|
غياب الشكر
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
كان لي صديق ، وكان متدينا نظيفا ، وكان دائم العبادة ، وقد توفرت له كل امكانات اختراق الحجب الظلمانية والنورانية ، ومع ذلك فالحجب ظلت كما هي ، ولم تحصل له حالة الكشف ، ولم يتحول قلبه الى نبع للحكمة ، ولذا فكرت واياه في البحث عن سر حالته هذه .
فوصلنا بعد ايام الى هذه النتيجة ؛ وهي انه يفتقد احدى الصفات الانسانية الحسنة ، وفي مقابل ذلك لديه صفة من الصفات الحيوانية .
ربما تود معرفة تلك الصفة السيئة التي تمنعه من اختراق الحجب وبلوغه درجات الكمال .
سأذكر لك ذلك بالطبع ، لكني اشير الى موضوع معنوي هام ، وعليك ان تتعلمه ، وهو وجود ثلاثة انواع للصفات الروحية في الانسان :
الاول : «الصفات الحسنة الانسانية» ، وهذه الصفات كلما نمت اكثر تكاملت انسانية الانسان اكثر .
الثاني : «الصفات الشيطانية» ، وهذه يجب ان ينعدم وجودها في الانسان ؛ لانها هي التي ستصبح حجابا من قبيل : حب الدنيا ، البخل ، الخيانة ، الكذب ، والحسد .. وغيرها .
الثالث : «الصفات الحيوانية» ، وهذه لا بأس من وجودها في ذات الانسان ، ولكن يجب ان تبقى تحت سيطرة العقل دائما ، كالغريزة الجنسية التي يتوقف استمرار النسل على وجودها ، وكذا الاكل والشرب اللتين تتوقف حياة الانسان عليهما .
الآن وقد عرفت هذا فاقول لك ؛ ان وجود صفة من هذه الصفات الحيوانية والشيطانية يعني وجود حجاب يمنعك من بلوغ الحقائق ودرجات الكمال الروحي .
وصديقنا هذا زكى نفسه من اكثر هذه الصفات ، وظلت صفة واحدة كانت حجابا ؛ اذ لم يكن يعرف الشكر .
فهو لا يشكر الناس الذين يسدون اليه بخدمة ، وكان يعتبر نفسه دائنا وليس مدينا اليهم بشيء ، وكأنه لم يسمع هذا القول المأثور : «من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق» (1) .
وعدم الشكر يعني كفران النعمة الذي سيمتد ليشمل النعم الالهية .
ذات يوم اردت ان اختبر الى اي حد تغلغلت هذه الصفة في وجوده ، تحدثت معه عن طائفة من النعم الالهية . فقال : انه يجب على الله الذي خلقنا ان ينعم علينا بهذه النعم .
وعندما تكلم بهذا الكلام ظننت انه سيدعي دَينا على الله !
ولهذا ادركت ان هكذا انسان يعتبر نفسه دائما ان له دَينا على الآخرين .
ولقد كان هذا حجابا في حياته ، غير انني كنت له كالمرآة التي يرى فيها عيوبه ، فهو لا يغضب كالناس الآخرين اذا ما ذكرت له عيبا ، بل كان يرحب بذلك ويشكرني ، ويسألني علاجا لهذا المرض الروحي الذي يعاني منه ، وهذا ما فعله . اخبرته كيف يعالج امراض الروح قلت له :
فان اردت اكتب لك وصفة ، فانا حاضر فلعلك تصاب يوما بمرض روحي !
