» .
فقال ابو هريرة : فداك ابي وامي يا رسول الله ، انا اضمنها لك ، ما هما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من ضمن لي ما بين لحييه ، وما بين رجليه ، ضمنت له الجنة» (5) .
|
(1) بحار الانوار 68 / 268 ، الحديث 1 .
(2) المصدر المتقدم : 269 ، الحديث 2 .
(3) المصدر المتقدم : 269 ، الحديث 5 .
(4) المصدر المتقدم : 270 ، الحديث 10 .
(5) المصدر المتقدم : 272 ، الحديث 18 .
|
|