لاداء الفريضة جماعة .
ومع انني كنت شابا ولكن كان لي استاذ يرفع الي في كل يوم علما ، وكان مما علمنيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وقوله : «التقوى ههنا» ، واشار الى القلب (1) . فاذا سمعتم احدا يقول هلك الناس فانه اسرعهم هلاكا .
انزعج من كلامي وقال : ان عيبكم ايها الطلبة هو كثر جدلكم . قال ذلك واعرض عني ... وكنت اذا صادفته يعرض عني .
وربما رأيته في المحافل العامة عابسا لكنه غاضب على الجميع .
وكان اذا تهامس الناس فيما بينهم وتجاذبوا اطراف الحديث قال بعصبية : هذا لغو والمؤمن مطالب بالاعراض عن اللغو .
وكان عليه ان يدرك ان الورع والتقوى ليست في ظهور آثار السجود على الجبين ، او في ملامح الوجه العابسة ، او في التعالي على الناس ، فالورع والتقوى في القلب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال لي معلمي :
قال لي سيد وقور ، وكنت اعرف له حسبا ونسبا وعلما وفضلا : انني فخور بحسبي ونسبي .
وكان بالقرب منا رجل جاهل ، فاراد الجاهل ان يعظه لانه تصور ان هذا السيد يتباهى وهو يزكي نفسه متكبرا على الآخرين ، فقال لذلك السيد الجليل : ان التفاخر بالاصل والنسب نوع من التكبر وهذا لا يليق بك .
شعرت بالالم من هذا الكلام وقلت له : انك سمعت بان التفاخر بالحسب والنسب تكبر ولكنك تجهل ان الانتساب الى النبي صلى الله عليه وسلم وامير المؤمنين يرفع الانسان درجة تؤهله للسعادة ، وهذا السيد لا يتباهى ، ولكنه يحدّث بنعمة الله «واما بنعمة ربك فحدث» (2) ، فالانتساب الى النبي وآله نعمة كبرى والحديث عن النعم مستحب .
|
(1) المحجة البيضاء 5 / 78 .
(2) الضحى : الآية 11 .
|
وقد روى الامام الصادق عليه السلام قال : «اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال : يا رسول الله ، انا فلان ابن فلان حتى عد تسعة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اما انك عاشرهم في النار» (1) .
فالتكبر هو نسبة الكبر الى الذات ، وهو ان كان ذاتيا عد عظيما وكبيرا ، واصطلاحا ولغة لا يقال لمن كان فيه هذا متكبرا .
قال لي معلمي :
النساء عادة يتباهين بجمالهن الظاهري ، وانا اعرف امرأة اجتازت كل الحجب ولكن لكونها جميلة جدا وتلفت انظار النساء في المحافل لشدة حسنها ، جعلها تتكبر وكانت هذه العفّة ، الحجاب الوحيد الذي تعاني منه .
ولذا فان من عوامل التكبر في الانسان هو جماله الظاهري ، ولو انه التفت الى ان الجمال نعمة من الله سبحانه حباه بها دون الآخرين ، وان هذه النعمة تستحق الشكر لادرك ان شكرها ما هو الا التواضع .
قال لي معلمي :
ذات يوم كنت اتوسل بـ «بقية الله» ارواحنا فداه في رفع الحجب المعنوية عن روحي وقلبي ، ثم انتبهت الى انني تصرفت بنوع من التكبر مع انسان فقير ، وشعرت ان الظلمة تملأ روحي وقلبي ، وادركت حينئذ ان ابتعادي عن الحقيقة كان بسبب ذلك .
من اجل هذا توسلت بالامام ووجوده المقدس في اضاءة هذه الظلمات بعد ان عاهدته على ان اكون متواضعا امام الفقراء .
روي عن الامامين الباقر والصادق عليهما السلام قولهما : «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر» (2) .
وعن الامام الصادق عليه السلام قوله : «ما من رجل تكبر الا لذلّة وجدها في نفسه» (3) .
|
(1) بحار الانوار 70 / 226 ، الحديث 19 .
(2) المصدر المتقدم : 215 ، الحديث 6 .
(3) المصدر المتقدم : 225 ، الحديث 17 .
|
وعنه عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من يستكبر يضعه الله» (1) .
