بين يدي الاستاذ 110



الغل والعدوان

كان في محلتنا شاب معروف بالفحش والشقاوة ، حتى ان امه تقول اذا لم يتشاجر غلام مع احد فيضرب او يُضرب فانه لا يعود مسرورا الى البيت !
الناس جميعا يذمونه ، وذات يوم رأيت غلاما هذا ، وهو عرفني كما يبدو ، اقترب مني وحياني بطريقته . فجأة شعرت بأنه وقع في قلبي موقعا طيبا قلت له : لماذا لا تزورني يا غلام ؟
قال : كيف ازورك وانا من الفساق وانت عالم من العلماء .
قلت له : لماذا تفكر هكذا ، لنذهب الآن الى بيتي ونتحدث معا .
قال : لا يا سيدي .. دعني لحالي .. انك تتلطف معي وانا لا استحق ذلك .. ألم تسمع الناس ما يقولونه عني ؟!
قلت : ولكني اشعر تجاهك الآن بالحب ، وقد لا احب في هذه المحلة شخصا اكثر منك .
عندما سمع مني ذلك رأيت حبات العرق على جبينه وقال : شكرا لك ولكني .. الا تدري مقدار اذيتي للناس ؟!
ألم تسمع بمشاجراتي كل يوم .. وانني سجنت بسبب اشهاري السكين عدة مرات ؟!
قلت : كل شيء قابل للاصلاح .. هذه الامور ليست شيئا ذا بال .. كما ان فيك صفات طيبة وانا احبك من اجلها .
قال : واية صفة طيبة في وانا لا ادري بها ؟!
قلت : وهذه صفة طيبة الا يعلم المرء ان في نفسه صفة طيبة .

بين يدي الاستاذ 111


ويرى نفسه عاصيا مذنبا هذا اولا ، وثانيا ان من الرجولة والشهامة الا يكذب المرء .
وتلقى «غلام» كلماتي بارتياح ؛ نسيت ان اقول اننا كنا نتحدث ونحن في طريقنا الى المنزل .
وعندما وصلنا امتنع عن الدخول فقلت له : من اجل محبتي لك اترك ما انت عليه من شقاوة !
قال : انا لا احب ان اكون كذلك ، ولكني اعتدت هذا السلوك .. لا استطيع ضبط اعصابي عندما يواجهني شيء لا ارتاح له . كم من مرة قررت ان اغير مسلكي لكن لا فائدة .
قلت له : عندي لك برنامج يساعدك على الخلاص مما انت فيه .. اعرف انك شهم ، وان ارادتك ستكون اقوى في الوفاء عندما تعد احدا .. انا اطلب منك ان تعمل بكل ما اقول !
قال : سمعا وطاعة يا سيدي انني افديك بروحي !
قلت له : غلام ! عندما تثور لامر ما واردت ان تتشاجر مع احد ، فان كنت واقفا فاجلس ، وان كنت جالسا فانهض ، وعندها فكر بالشجار .
قال : حاضر .
قلت : انني آمرك بشيء ، وهو كلما اردت تفحش على احد صل على محمد وآله اولا ثم افحش .
قال : حاضر .
قلت : وامر آخر ، عليك ان تنظر الى كل من تعاديه وتفكر في نفسك ان هذا الشخص من مخلوقات الله سبحانه .
قال : حاضر .
عندما ودعني كنت متأكدا بانه سوف ينفذ ما قلت له ، كنت متأكدا من شهامته . مضت ثلاثة ايام ثم جاءني قائلا : لم استطع ان اتشاجر مع احد لقد نفذت كل ما طلبته مني لكني اشعر بانني سأنفجر .. لهذا جئت لالغاء العهد !