وسررت لاستعداده وقلت له : اشكرك . فيما يخص النعم الظاهرية والمادية على المرء ان ينظر الى من لا يملكها ، اي ينظر الى ما دونه ، وليس الى ما فوقه ، فان كان المرء ثريا فعليه ان ينظر الى حال الفقراء ، والا ينظر الى من هو اثرى منه واغنى ، فاذا نظر الى ما هو دونه شكر الله سبحانه على ان منحه نعمة الغنى .
|
|
(1) عن الرضا عليه السلام ، قال : «مَن لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الله عز وجل» عيون اخبار الرضا عليه السلام 2 / 24 .
|
وان كان المرء صحيحا سليما ومعافي ، فعليه ان ينظر الى المرضى ، والذين يعانون من علل شتى ، والراقدين في المستشفيات ، والذين يقضون الليل يتلوون من الالم ، فيتأمل في حال هؤلاء واولئك ويشكر الله ، وهكذا في كل نِعم الله عز وجل . والمريض المصاب بصفة الكفران عليه ان يأخذ حالته هذه مأخذ الجد ، ويعتبرها اشد فتكا من القرحة في المعدة ، فكما ان القرحة تدفعه للبحث عن طبيب يعالجه ، ومستشفى يؤويه ويجري له الجراحة اللازمة ، فكذلك المريض المصاب بالكفران عليه ان يسعى في علاج نفسه ، عليه ان يعود المرضى حتى يعلم قدر نعمة الصحة والسلامة والعافية ، فتتولد في نفسه صفة الشكر ، وشيئا فشيئا تربو وتنمو ويهتز وجدانه ، ويصبح الشكر ملكة في شخصيته .
انا ايضا اداوم على عمل كل ليلة حتى لا اصاب بهذا المرض ، وهو ان اسجد لله كل ليلة قبل ان آوي الى فراش النوم ، واستعرض ما اقدر عليه من نعم الله ، فكلما عرضت لي نعمة وذكرتها قلت : «الحمد لله رب العالمين» .
ولذا فقد تستمر سجدتي طويلا ؛ لان نعم الله لا يمكن احصاؤها ابدا ، كيف وقد قال الله تبارك وتعالى : «وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها» (1) .
كما ان الشكر يزيد في النعم ، وقد قال جل جلاله : «لئن شكرتم لازيدنكم» (2) .
وليتك تستطيع ان تتضرع الى الله عز وجل بمناجاة الشاكرين فتكون قد راعيت الادب في الدعاء ، واليك هذه المناجاة :
بسم الله الرحمن الرحيم
«الهي ، اذهلني عن اقامة شكرك تتابع طولك ، واعجزني عن احصاء ثنائك فيض فضلك ، وشغلني عن ذكر محامدك ترادف عوائدك ، واعياني عن نشر عوارفك توالي اياديك .
وهذا مقام من اعترف بسبوغ النعماء ، وقابلها بالتقصير ، وشهد على نفسه
|
(1) ابراهيم : الآية 34 .
(2) ابراهيم : الآية 7 .
|
بالاهمال والتضييع ، وانت الرؤوف الرحيم ، البر الكريم ، الذي لا يخيب قاصديه ، ولا يطرد عن فنائه آمليه ، بساحتك تحط رحال الراجين ، وبعرصتك تقف آمال المسترفدين ، فلا تقابل آمالنا بالتخييب والاياس ، ولا تلبسنا سربال القنوط والابلاس .
الهي ، تصاغر عند تعاظم آلائك شكري ، وتضاءل في جنب اكرامك اياي ثنائي ونشري ، جللتني نعمك من انوار الايمان حللا ، وضربت علي لطائف برك من العز كللا ، وقلدتني مننك قلائد لا تحل ، وطوقتني اطواقا لا تفل ، فآلاؤك جمة ضعف لساني عن احصائها ، ونعماؤك كثيرة قصر فهمي عن ادركها فضلا عن استقصائها . فكيف لي بتحصيل الشكر وشكري اياك يفتقر الى شكر ، فكلما قلت لك الحمد ، وجب علي لذلك ان اقول لك الحمد .
الهي ، فكما غذيتنا بلطفك ، وربيتنا بصنعك ، فتمم علينا سوابغ النعم ، وادفع عنا مكاره النقم ، وآتنا من حظوظ الدارين ارفعها واجلها عاجلا وآجلا . ولك الحمد على حسن بلائك ، وسبوغ نعمائك ، حمدا يوافق رضاك ، ويمتري العظيم من برك ونداك ، يا عظيم يا كريم ، برحمتك يا ارحم الراحمين» (1) .