قال لي معلمي :
كان لي استاذ على جانب كبير من الروحيات والمعنويات ، ولذا كنت اتخذه انا وجماعة مرشدا لنا وشيخا لطريقتنا ومعلما لنا ، ولاني كنت الاقرب اليه فقد تحلق مريديه حولي بعد وفاته رحمه الله وتصوروني خليفته ، وقد سررت لذلك . من اجل هذا كنت انطلق يوميا الى المكان الذي كان يجلس فيه واجلس بنفس الطريقة التي كان عليها واستقبل الناس واحدا واحدا بشيء من التكبر لاجيب عن اسئلتهم .
واستمر الوضع هكذا ، ولكن لاني اشتغلت مدة عند استاذي بتزكية نفسي لذا كانت نفسي اللوامة تعنفني كلما خلوت الى نفسي ، واكاد اسمع ما تقوله لي وتكرره علي : انت لا تليق بهذا المقام !
انت المريض وتريد ان تعالج الآخرين ؟!
كيف تريد تطهير نفوس الناس وانت ساقط في براثن التكبر ؟
اجل كانت تلومني باستمرار ، لكن نفسي الامارة بالسوء لم تكن تدع لي مجالا لاثوب الى رشدي .. كانت توسوس لي قائلة :
انت لم تسع الى هذا المقام ، لقد جاء بنفسه اليك وهذه فرصتك فاستغلها .. ربما لن تسنح لك فرصة غيرها في المستقبل وعندها لن تستطيع هداية الناس .
وكان الشيطان يلقي الي ويزين لي ما انا فيه ، كان يريد خداعي والا فانا اعرف بنفسي ، واعرف انني لست من اهل هذا المقام السامي .
وهكذا كان حالي ، كنت اتراجع روحيا يوما بعد آخر حتى عبادتي فقدت روحها . والاسوأ من كل هذا ان صفة التكبر بدأت تاخذ بخناق روحي وشيئا فشيئا كدت اصدق باني فوق الآخرين وافضل منهم . من حسن الحظ انفجر ذات ليلة بركان الحزن في ورحي ، وبدأت ابكي بمرارة ، ورأيت نفسي في صراع ونزاع ، كيف ازهد في هذا المقام ، وكيف يتأنى لي ان اجيب الله سبحانه غدا ، وقد جلست في مكان
|
|
(1) بحار الانوار 70 / 231 ، الحديث 23 .
|
هو ليس مكاني ، ومقام ليس مقامي ، فأضل واُضل جمعا من عباد الله !!
واخيرا قررت في اليوم التالي ان اذهب مع مريدي الى بستان في خارج المدينة ، وان اقوم باعمال ليس فيها خلاف للشريعة لكنها تنزل من شأني .
في البداية ظنوا انني اهدف الى تأديب نفسي ، وبقيت في نظرهم كما انا وليا لله ، ولكن استمراري في القيام بتلك الافعال جعلهم يشكون فيّ ، فافدت من هذه الفرصة وجلسنا في زاوية من زوايا البستان ورحت اتحدّث اليهم .. وجلسوا اليّ كما يجلس المريد الى معلمه وراحوا يصغون اليّ .
قلت لهم : اخوتي ، انكم لطيفين بي اذا تعدّوني افضل منكم ، وانّي لاشكر مودّتكم وحسن ظنكم . لكنّي اقسم بالله العظيم انّني لست اهلا لهذا المقام فاُعالج امراضكم الروحية ، ووالله لانتم افضل مني واسمى واكمل ، ولذا فانا اطلب منكم العون لاُعالج نفسي .
في البداية لم يصدقوا ولم يقتنعوا لكني بقيت اوضح لهم واقسم حتى آمنوا وصدقوا بما اقول .
وكان فيهم شخص اعرف فيه الفرأسة فاراد ان يستفيد من هذه التجربة فقال : والآن حدّثنا كيف اقنعت نفسك بالتخلي عن الكبر فارتضت التواضع ؟
قلت له : بالامس عنفتني نفسي اللوامة قالت : انك بهذه التصرفات تنازع رداء الله عز وجل .. ألم تسمع ما قاله الامام الباقر عليه السلام : «العز رداء الله ، والكبر ازاره ، فمن تناول شيئا منه اكبه الله في جهنم» (1) .