بين يدي الاستاذ 112


قلت له : اجلس ونفس عما يموج في صدرك ؛ اشتمني كما تحب حتى تستريح .. انت شهم يا غلام ، فلا تسيء الى شهامتك .
قال : اقطع لساني اذا شتمتك يا سيدي .. سمعا وطاعة ان عهدنا كما هو ..
قال ذلك ونهض .. ومضت ايام ثم جاء مرة اخرى وقال : لقد اصبحت اضحوكة الاصدقاء .. انهم يؤذونني فاذا شعرت بالغضب جلست لحظة ، فيضحكون مني . وانا ايضا اصبحت اضحك من نفسي ، ان اعصابي اصبحت باردة .. لم اعد اثور اذا شعرت بالغضب . بالامس اردت ان افحش لكني صليت على النبي وآله بصوت خافت .. خاصة لانه من ذرية فاطمة فشعرت بالخجل كيف اصلي على النبي واشتم ذريته .
سكت لحظة واستطرد قائلا : ان تعليماتك يا سيدي تسبب لي العناء .. لكني اشعر الآن بانني تخلصت من عاداتي بنسبة خمسين بالمئة !
قلت له : تعال معي اذن لاشرح لك اي العادات السيئة نجوت منها .. الله سبحانه يقول في كتابه الكريم : «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» (1) .
ويقول تعالى : «ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا» (2) .
وعن الامام الرضا ، عن آبائه ، قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اياكم ومشاجرة الناس فانها تظهر الغرة ، وتدفن العزة» (3) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لم يزل جبرئيل ينهاني عن ملاحات الرجال كما ينهاني عن شرب الخمر وعبادة الاوثان» (4) .
وعن الامام الباقر ، عن آبائه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من كثر همه سقم بدنه ، ومن ساء خلقه عذب نفسه ، ومن لاحن الرجال سقطت مروءته ، وذهبت كرامته» (5) .
وقال الامام الصادق عليه السلام : «لا يكون المؤمن فحاشا» .
(1) الانفال : الآية 46 .
(2) الحشر : الآية 10 .
(3) بحار الانوار 72 / 210 ، الحديث 3 .
(4) و (5) المصدر المتقدم : الحديث 4 .
بين يدي الاستاذ 113



القسوة والحب

قال لي معلمي :
سنوات وانا اتمنى بلوغ الكمال الروحي ، لكني لم اكن اعرف ماذا افعل ؟ خاصة وانني اتصور حجابا في نفسي يعذبني ، وهذا الحجاب هو القسوة ازاء الناس ، فلم يكن في قلبي حب للناس .. وهذه الصفة اللانسانية كانت تعذبني .
لقد سمعت قصصا في حياة المرحوم «حسن مدرس» خاصة يوم اطلقوا عليه النار في اصفهان في مدرسة «جدة بزرك» ، والقي القبض على الفاعلين ، وجاءوا بهم الى السيد ، فقال لهم : اهربوا الآن قبل ان تقعوا بايدي الشرطة وقد يؤذونكم .. انتم لستم مقصرين ، اعدائي خدعوكم ، وانتم لا تعرفونني .
هذه القصة هزت وجداني وقصص غيرها في حياة الائمة الاطهار ، خاصة قصة امير المؤمنين علي عليه السلام مع قاتله ابن ملجم ؛ اشعرتني هذه القصص بالنقص الذي اعاني منه .. ان في داخلي صفة حيوانية يجب ان اتخلص منها ..
ان على الانسان ان يحب ابناء نوعه .. ان يساعد الناس ، وقد قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : «من اصبح ولم يهتم بامور المسلمين فليس منهم» (1) .
الحيوانات هي المخلوقات التي لا تفكر الا في نفسها ، اما الانسان فانه مسؤول امام ابناء نوعه .. عليه ان يكون متسامحا معهم يؤثرهم على نفسه ، ويضحي من اجلهم .. ويعاني من اجل ان يعيش الناس في راحة ودعة ، وان يكون في خدمة مجتمعه وامته .
(1) بحار الانوار 71 / 337 ، الحديث 116 .
بين يدي الاستاذ 114


