|
|
قال : انا اقول الحقيقة ، انني اجد في الغيبة من اللذة ما لا اجده في غيرها !
كنت صامتا وهمي ان استفيد من الآخرين ، ولذا سألت ذلك الرجل الصالح الذي قال انه لن يختار ايّا من الذنوب قلت له : كيف وصلت الى هذه المرتبة فلا تجد في الذنوب لذة ؟
قال : اذا كان الانسان عبدا لله عز وجل وزالت عن روحه الحجب ووعى الضرر والنفع لادرك معنى الدعاء الذي جاء فيه : «اللهم ارنا الاشياء كما هي» (1) .
وفي هذه الحالة فانه يجتنب ما يضره ، سواء احله الله ام حرمه .
قلت : الموضوع الثاني الذي اردت سؤالك عنه هو لماذا اختار ذلك السيد الغيبة ووجد فيها لذة له وترك سائر الذنوب ؟!
قال : ارى من الافضل ان نشركه في الحديث حتى لا يكون في حديثنا غيبة له .
استدعيته الى زاوية في المجلس وجلسنا نحن الثلاثة لنتنحدث في هذا الموضوع .
قال الرجل بعد ان تجاذبنا اطراف الحديث : اظن ان علة ذلك هو ما لحقني من الاذى من الناس ، حتى تعقدت منهم فلا اجد اللذة الا باغتيابهم والبحث عن سقطاتهم وفضحهم .. اعرف ان هذا مرض روحي ، وكم اود ان اشفى منه .. انني اعتقد فيكما الاخلاص والمحبة ولذا اطلب منكما العون لي .
قال الرجل الصالح : عندي لك وصفتان فان عملت بهما نجوت .
الاولى : ان تعلم ان الاشرار من الناس ومنذ ان خلق الله آدم عليه السلام ينقمون على الانبياء والرسل والاولياء بل ، وينقمون حتى على الله عز وجل ، فانت لست وحدك في هذا الاذى من الناس .. والمؤممن ممتحن ، وان الله سبحانه يمنح بعده انشراح الصدر فلا يأبه لاذاهم .
وفي ايام درأستي كتب لي احدهم رسالة ملأها شتما وفحشا وسلمها الي بنفسه ، وقد استأت من ذلك كثيرا فلم اصبر وانطلقت الى المرحوم آية الله البروجردي وشكوت اليه ذلك واطلعته على الرسالة . فما كان جوابه الا ان نهض وجاء لي برزمة
من الرسائل وهي ملأى بالوقاحة ، ورأيت فيها ما انساني همي وغمي وادركت ان الانسان مهما تسامى فمن الممكن ان يكثر عداء الناس له .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : «المؤمن يعمل لله كأنه يراه فان لم يكن يرى الله فان الله يراه ، وان يعلم يقينا ان ما اصابه لم يكن ليخطئه ، وان ما اخطأه لم يكن ليصيبه» (1) .
قيل لابي عبد الله عليه السلام : «من اكرم الخلق على الله ؟ قال : من اذا اعطي شكر ، واذا ابتلي صبر» (2) .
فهل سلم الانبياء والاولياء من اذى الناس ، حتى الله سبحانه ما سلم من الاتهامات . وطبقا للقانون الطبيعي الذي يقول : (البلية اذا عمت هانت) يتحمل الانسان المؤمن الاذى ولا يتململ منه «وقد قيل لاحدهم من اين تعلمت الادب ؟ قال من عديمي الادب» . فهو يسعى لان يتحمل الناس بسعة صدر وطيب خاطر .
الثانية : ان تعلم ان الغيبة جهد العاجز ، وان المغتاب يقوم بعمل يشبه اكل الانسان لحم اخيه ميتا (3) .
والقرآن وصفها بهذا الوصف المقزز لما فيها من هتك حرمات الناس وفضحهم ، وتمزق العلاقات الاجتماعية وهدر لكرامة الناس واستشراء الحقد والضغينة بين المغتاب وضحايا الغيبة .
ومن اضرار الغيبة ان يخسر المرء حسناته فتصبح من نصيب ضحايا الغيبة .