ثم قالت لي : لانت اذل واضعف حتى امام الشيطان ونفسك الامارة بالسوء ، فلم تستطع الاستقامة ، ومن لم يستطع الاستقامة فلا شان له ولا قيمة .
ثم ألم تسمع قول الله عز وجل : «قتل الانسان ما اكفره * منه اي شيء خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم اماته فاقبره» (2) .
|
(1) بحار الانوار 70 / 213 ، الحديث 3 .
(2) عبس : الآيات 17 ـ 21 .
|
وقول امير المؤمنين علي عليه السلام : «عجبت لابن آدم اوله نطفة ، وآخره جيفة ، وهو قائم بينهما وعاء للغائط ثم يتكبر» (1) .
ومن ذلك اليوم وانا افكر في مكافحة صفة التكبر من روحي ، والحمد لله اصبحت اتواضع كثيرا للناس ، يعني اكون اول من يبادر السلام والتحية ، ولا اسمح لاحد ان يقبّل يدي ، وكنت اطلب من الجميع الدعاء لي ، وانه لو لا عفو الله ورحمته لكنت من الخاسرين ، ومثل هذه الامور تقضي على نزعة التكبر .
|
|
(1) بحار الانوار 70 / 234 ، الحديث 33 .
|
|
الحب والاشتياق
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
ذات يوم جاء احد الطلبة من الذين امتلأت قلوبهم بحب الله ، رأيت وجهه مخطوف اللون ، وكانت ملامحه تكشف عن سهره ونعسه ، سألته : ما الذي حصل ؟ قال : منذ ليالي وانا استيقظ من النوم وقد نام الناس جميعا ، فتهمل عيناي دموعا وقد هاجني الشوق الى الله فانا مشغول بذكره .
قلت له : اي ذكر تكثر من ترديده ؟
قال : لا استطيع ذكر الحقيقة ، فانا اكاد اجن ، فمثلا اكرر مئات المرات : الله روحي ! الله روحي ! الله روحي ! فجأة ينتشر غبار امام عيني فارى كلمة روحي ترتسم بخط مضيء فتشع مدة حتى يغمى علي .
قلت له : روي عن الامام الصادق عليه السلام قوله : «كان فيما ناجى الله عز وجل به موسى بن عمران ان قال له : يابن عمران ، كذب من زعم انه يحبني فاذا جنه الليل نام عني ، اليس كل محب يحب خلوة حبيبه ؟ ها انا يابن عمران ...» (1) .
| اجل كيف ينام العاشق |
   |
والنوم على العشاق حرام |
وجاء في الاخبار عن داود النبي عليه السلام : «يا داود ، ابلغ اهل ارضي اني حبيب من احبني» (2) .
وقال الامام الصادق عليه السلام : «المشتاق لا يشتهي طعاما ، ولا يلتذ بشراب ، ولا يستطيب
|
(1) بحار الانوار 67 / 14 ، الحديث 2 .
(2) المصدر المتقدم : 26 ، الحديث 28 .
|
رقادا ، ولا يأنس حميما ، ولا يأوى دارا ، ولا يسكن عمرانا ، ولا يلبس لينا ، ولا يقر قرارا ، ويعبد الله ليلا ونهارا ، راجيا ان يصير الى ما اشتاق اليه ، ويناجيه بلسان شوقه معبرا عما في سريرته» (1) .
وقابلت رجلا آخر من اولياء الله فسألته : كيف انت مع حب الله ؟
قال : احبه كاقوى ما يكون .. اود لو ادور في الشوارع والازقة واهتف بحبه وادعو الناس الى حبه .
قلت : هذا عمل الانبياء فهم يدعون الناس الى حب الله .
قال : اننا انبياء اذا احببنا الله .
قلت : فما تصنع بهذا الشعر :
| من علّموه اسرار الحق |
  |
ختموه وخاطوا فمه (2) |
فسكت ولم ينبس بكلمة .. ثم رأيته بعد ايام فسألته عن حاله .
قال : منذ ايام وانا اطلب من الله ان يأخذني من هذه الدنيا . يحل عني القيود والاغلال ويمنحني لقاءه والعودة اليه (3) . ان حبي له يفقدني الصبر ، وما الدنيا الا اساس الغفلة والنسيان فهي تبعدني عن محبوبي .
قلت له : انت لم تنضج بعد وما يزال امامك الكثير في مدرسة العشق الالهي .