ولذا ومن اجل معالجة هذا المرض الروحي عاهدت نفسي على تلاوة سورة الدهر اربعين صباحا .. انني لم اجد في الروايات شيئا يوحي بهذا ، ولكني اعلم ان من يقرأ قدرا من آيات القرآن الكريم لقضاء حاجة قضيت له (1) .
كما ان سورة الدهر بالذات تبين كرامة اهل البيت وايثارهم ، ومن البديهي ان يكون لها تأثير ورحي ، وعلاوة على ذلك كنت اسألل الله بعد تلاوتها واقسم عليه بحق اهل البيت ان يشفيني منهذا المرض الروحي وان يطهر روحي منه .
حتى جاء يوم كنت قد غفوت بعد تناولي طعام الغداء ، فرأيت سيدا وقورا في هيئة العالم ، اقترب مني وفصد ظهري واخرج منه عروقه وما اسودّ ونبذه بعيدا ، واحسست بالراحة ، وان قلبي مغمور بالحنان ، لكني لم اعرف من يكون ذلك السيد الوقور .
في اليوم التالي جاءني سيد كانه السيد الذي رأيته في المنام وطلب مني ان اقضي له حاجة ، وكانت حاجته تسبب لي مشكلة ، فحاولت ان اعتذر له كعادتي لكنه وعظني بجملتين او ثلاث ونصحني في التخلص من تلك الصفة .. تذكرت حلم اليوم الفائت وتدفق في قلبي حنان وحب ، فنهضت لحل مشكلته وقد سهل الله ذلك ، فله الحمد .
ومن يومها وانا اسعى في قضاء حوائج الناس وكنت احب المؤمنين اكثر من نفسي ، واوقفت حياتي من اجل خدمة الناس .
(1) قال الامام الحسن بن علي عليه السلام : «من قرأ القرآن كانت له دعوة مجابة ، اما معجلة واما مؤجلة» بحار الانوار 89 / 204 ، الحديث 31 .
بين يدي الاستاذ 115



العجلة

قال لي معلمي :
في مطلع شبابي كنت عجولا ، اي كنت ابادر في القيام بعمل ما قبل حلول وقته المناسب ، كما كنت اتلهّف لان ينجز لي عمل ما قبل وقته الطبيعي ، ومن الطبيعي ان يصاب انسان كهذا بالغم والهم ، كما ان الاعمال لن تكون الا ناقصة .. فيخونه صبره ، ولا يقوى على انجاز عمل صحيح . وعلي ان اوضح هنا ان معنى العجلة بانه المبادرة الى انجاز عمل ما قبل وقته المناسب .
وعلى هذا فان العجلة في انجاز اعمال الخير ليست عجلة ، وانما هو استباق محمود ، وقد قال الله سبحانه وتعالى : «فاستبقوا الخيرات» (1) .
اما العجلة فهي انجاز عمل قبل اوانه ، كقطف الثمار قبل نضوجها ، وتناول الطعام ولما يبرد بعد ، واداء الصلاة قبل حلول وقتها ، فهناك اعمال ترتبط بوقت محدد .
قال لي معلمي :
كانت هذه الحالة الروحية تعذبني في اوائل شبابي ، وكم اديت من طقوس العبادة من صلاة وصيام ودعاء ، بالطبع دون الاستعانة باستاذ ، لكن دون جدوى ، لاني ادركت انه لا ينبغي العجلة حتى في معالجة هذا المرض النفسي .. وكان علي ان اتبع منهج المحاسبة والمراقبة للنفس شيئا فشيئا ، وبتأن وهدوء وتعلمت ذلك من رجل في مكلة ليلة عرفة وكان رجلا صالحا .
كان يوم الثامن من ذي الحجة الحرام ، وكانت الشمس تجنح للمغيب ، واكثر
(1) البقرة : الآية 148 .
بين يدي الاستاذ 116