يقول ابو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام : «من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه ، ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه ، ومن ذكره لما ليس فيه فقد بهته» (4) .
|
(1) بحار الانوار 70 / 173 .
(2) المصدر المتقدم : 184 ـ باب اليقين والصبر على الشدائد في الدين .
(3) «يا ايها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله ان الله تواب رحيم» الحجرات : الآية 12 .
(4) بحار الانوار 72 / 245 ، الحديث 6 .
|
|
حب الشهرة
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
لا ادري لماذا يحب البعض الشهرة بالرغم من الاضرار التي تلحقهم بسببها ، وغياب المنفعة من ورائها ؟!
انهم يحبون ان يكونوا معروفين بين الناس ، والاعجب من هذا ان بعضهم مفتونون بالشهرة الى حد يؤد ان يكون مشهورا ولو بالصيت السيء ، فهم يتباهون بمعروفيتهم بين الناس .
وهذا مرض ولا ريب .. مرض نفسي يجب علاجه خاصة لمن يريد السير الى الله وان يبلغ الحقيقة والحق .
ذات ليلة رأيت في عالم الاطياف نفسي في حضرة «بقية الله» روحي فداه ، وطلبت منه ان احظى بقربه .
قلت له : اريد ان اكون معك يا سيدي دائما .
قال لي : لا ، لانك اصبحت مشهورا ومعروفا بين الناس ، ولو اخذتك معي لحدثت ضجة بين الناس وتساءلوا : ماذا جرى لفلان ؟ وهذا لا ينسجم مع خطي ، ولو كنت في مثل زمان طفولتك غير مشهور بين الناس لاصطحبتك معي .
قال لي احد العلماء :
منذ بداية حياتي وانا لا اعمل عملا الا كان نصفه من اجل الشهرة .. اريد ان اكون معروفا يعرفني الناس ، والآن قد بلغت مرادي ادركت ان اسوأ الاشياء ان يكون الانسان معروفا مشهورا .. لان الانسان المشهور يخسر فيما يخسر حريته ... وسيقصده الناس بما لا يُحتمل ولا يطاق والاسوأ من كل هذا ان هذه الشهرة ستكون
سدا في طريق تكامله الروحي وسيرسّخ حب الجاه في نفسه .
ولذا اراد المرء ان يطوي طريق التكامل بحرية ، فعليه ان يبتعد عن حب الشهرة منذ شبابه ولا يدع للشهرة طريقا تسلكه اليه .
وقد قال الامام الصادق عليه السلام لمعروف الكرخي : «اقلل معارفك» (1) .
|
|
(1) مجمع البحرين : مادة «معروف الكرخي» .
|
|
الحسد
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
كان لي صديق يفوقني فضلا وقابلية وذاكرة وهنداما واخلاقا وثروة ، وخلاصة يفوقني في كل شيء .. وكنت ارافقه في كل محفل ومجلس ، ومن الطبيعي انه كان يشد اليه الانظار ، وهذا ما يضطرني الى احترامه ، ثم اكشتفت شيئا فشيئا مشاعر الحسد في نفسي تجاهه .
لهذا بدأت اقلل ثنائي له ومدحي اياه ، بل لو ان احدا مدحه امامي فاني اشعر بعدم الارتياح وهكذا كنت مدة من الزمن .
وتدريجيا بدأ الحب الذي كان في قلبيي تجاهه يستحيل الى عداء ، وبدأت لا اطيق رؤيته سعيدا فارغ البال ، بل واصبحت لا اطيق رؤيته على الاطلاق !
وهنا انتبهت الى انني مريض روحيا ، وانني اصبت بمرض يصعب علاجه هو مرض الحسد ..
وحزمت حقيبة السفر فورا ، وكان علي ان اطوي المسافات الطويلة الى حيث يقطن استاذي .
وعندما وصلت هناك عرضت عليه علتي فقال لي : حسنا فعلت لانك بادرت الى العلاج .. يتوجب عليك ان تمكث هنا ثلاثة ايام حتى اهيء لك وصفة العلاج .. فعلاجك يكمن في روايات اهل البيت في هذا المرض الخطير ساجمعها لك .