وقد روى الامام الصادق عليه السلام ، عن جده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن جبرئيل ، عن الله عز وجل قوله : «ما تحبب الي عبدي بشيء احب الي مما افترضته عليه» (4) .
وجاءني ذات يوم شاب وكان مغموما لانه لم يجعل كل حبه لله فيحبه وحده قال لي : ماذا افعل لكي اجعل كل حبي لله ؟
|
(1) بحار الانوار 67 / 24 ، الحديث 24 .
(2) من اشعار حافظ .
(3) « قل يا ايها الذين هادوا ان زعمتم انكم اولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت ان كنتم صادقين » الجمعة : الآية 6 .
(4) بحار الانوار 67 / 22 ، الحديث 21 .
|
فخطر في بالي قول الله عز وجل لداود : «احببني وحببني الى خلقي . قال يا رب ، نعم انا احبك فكيف احببك الى خلقك ؟ قال : اذكر ايادي عندهم فانك اذا ذكرت ذلك لهم احبوني» (1) .
هو الله الذي خلقنا من العدم ، وهو الذي ارسل الينا الانبياء معلمين ومرشدين ؛ هو الله الذي يحفظنا من شرور الدنيا ، وهو الذي نقصده في حاجاتنا ، وانزل الينا القرآن هدى ورحمة ، وهو الذي يعفو عن ذنوبنا وخطأيانا ووهبنا العقل والبصيرة فكيف يمكننا الا نحبه ونعشقه ؟
قال لي معلمي :
كثيرون سمعوا انني على اطلاع قليل في علم الاخلاق وتزكية النفس ، فكانوا يفدون علي ويطلبون مني الارشاد غير انني لا اجيب الا من اجد في قلبه الحب ، فالطريق الى الله طريق مليء بالاخطأر ، يتطلب الحركة واليقظة والصبر ، وطريق الكمال لا يسلكه الا العاشقون الوالهون .
ومحال على غير هؤلاء ان يبلغوا مقام اهل المعرفة ويكونوا من اولياء الله عز وجل ، ولقد جربت في حياتي ان اهل الحب حتى المجازي منه هم وحدهم الذين يسلكون طريق الكمال ، اما الذين يركنون الى حياة الدعة والراحة وليسوا من اهل العشق ، فانهم حتى لو كانوا من اهل العبادة فهمهم الراحة يوم المعاد ، فهم لا يحلون في قلوبهم هموم الكمال .
والعاشق المبتلى بالعشق المجازي ينطوي على صفة السلوك الكبرى ، لكنه لم يجد الذي يكشف له عن المحبوب الحقيقي ويرشده اليه ، فهو ينطوي على طاقة العشق لكنه يخطى في المصداق .
اما الذي لا تتوهج في اعماقه جذوة الحب ، فهو يفتقد هذه الصفة التي تضعه في طريق الحب الالهي .
ومن لا يجد في اعماقه جذوة الحب ، فهو لا يكترث لكل شيء حوله ، وهو في
|
|
(1) بحار الانوار 67 / 22 ، الحديث 19 .
|
الحقيقة جثة تتحرك بين الاحياء .
لفترة طويلة كان همي ان اقدم النصح لبعض الشبان وادعوهم لحب الله . وعندما كنت اسمع بشاب مبتلى بحب مجازي كنت اذهب على الفور وادعوه الى الحب الحقيقي .. ربما لا يسمع مني في البداية لكني استمر في دعوته الى ان يستجيب ..
والآن اصغ الى هاتين الحكايتين فهما تكشفان لك جانبا هاما من هذه المسألة .
حدثني احد الاولياء ـ وكنت قد تتلمذت على يديه سنوات ـ عن قصة وقعت له فقال :
ذكر لي والديّ انني ومنذ طفولتي كنت ودودا آنس بالناس جميعا وابدي لهم المحبة ، لكني لا اذكر الا ما حصل لي يوم كنت في التاسعة عشر من العمر .
غادرت مع والدي موطني متوجهين الى مشهد لزيارة المرقد الطاهر للامام علي الرضا عليه السلام .. جلس والديّ في المقاعد الامامية .