الحجاج انطلقوا الى عرفات ، كنت في زاوية من المسجد الحرام وقد اخذني النوم من شدة التعب .
فجأة استيقظت من النوم ، وكنت مرتبكا من فرط عجلتي للذهاب الى عرفات ، ويحسبني من رآني في حالة غير عادية ؛ لانني كنت ابحث عن واسطة نقل تأخذني الى ذلك المكان الزاخر بالمعاني .
فجأة وقع بصري على رجل في وجهه سيماء الاولياء ، وكان يتصرف بوقار وهدوء وتغمره السكينة ، كان يتجه الى المسجد الحرام لاداء الصلاة .. قلت له : الا تذهب للوقوف في عرفات ؟
قال لي وكأنه عرف مرضي : لا تعجل ! نذهب غدا في الصباح .
سحبت يدي من يديه لانني اظن نفسي قد تأخرت قلت : كل الحجاج ذهبوا .
قال لي بهدوء : انهم ذهبوا ليخلو امامنا الطريق ، وسنذهب في الصباح في راحة .
قال ذلك وتوقف يعظني للحظات ، وكان ما قال لي : لنفترض انك تريد الذهاب الآن فقف على جانب الطريق وانتظر السيارة ولا داعي للاضطراب .
سكت لحظة ثم استطرد :
والآن لنذهب الى المسجد الحرام لنصلي العشاءين وبعد ذلك نقرر .
قلت : اخشى الا نصل الموقف في عرفات .
قال : انها خمسة عشر كيلومترا لا اكثر فحتى لو ذهبت مشيا فانك ستقطع هذه المسافة اكثر من مرة قبل الظهر .
وحقا ما قال لان الواجب هو الوقوف في عرفات ، يعني ان على الحجاج ان يتواجدوا في صحراء عرفات في التاسع من ذي الحجة من الظهر الى الغروب .
وما تحرك القوافل في يوم الثامن من ذي الحجة الا تجنبا للازدحام الذي يسبب اذى للحجاج كثيرا .
وعلى كل حال عدنا الى المسجد الحرام وادينا العشاءين ، وقال لي بعد الصلاة : لنذهب الآن لنتناول الطعام في مكان اعرفه .
ذهبت معه لاني احببت مصاحبته ووجدت في احاديثه متعة .

بين يدي الاستاذ 117


قال لي بعد ان تناولنا غذاءنا : انها ليلة عرفة ، فدعنا نبيت في المسجد الحرام .
قلت له : وماذا عن عرفات ؟
فقال لي : انا ايضا اؤدي مناسك الحج فاصنع ما اصنع انا .
وافقت على ذلك دون ان ابدي رايا .
امضينا ليلتنا هناك ، وادينا صلاة الصبح ، طبعا اكتسبت طول تلك المدة قدرا من الهدوء ، ولكن الرجل الصالح عاد الى محل اقامته لينام ، وكان قد قال لي : استرح انت ايضا .
وهنا شعرت بالامتعاض . قلت له : ماذا لو غلبنا النوم ولم نصل الموقف ؟
قال : سوف استيقظ في الساعة الثامنة باذن الله وسنذهب في التاسعة ، وانت بهذه العجلة التي عندك . اما انه لن تنام او لن يغلبك النوم ، فلماذا لا تستريح قليلا ؟
لم اقل شيئا ، فمضى هو لينام ، اما انا ومع اني لم اذق طعم النوم في الليلة الفائتة فلم انم ، وكنت انظر الى الساعة باستمرار مترقبا حلول الساعة الثامنة ..
بقيت دقائق معدودة ليؤشر عقرب الساعة على الثامنة ، وفي تلك اللحظات استيقظ الرجل الصالح ، واخذني الى المسجد الحرام مرة اخرى ، وهناك ادى ركعتين بطمأنينة تامة ، ثم ارتدينا رداء الاحرام وانحدرنا الى الطريق .
كانت السيارات تترى تحمل المسافرين الى عرفات .
استقلنا سيارة قطعت الطريق في ساعة ونصف . وما تزال هناك ساعتان لبدء الوقوف ، وعندما وصلنا قال : هذه صحراء عرفات هنا ينبغي ان تعرف الحقائق ، وانني اوصيك في هذا المكان واقول لك لا تعجل ، ففي العجلة يضيع الوقت ولا ينجز العمل تاما ، وان العجلة من الشيطان ، فمن كانت فيه هذه الصفة ففيه شيطان .
وها انا انصحك ان تتوسل بـ «بقية الله» ، وهو حاضر هنا لا شك في ذلك ، وتطلب منه ان يخلصك من هذا المرض .
فروض نفسك ، وتعلم الا تقوم بعمل قبل اوانه ، وعليك ان تعلم بان ذلك لن يحصل دفعة واحدة وانما تدريجيا .
شكرته وعملت بنصائحه ودعوت الله سبحانه ان يشفيني .