وها انا ساروي لك ما حدّثني به استاذي فقد تنفعك في حياتك الروحية .
ولا انسى ان اذكر لك انه حثني على الاكثار من قراءة سورة (الفلق) ، خاصة عندما اتقابل وجها لوجه مع صديقي المحسود ، وان ابادر الى تأييد مدح
المادحين له ، وان اشيد به باستمرار ، وان اتنزل له واتواضع في حضرته ..
وفي تلك الايام الثلاثة جمع لي باقة من احاديث اهل البيت من كتاب بحار الانوار اذكر لك بعضها :
1 ـ الامام الباقر عليه السلام : «ان الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» (1) .
2 ـ الامام الصادق عليه السلام : «آفة الدين الحسد والعجب والفخر» (2) .
3 ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قال الله عز وجل لموسى بن عمران : لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي ، ولا تمدن عينيك الى ذلك ، ولا تتبعه نفسك ، فان الحاسد ساخط لنعمي ، صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي ، ومن يك كذلك فلست منه وليس مني» (3) .
4 ـ لقمان الحكيم لابنه : «للحاسد ثلاثة علامات : يغتاب اذا غاب ، ويتملق اذا شهد ، ويشمت بالمصيبة» (4) .
5 ـ الصادق عليه السلام : «لا راحة لحسود» (5) .
6 ـ «ولا لحسود لذة» (6) .
7 ـ الامام علي عليه السلام : «صحة الجسد من قلة الحسد» (7) .
8 ـ «ما رأيت ظالما اشبه بمظلوم من الحاسد ؛ نفس دائم ، وقلب هائم ، وحزن لازم» (8) .
|
(1) بحار الانوار 70 / 237 ، الحديث 1 .
(2) المصدر المتقدم : 248 ، الحديث 5 .
(3) المصدر المتقدم : 249 ، الحديث 6 .
(4) المصدر المتقدم : 251 ، الحديث 11 .
(5) و(6) المصدر المتقدم 252 ، الحديث 12 .
(7) المصدر المتقدم 256 ، الحديث 28 .
(8) المصدر المتقدم : الحديث 29 .
|
9 ـ «يكفيك من الحاسد انه يغتم وقت سرورك» (1) .
10 ـ لقمان الحكيم لابنه : «اياك والحسد فانه يتبين فيك ولا يتبين في من تحسده» (2) .
ومضت الايام الثلاثة وشعرت انني استأصلت المرض من جذوره ، فقد هزتني احاديث اهل البيت ، واضاءت روحي المعذبة فعدت الى موطني معافي .
|
(1) بحار الانوار 70 / 256 ، القسم الخامس من الحديث .
(2) المصدر المتقدم : 257 ، الحديث 29 .
|
|
البخل
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
كنت معسرا في بداية حياتي ولاني فقير لا اعرف معنى التوكل ، فقد ابتليت بمرض البخل الخطير ..
كنت ولمدة لا اتصور نفسي بخيلا ، بل اعد ذلك قناعة وتدبيرا للمعاش ، ولهذا كنت ارفض الانفاق على اي احد ، وكنت اسعى في جمع النقود ليوم الحاجة والعوز .
ولكن ذات ليلة انتبهت الى ان مرض البخل مثل السرطان بدأ يستشري في كل وجودي ، وان جذوره بدات تكبّلني وتمنعني من ابداء قدرا من الجود والكرم والسخاء .
اصل القضية كانت تلك الليلة ، ليلة جمعة ، وكنت قد قرأت دعاء كميل وغمرتني حالة من البكاء .. رجوت الله العفو عن ذنوبي ، ورفع الحجب عن روحي لابلغ درجة الفناء في الله ، والوصول الى الكمال الروحي .
فجأة وقعت عيناي على قدر من النقود كنت قد عزلتها لطعام اليوم التالي من غداء وعشاء .