وعندما تحركت بنا السيارة صوب مشهد لتقطع المسافات الطويلة نهضت من مكاني مدفوعا بقوة الحب للناس ، ورحت ادور عليهم ملبيا حاجاتهم اجلب الماء لمن يريد الماء ، وقد يطلب احدهم من السائق شيئا فلا يبلغ صوته فاحمل رسالته اليه ، وهكذا لاي شيء يطلبونه ، وكانت هناك فتاة كقرص الشمس تشع بهاء وجمالا ، وكان وجهها المضيء يظهر تارة ويختفي اخرى خلف «الشادور» كشمس تحجبها الغيوم حينا ثم تشرق حينا آخر .
كانت تجلس خلفي ، وشدهت لشدة حسنها حتى انني احسست بان طاقة الحب التي انطوي عليها تتمركز كلها هنا خلف هذا الشادور .
ولكن ماذا بوسعي ان افعل غير الجلوس في مكاني والتفكير في وسيلة للتحدث اليها .. وبرقت في ذهني فكرة ان اسألها ما اذا كانت تحتاج شيئا ، وهذا ما فعلته ..
وكم سعدت عندما اجابت : نعم اريد قدحا من الماء لو سمحت .
وشعرت ان حبي لها يتضاعف وانا اسلمها القدح .. وشعرت بالدموع تتجمع في اعماقي ثم تتصاعد لتتفجر من عيني مدرارة .. لا اريد ان اشرح لك هنا لماذا يبكي العاشقون ، واي داء هو الحب ، وماذا يصنع بصاحبه ! يكفي ان اقول لك ان جميع
المسافرين ادركوا اني وقعت في حب تلك الفتاة ، من حسن الحظ اننا اقتربنا من مشهد .. وكنت لا انفك عن البكاء بصمت .
ادرك والديّ قصتي ، ولذا ارادا ان يصنعا لي خيرا ، فبدءا ينسجان علاقة مع والدي الفتاة . ومن حسن الحظ ايضا ان اسرة الفتاة تقطن مشهد ، ولذا دعتنا الاسرة الى منزلهم .
والذي حصل لي في الايام الاربعة الاولى ان وزني نقص خمسة اكيال .
كنت امضي الوقت من الصباح وحتى الغروب احوم حول منزلها ، وعندما آوي الى فراشي وبمجرد ان اغمض عيني تتجسم صورتها امامي فابكي .
في ليلة وصولنا الى مشهد ظللت في مرقد الامام الرضا ساهرا حتى الصباح .
وكنت قد صادفت والدي الفتاة في تلك الليلة ، فجددا الدعوة ، واكّدا على حضوري ، وقالا : اننا نحبك .
في الصباح ، وكان صباح الجمعة ، غلبني النعاس ، فغفوت ورأيت في عالم النوم شخصا لا اعرفه ، وكان قلبي اصبح مصباحا يضيء ، فاراد الشخص ان يوجه نور قلبي صوب السماء اعترضت ، وقلت : لماذا تفعل ذلك ؟
قال : من الحيف ان يشع باتجاه هذه الزاوية .
قال ذلك واشار الى نقطة ، فرأيت تلك الفتاة بنفس الهيئة التي كنت رأيتها في السيارة .
مرة اخرى اراد ان يوجه قلبي المضيء باتجاه السماء ، فطلبت منه الا يفعل ذلك .
في هذه المرة قال : دعني اوجه قلبك نحو السماوات ، فان لم يرق لك ذلك اعدته الى حالته الاولى .
قلت له بشدة : لست على استعداد ان تفعل ذلك لحظة واحدة ، انني اريده باتجاه هذه الفتاة .
لم يلتفت الي ولم يكترث ، وراح يوجه مصباح قلبي مستخدما قوته نحو السماء .. واتجه بصري باتجاه النقطة التي راح يشع اليها .. فجأة رأيت شيئا
لا استطيع وصفه رأيت الجمال المطلق والكمال المطلق ..
وشدهت بكل ذلك الجمال المدهش ساعات وانا انظر مأخوذا ، فطلبت منه ان يثبت اتجاه المصباح بحيث لا تتغير زاويته الى الابد .
وفعل ذلك وهو يقول : ان اردت ان يستمر الاشعاع فلا تغفل عن صلاة الليل !
وتوسل بـ (بقية الله) ، تحكم ببصرك ولا تعص ربك .
وما تراه اليوم من درجات الكمال التي بلغتها فبسبب اصغائي لنصح ذلك الشخص الذي رأيته في المنام .