بين يدي الاستاذ 118



الكبر والاعجاب بالذات

قال لي معلمي :
كنت مستغرقا في قراءة الزيارة في حرم السيدة فاطمة المعصومة ، فجاءني رجل من الذين يعتبرون انفسهم من اولياء الله ، وكان في يده كتاب المفاتيح ، ولاني كنت احسن الظن به نهضت له وسلمت عليه وهو ايضا اجاب سلامي ، لكني عندما نظرت اليه احسست بان اعماقي تظلم وودت الفرار منه . وفي الاثناء خامرني شعور ان يكون موقفي هذا وسوسة من الشيطان ، فقلت في نفسي على المرء الا يسيء الظن . فجلس الى جانبي وما زلت غير مرتاح من جانبه ، ولم اكن اريد النظر اليه لحظة واحدة . قلت في نفسي : ما دمت في صدد معالجة امراضي الروحية فلتكن هذه تجربة لي ، فهل انا مريض روحيا ام هو ينطوي على احدى الصفات الروحية القبيحة لكي انفر منه ؟
وعلى كل حال اجبرت نفسي في الحديث معه ، فتحدثنا قليلا عن درجات الكمال ومراتبه ، وكان يعتقد في نفسه بانه طوى جميع مراتب الكمال !
وقال لي في معرض كلامه : لا يعني ان يكون المرء من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم لكي يحوز جميع هذه الفضائل التي ذكرتها .
قال لي ايضا : ان الانسان ما لم يعبد الله فانه لا يعرف العبودية ، وانه لا قيمة له عند الله ما لم يؤد النوافل ما امكنه .
وقال لي : ان الكمالات الروحية تعني اداء الواجبات وترك المحرمات ، كما وضح لي ذلك بالامثلة المفصلة ..
لكنه كان في كل حديثه متكبرا متعاليا ، وكنت مجبرا على استماع حديثه

بين يدي الاستاذ 119

ولا انبس بكلمة واحدة .. ثم وجدت نفسي مضطرا لان اسأله : لو ان شخصا لديه صفات حيوانية ولكنه كان يؤدي واجباته ويترك المحرمات فهل انه يكون قد بلغ الكمالات الروحية ؟
قال : انتم المعمّمين لا يمكن الحديث معكم ، كلما قلنا شيئا اشكلتم علينا .. ان الانسان الذي لا يؤدي واجباته ولا يجتنب المحرمات فهو حيوان .
قلت : اوافقك على هذا ولكن اذا كان هناك من يؤدي الواجبات ويبتعد عن المحرمات ولكن في سيرته صفات الحيوانية ، فهل يكون قد وصل الكمال الروحي ؟
قال : آه كم انتم جهلة .
ثم اشاح بوجهه عني وقال : كان عليك الا تدرس فلا تظهر عندك هذه الحجب فلا تدرك موضوعا واضحا كهذا ، وهنا التفتُّ الى ان هذا المسكين مصاب بمرض الكبر والاعجاب بالنفس والانانية ، فهو في جهل مركب وعلي ان ابتعد عنه ، لان افرادا مثل هؤلاء لا يمكن اصلاحهم بل انهم يشكلون خطرا على الاسوياء .
قال لي معلمي :
ذات يوم ومن اجل الاطلاع على حياة من اتصل بالامام المهدي في غيبته الكبرى رحت اطالع في كتاب «النجم الثاقب» ، فقال لي شخص كان مغرورا بما تعلمه من الفلسفة : انت بهذه المنزلة من العلم والدرأسة من العيب عليك ان تطالع مثل هذه المسائل وتصدقها .
قلت : يعني انت تحتمل وضعها من قِبل المرحوم الحاج نوري ، وهو من تعرف منزلته ومقامه العلمي والروحي ؟!
قال : انني لا اؤمن بهذه المواضيع كيف لنا ونحن بهذه المنزلة من العلم ولا نرى الامام ، بينما يراه البقالون والحمالون والاميون مثل «الحاج علي البغدادي» و«اسماعيل الهرقلي» و«علي بن مهزيار الاهوازي» .
وكان جواب سؤاله هذا واضحا ، ولذا اعرضت عن الجواب ، لكني انتبهت الى ان اكثر الحجب خطورة هو الاعجاب بالذات والتكبر ، فمهما وصل الانسان من درجة فهو يبقى بالنسبة الى الله فقيرا ومحتاجا ، ولا يمكن ان يعد نفسه غنيا مهما