وكان هناك طالب حجرته قريبة من حجرتي ، فطرق علي الباب ، وعندما دخل الحجرة قال : انني بحاجة الى مبلغ من النقود ، وذكر لي نفس المبلغ الذي وضعته على الرف .
في البداية تصورت انه طمع بالمبلغ بعد ان وقعت عيناه على الرف ، وكان هذا سوء ظن مني ، وفي كل الاحوال لم يسمح لي البخل واعتذرت اليه قائلا : وانا ايضا
ليس عندي ما تحتاج من النقود ..
فغادر الحجرة دون ان ينبس بكلمة واحدة .. وقتها ادركت اني مصاب بمرض البخل ، وان هذا المرض قد يقضي علي ، ولذا بادرت في نفس الليلة الى مطالعة ما جاء عن البخل في كتاب بحار الانوار ، فاذا بي اواجه هذه الاحاديث :
الامام الصادق عليه السلام : «ان كان الخلف من الله عز وجل حقا فالبخل لماذا ؟!» (1) .
النبي الاكرم صلى الله عليه وسلم : «اقل الناس راحة البخيل» (2) .
الامام الصادق عليه السلام : «عجبت لمن يبخل بالدنيا وهي مقبلة عليه ، او يبخل بها وهي مدبرة عنه ، فلا الانفاق مع الاقبال يضره ، ولا الامساك مع الادبار ينفعه» (3) .
النبي الاكرم صلى الله عليه وسلم : «قال الله عز وجل : حرمت الجنة على المنان والبخيل والقتات» (4) .
النبي الاكرم صلى الله عليه وسلم : «ما محق الايمان محق الشح شيء» (5) .
«خصلتان لا تجتمعان في مسلم : البخل وسوء الخلق» (6) .
الصادق عليه السلام : «شاب سخي مرهق في الذنوب احب الى الله عز وجل من شيخ عابد بخيل» (7) .
امير المؤمنين علي عليه السلام : «البخل عار» (8) .
الصادق عليه السلام : «خياركم سمحاؤكم ، وشراركم بخلاؤكم ، ومن خالص البر بالاخوان
|
(1) بحار الانوار 70 / 300 ، الحديث 1 .
(2) المصدر المتقدم : الحديث 2 .
(3) المصدر المتقدم : الحديث 3 .
(4) المصدر المتقدم : 301 ، الحديث 6 .
(5) المصدر المتقدم : الحديث 8 .
(6) المصدر المتقدم : الحديث 9 .
(7) المصدر المقتدم : الحديث 34 .
(8) المصدر المتقدم : الحديث 36 .
|
السعي في حوائجهم» (1) .
الصادق عليه السلام : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، قريب من النار» (2) .
وعندما تأملت في هذه الروايات انتبهت الى نفسي ، واستغفرت الله عن كذبي على ذلك الطالب المحتاج .
وبكيت وتوسلت بـ «بقية الله» روحي فداه فلعل الله يشفيني من هذا المرض .
وشعرت بقوة تدفعني للنهوض ، وان آخذ النقود الى ذلك الطالب واعتذر اليه .
ثم تعلمت شيئا آخر انه كلما واجهت في حياتي معضلة انفقت في سبيل الله مما رزقني .
في البداية كان ذلك علي شاقا ولكن عزما في نفسي كان يدفعني للصراع مع هذا المرض .. ورحت انفق حتى في ايام العسر .. بحيث كنت ابيع بعض كتبي .
وقد لامني بعض الاصدقاء على ذلك وقالوا ان في هذا النفاق اشكال وانك تبسط يدك كل البسط ، والله سبحانه وتعالى يقول : «ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا» (3) .
غير اني كنت افعل ذلك من اجل اقتلاع البخل من جذوره ، وكما قيل في الامثال : «اُري نفسي الموت لترضى بالحمّى» .
ولا تظن اني فعلت ذلك من نفسي ، بل هو ما اشار علي فيه استاذي ، وكان قد اكد على انه اذا اردت معالجة مرض ما فقم بما يخالفه ويناقضه ؛ لان ذلك يعالج المرض من اساسه وينفي الصفة القبيحة من النفس .