حكاية اخرى :رأيت شخصا ومن فرط خلوّه من طاقة الحب اتصوره ميتا يمشي بين الاحياء . سألته : الا تحب شيئا في حياتك ؟ قال : كلا .. لم احب شيئا وام اتعلق بشيء ، احب فقط ان يساعدني الله وعباده .. العباد لتأمين دنياي ، وربي لتأمين حياتي في الآخرة .
وفي غير ذلك اكره جميع الاشياء .
قلت له : الناس يعدونك من العلماء ، واذا كان تفكيرك هذا صحيحا فما معنى هذه الروايات ؟
ورحت اروي له ما جاء في الاثر :
قال الامام الصادق عليه السلام : «المحب في الله محب لله ، والمحبوب في الله حبيب الله ، لانهما لا يتحابان الا في الله» (1) .
عن ابي عبد الله عليه السلام ، قال : «كان فيما ناجى الله عز وجل به موسى بن عمران عليه السلام ان قال له :
يابن عمران ، كذب من زعم انه يحبني فاذا جنه الليل نام عني ، اليس كل محب يحب خلوة حبيبه ؟ ها انا ذا يابن عمران ، مطلع على احبائي اذا جنهم الليل حولت ابصارهم من قلوبهم ، ومثلت عقوبتي بين اعينهم . يخاطبوني عن المشاهدة ويكلموني عن الحضور . يابن عمران ، هب لي من قلبك الخشوع ، ومن بدنك
|
|
(1) بحار الانوار 66 / 251 ، الحديث 30 .
|
الخضوع ، ومن عينك الدموع في ظلم الليل ، وادعني فانك تجدني قريبا مجيبا» (1) .
والى ذلك اشار الامام الرضا عليه السلام في قوله : «كن محبا لآل محمد ، وان كنت فاسقا ، ومحبا لمحبيهم وان كانوا فاسقين» (2) .
عندما ذكرت له هذه الاحاديث قال : ادع الله لي ان يقذف في قلبي الحب والعشق ، فالحب لا يباع في الاسواق .
وصدق الرجل وفي رأيي ان اسوأ الامراض الروحية ان يفقد الانسان الحب .
ذلك ان اسوأ الصفات واقبحها تجعل المرء يندفع الى ضدها ؛ اذ يدفعه في ذلك الحب ، فالمرء الذي يفتقد هذه الطاقة فمشكلته مستعصية ، ولعل الله ينجيه ان استغاث بـ «بقية الله ـ روحي وارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء . وكرامة هذا الامام لدى الله لأجل من ان توصف .
|
(1) بحار الانوار 79 / 14 .
(2) بحار الانوار 66 / 253 ، الحديث 33 .
|
|
ضيق الصدر وفقدان الانشراح
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
من الطاف الله عز وجل بعبده ان يهب الانشراح .. انشراح الصدر فيتحمل اذى الآخرين . وقد عد الله سبحانه انشراح الصدر من نعمه الكبرى فقال مخاطبا رسوله محمد صلى الله عليه وسلم : « ألم نشرح لك صدرك » (1) .
ولذا فان من الامراض التي ينبغي على السالك الى الله معالجتها هو فقدان الانشراح ، ومن يشرح الله صدره فانه لا يغتاب حيث الغيبة من الكبائر .
وغياب الانشراح مصدر لكثير من الامراض الروحية الاخرى .
قال لي معلمي :
ذات يوم كنت في مجلس ضم كثيرا من العلماء ، وكان الحديث ذا شجون ، وكان من بين الجالسين احد علماء النفس سأل اهل المجلس قائلا : لو ان الله سبحانه احل احد الذنوب والمعاصي وترك انتخاب هذا الذنب لكم فاي الذنب تختارون ؟
فقال كل واحد شيئا ، واجاب احد الاولياء قائلا : «انني لن اختار ايّا من الذنوب ابدا .. ذلك ان الانسان لو ادرك حقيقة المعصية وادرك مدى قبحها فانه لن يجد في نفسه الميل لارتكابها» .
ولم يجد كلام الرجل الصالح وقعا حسنا لدى الآخرين . قال آخر : انا اختار «الغيبة» فانا احب ان اغتاب الناس كثيرا ، فضحك منه بعض اهل المجلس وقالوا : أتترك الذنوب التي فيها اللذائذ وتختار الغيبة ؟!
|