بين يدي الاستاذ 120

كان ؛ ذلك ان الله سبحانه يقول : «انتم الفقراء» (1) .
ان من يدرك حقيقة العبادة والاعمال والقوانين الالهية ، سيكتشف ان نتيجة كل ذلك شيئان : اولهما ان الله هو العظيم والغني ، وان الانسان محتاج وفقير ، وهو لا شيء بالنسبة الى الله .
ولذا فان ذرة واحدة من مشاعر التكبر والاعجاب بالذات يعني ان هذا الانسان لم يصل بعد الى حقيقة العبودية ، وانه يعاني من اسوأ الحجب التي تبعده من الله .
وان علاج مثل هذا المرض يكمن في التأمل في فلسفة العبادة وادراك حقيقة العبودية وتزكية النفس من الانانية .
يروي الامام الرضا ، عن آبائه ، عن الامام علي بن ابي طالب عليه السلام قوله : «وحسبك من الجهل ان تعجب بعلمك» (2) .
ويقول الامام الصادق عليه السلام : «لا جهل اضر من العجب» (3) .
ويقول الامام علي عليه السلام : «اعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله» (4) .
قال لي معلمي :
في يوم الاحد الذي هو يوم امير المؤمنين ، كما جاء في الروايات ، وفي الساعة الاولى منه ، وطبقا لبعض الاحاديث (5) كنت مشغولا بزيارته ، فجأة وكما لو اني استغرقت في النوم ، او الافضل ان اقول انني لا ادري نفسي في اية حال الا رأيت حجبا تنزاح عن عيني ، واني ارى جمعا من الناس مثل النمل يسحقون تحت اقدام الآخرين ، خاصة ذلك الرجل الذي اعرفه وكان مصاب بمرض التكبر والغطرسة ، كان يمشي بطريقة عجيبة !
رجله فوق عاتقه ، ويتقلّع في المشي سألته : ماذا جرى عليك حتى تكون بهذه
(1) فاطر : الآية 15 .
(2) وسائل الشيعة 1 / 29 .
(3) بحار الانوار 72 / 315 .
(4) وسائل الشيعة 1 / 75 .
(5) جمال الاسبوع ـ ابن طاووس ، عن ابن بابويه .
بين يدي الاستاذ 121