وهكذا بقيت مستمرا على ذلك عدة شهور حتى شعرت بان ذرة من صفة البخل لم تبق في روحي ونفسي .. حتى انه اهداني احدهم مسبحة ثمينة جدا ، لكني
|
(1) بحار الانوار 70 / 301 ، الحديث 34 .
(2) المصدر المتقدم : الحديث 37 .
(3) الاسراء : الآية 29 .
|
وجهتها لولي من الاولياء لم تكن لديه مسبحة ، كما قمت بامتحان نفسي واختبارها فرأيت بحمد الله اني قد شفيت وعوفيت ، وان صفة البخل في نفسي استحالت الى سخاء .
ولا انسى ان اذكر لك انني طالما كنت انوح في الليالي ، واردد هذا الذكر : «اللهم قني شحّ نفسي» ( 1) .
وهذا الدعاء تعلمته من رواية تقول ان ابا قرة رأى الامام الصادق عليه السلام يطوف حول الكعبة في جوف الليل حتى الفجر ، وكان يردد «اللهم قني شح نفسي» ، وعندما سأله عن سر ذلك قال له الامام : «وهل هناك ما هو اسوأ من البخل في نفس الانسان وقد قال الله تعالى : «ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون» (2) .
|
( 1) تفسير البرهان ـ تفسير سورتي التغابن : الآية 16 ، والحشر : الآية 9 .
(2) الحشر : الآية 9 . التغابن : الآية 16 .
|
|
الخيانة
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
ذات يوم انقطع رسن حصان فدخل منزلا لاحد الاثرياء ، وكان هناك بيت زجاجي جُمعت فيه من الورود والازهار النادرة ، فعبث بها الحصان واكل بعضها وحطم مزهريات كثيرة ، وكنت حاضرا في المنزل ؛ اذ طلب مني صاحبه ان اتحدث في موضوع اخلاقي فقلت :
ان هذا الحيوان له صفة ، وهذه الصفة هي التي جعلته يعبث بالزهور ، ويأكل الورود ، وهذه الغريزة الحيوانية اودعها الله سبحانه فيه ، وفي الانسان ايضا وتدعى «غريزة جلب المنافع» .
وهذه الصفة يضبطها الدين ويسيطر عليها العقل ، فلا تتجاوز حدودها وحقوقها فيكون الانسان قد زكى نفسه من صفة حيوانية .
ولكن لو حصل العكس فتجاوزت هذه الصفة الحدود ، واعتدت على حقوق الآخرين حيث تدفع بالانسان بدافع جلب المنفعة ، فلا تفرق بين الحلال والحرام ، وما لها وما ليس لها اصبح الانسان خائنا في نظر العقلاء .
ويجب على الانسان الذي يروم السلوك الى الله ، وبلوغ مرحلة الفناء في الله ، ان يتخلص من هذه الصفة ويزكي نفسه منها .
وطريق العلاج من هذا المرض الروحي هو تعزير الايمان ، وان يعلم المرء ، ان الله سبحانه ورسوله والائمة الاطهار من آله والمؤمنين يرون اعماله ، والاحترام يوجب عليه الا يخون الله والرسول .
وان عليه ان يجعل هذه الآيات الكريمة وِرده الدائم من اجل مكافحة هذه الصفة
الحيوانية ! قال تعالى :
«وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» (1) .
وقوله تعالى : «ان ربك لبالمرصاد» (2) .
|
(1) التوبة : الآية 105 .
(2) الفجر : الآية 14 .
|
|
الحياء
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
الحياء هو امتناع الانسان عن الفحش في القول والعمل امام الناس ، وكذا احترام حقوق الآخرين ومراعاة الادب في حضورهم ، ومن ليست فيه هذه الحالات كان عديم الحياء .
فالذي لا يرعى حقوق الناس كان عديم الحياء ، والذي لا يرى لله وقارا هو عديم الحياء .
والمسلم من آمن بالله ورسوله ، وآمن ان الله ورسوله والمعصومين يشهدون اعماله ، بل وما يموج في خاطره ، فاذا كان كذلك ثم ارتكب عملا سيئا كان عديم الحياء .