الصورة ، وما الذي دعاك لمغادرة مكانك لكي يدوسون عليك ؟ رفع رأسه بكبرياء وغرور ونظر الي بغطرسة ، وقال لي : لم اخرج لكي ارى التافهين من امثالك ، انتم تسيئون الى سمعة البلد .. نحن وحدنا يحق لنا التجوال في شوارع البلاد وازقتها .. نحن الرجال المحترمون يحق لنا ذلك !
افقت وعدت الى حالتي الاولى ، وصادف انني ذهبت الى مرقد الامام الرضا فرأيت ذلك الرجل في احد الازقة ، فنظر الي بكبرياء وقال لرفيقه الذي كان يساعده على المشي : مادام هؤلاء في البلاد فليس لنا نصيب في الحضارة والتقدم .
في اليوم التالي سألت رفيقه الذي كان معه : لماذا كنت تساعده على المشي ، هل كان مريضا لا سمح الله ؟
قال : كلا لكنه شرب كثيرا في الليلة الماضية ، وعندما عاد الى منزله لم تكن زوجته وابناؤه في البيت ، ولم يكن معه مفتاح البيت ، فاضطر للجلوس في الزقاق .. فجاءه بعض شباب المحلة وكانوا يكرهونه بسبب اذاه لهم ، وانهالوا عليه ضربا مبرحا حتى ازرق جلده ، وربما كسرت عضده ، فاخذته الى الطبيب لاجراء الفحوصات ، وترى ما حصل له .
وهنا تذكرت حديثا مرويا عن الامام الصادق عليه السلام يقول فيه : «ان المتكبرين يجعلون في صور الذر يتوطأهم الناس حتى يفرغ الله من الحساب» (1) .
قال لي معلمي :
كان لاحد الاولياء بصيرة ، وكان يرى بعض الناس في حقيقة سلوكهم ، اخبرني مرة : انه رأى احد علماء الحوزة واساتذتها الكبار في هيئة حيوان مفترس تقدم مني فخفت في البداية منه ، ولكنه راح يتضاءل ويتضاءل حتى خفت ان ادوسه بقدمي .. ثم افقت من تلك الحالة ، ورأيته في هيئته العادية ، وكان ينظر الي متكبرا ، وينتظر ان ابداه بالتحية فقلت له : ما هي مرتبتك التي تتكبر بها على الآخرين ؟ اذا كان ذلك بسبب مقامك وتنتظر من الناس ان يعظموك فالنبي اولى الا يتواضع لاي احد .
(1) بحار الانوار 70 / 219 ، الحديث 11 .
بين يدي الاستاذ 122


يقول العلامة المجلسي في كتابه :
«وما اسرع الكبر الى العلماء ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : آفة العلم الخيلاء ، فهو يتعزز بعز العلم ويستعظم نفسه ، ويستحقر الناس وينظر اليهم نظره الى البهائم ، ويتوقع منهم الاكرام والابتداء بالسلام ، ويستخدمهم ولا يعتني بشأنهم ، هذا فيما يتعلق بالدنيا ، واما في الآخرة فبان يرى نفسه عند الله اعلى وافضل منهم ، فيخاف عليهم اكثر مما يخافه على نفسه ، ويرجو لنفسه اكثر مما يرجو لهم ، وهذا بأن يسمى جاهلا او من ان يسمى عالما» .
قال لي معلمي :
ذات صباح كنت جالسا تحت قبة مرقد السيدة فاطمة المعصومة ، كان رجل مسن قد فرغ توّا من صلاة الليل وجلس الى جانبي ، وكان ينظر الي متكبرا وقال : ما الذي تفعله هنا يا ولد ؟ (وكنت في وقتها شابا) فسلمت عليه بادب وقلت له :اقرأ دعاء الحزين . قال : وهل صليت صلاة الليل ؟
قلت : نعم .
قال : سوف يرتفع اذان الصبح فلا تأتم بهؤلاء العلماء .
قلت : لماذا ؟
قال : انهم ليسوا من اهل العبادة .
ثم اشار الى عالم كان يصلي وقال : انا منذ ساعة اصلي وقد جاء فلان هذا الآن ثم تريدني ان اصل خلفه ؟
قلت : فلعله يؤدي النوافل سرا .. وربما صلى صلاة الليل في منزله في خلوة من الناظرين ، لا يعلم به الا الله ثم جاء لاداء الفريضة في الحرم .
قال : لا يا ولدي لو كان من اهل العبادة ما سمن هكذا وعظمت رقبته .. وكان من الافضل له ان تسيل دموعه مثلي ، وليس على جبينه آثار السجود ، هؤلاء من الهالكين لانه لا يعبدون .. الله سبحانه لن يسأل يوم القيامة عن حسب ونسب ، ويسأل عن مثال هذه العبادات وهناك يعرف من يحتاج من !
كان يتحدث ويشير الى ذلك الرجل البدين المسكين الجالس في مصلاه


السابق السابق الفهرس التالي التالي