امام الذي لا يستطيع استرداد حقه او الدفاع عن حقوق الآخرين فهو خجول ، والذي يتلعثم اذا تكلم ويرتبك اذا تحدث امام الآخرين فهو خجول وليس ذلك من الحياء .
قال لي معلمي :
ذات يوم كنت في مجلس ضم جمعا من العلماء وذوي الشأن ، وكانت مناسبة جعلتني احضر المجلس ذلك .
وكان من بين الحضار عالم اصغر الحاضرين سنا ، واكثرهم بهاءا واشراقا ، اقتربت منه لاعرف الصفة جعلته محلا لالطاف الله فبلغ من المهابة ما بلغها ؟
تعرفت عليه منذ سنوات وكان فيه من الصفات الطيبة الكثير ، ولكن اعظم ما فيه حياؤه .. هذا الحياء الذي حصنه من الوقوع في الذنوب وجعله موفقا
في رعاية الآداب الاجتماعية .
فلم يحدث ولو مرة واحدة ان ارتكب ما يخدش حياءه ، بل كان متساميا في علاقاته الاجتماعية وفي سلوكه بين الناس .
جلوسه كان جثوا على ركبتيه مركزا نظره في نقطة واحدة فلا يلتفت يمينا ولا شمالا .. في كفيه منديل ابيض ناصع البياض ، فاذا سعل او عطس وضع المنديل على فمه ليخفف ما استطاع من صوت سعاله وعطاسه .. وكان نظيفا جدا ..
فاذا تحدث ابتسم ونظر باحترام عميق الى من يتحدث اليه .
حتى الكلمات التي تخرج من فمه كانت محسوبة ومنتقاة بعناية ، فهو لا يلغو في حديثه .. لا يمزح كثيرا ولا يذكر انسانا بلقب سيء ، بل انه يضفي على محدثه القابا تدخل البهجة في قلبه .
يبادر في تحية من يصادفه ويفشي السلام ، يعني يسلم بصوت مرتفع . لا يحدق في وجه محدثيه ، وينطبق عليه وصف الفرزدق الشاعر للامام السجاد وقوله : يغضي حياء ويغضى من مهابته .. فلا يكلم الا حين يبتسم .
وكان لا يتخفف من حلته الرسمية امام اي انسان تدانى في منزلته الاجتماعية ؛ يعني انه يحترم انسانية الانسان لا مقامه ونفوذه الاجتماعي .
وسلوكه هذا اصبح ملكة من الملكات وعادة من العادات ، وطبعا من طباعه ما ارتكب شيئا خالف العرف فيه او خدش في مروءته ..
وقد وصل به الامر انه اذا سافر الى قرية او مدينة ولم يكن لديه اطلاع على آداب وعادات تلك القرية او المدينة سأل اهلها .
وكان ايمانه بالله رأسخا ، وقد منعه الحياء من خالقه وربه ان يعصيه او يرتكب ذنبا في حضرته مهما تضاءل في صغره . وحياؤه هذا جعلني اعتقد فيه الايمان الكامل ، ذلك ان حياء بهذه الدرجة لا يصدر الا عن ايمان كامل ، وقد جاء في الروايات عن الامام الصادق عليه السلام قوله : «الحياء من الايمان ، والايمان في الجنة» (1) .
|
|
(1) بحار الانوار 68 / 329 ، الحديث 1 .
|
«والحياء من الايمان» جملة طالما نجدها متكررة في الروايات بهذا المضمون ، فالذي لديه صفة الحياء ، يعني انه ينظر الى الله ببصيرة من قلبه فهو يرعى حدود الادب في رحاب الله .
ولهذا لم يكن يرتكب ذنبا لا في خلوة ولا امام الناس ؛ رحمه الله وحشره مع الاولياء والصالحين .
وها انا اقول لك ان استطعت ان يكون لك حياء كهذا الحياء فبادر اليه ولا تتأخر ؛ لانك بهذا تكون قد قطعت خطوة كبرى في طريق تزكية النفس .
|
|