اجل اخبرت صديقي بوصفة العلاج ، وهو عمل بها فوفقه الله الى التخلص من تلك الصفة الحيوانية ، واصبح من اكثر الناس شكرا للناس ، وشكرا لخالق الناس .
قال لي معلمي : وكنت ارى في حالة المكاشفة رجلا لا يشكر ما انعم عليه ، وكان بهيئة حيوان انجس من الكلب ، فاقول له هذه حالك لانك تكفر بالنعم .
وكان عليك ان تكون فيك صفة الكلاب وهي الوفاء وعرفان النعمة والاحسان .
فهز رأسه اذعانا !
|
|
(1) الصحيفة الكاملة السجادية ـ مناجاة الشاكرين .
|
|
الحلال والحرام ... الحقيقة والظاهر
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
ذات يوم جاءني احد الدراويش ، من الذين نصبوا في الرياضة ، وعلى حد تعبيره انه وصل الى مراحل الكمال الروحي عن طريق الاكل الحلال الحقيقي ، سألني قائلا : اليس تكليفي في الدنيا ان امنع نفسي من الحرام .
ضحكت منه وتضاءل في عيني ، مع انه يتمتع باجلال الكثيرين ، ولذا لم اتحدث معه بالاحترام المطلوب .
قلت له مستاء : ما هو الحلال الحقيقي والحلال الظاهري ؟ أليس ما احله الله هو الحلال الحقيقي والظاهري ، وما حرمه الله هو الحرام في الباطن والظاهر ؟
ولان الدرويش نشا في محيط نعلم فيه اشياء خاطئة ، ونبتت في رأسه كما المسمار في الخشب ضحك من كلامي وقال :
كأنك تعتقد بان لحم الغنم الميت والذي لا ادري موته سواء مع لحم الغنم المذبوح والذي اعرف ذبحه ، اي كلاهما حلال ولا فرق بينهما . يعني ان الاول في حكمه الظاهري حلال لاني لا اعلم انه خروف ميت ، والثاني حلال لاني ادري ذبحه !
قلت له : من الذي يصدر الحكم الحقيقي ، ومن هو المخاطب في هذا الحكم ؟ أليست الاحكام عن الله سبحانه للناس ونحن مكلفون بالعمل باحكام الله ؟ ونحن نعرف ما جاء في الاثر عن ائمتنا : «ان كل شيء حلال حتى تعلم حرمته» ، يعني نحن مكلفون باجتناب ما نعلم انه حرام .
قال : يعني تعتقد ان المحرمات الحقيقية ليس لها اثر ؟
قلت : ما هو المقصود اولا بالحرام الحقيقي ؟ هل تقصد انه عندما تشرب كاسا من الخمر وانت تظنه ماء انك ارتكبت عملا حراما ؟ ان هذا لم يقل به احد ، ولم يفت به احد .
قال : الا يسكر المرء حينئذ !
قلت : الا لا اقول ان الانسان اذا تناول المشروبات الكحولية اشتباها لا يسكر ، لكني اقول لو ان احد اولياء الله تناول كأسا من الخمر خطأ ، ثم نام سكرانا الى الصباح ، فانه اذا استيقظ استيقظ ولم يؤثر ذلك العمل على قربه من الله قيد شعرة .
ذلك اننا لو قلنا ان الله طرده من رحابه لهذا الخطأ فاننا ننسب الظلم ـ والعياذ بالله ـ الى الله عز وجل .
ان الله سبحانه هو الذي قال لنا كلوا كل ماعرفتم حلاله حتى لو كان في واقعة حرام لكننا لا ندري حرمته .
والسؤال هل لهذا الطعام الذي يتناوله المرء وهو لا يدري حرمته الحقيقية من اثر على الروح ؟ هل يكون حجابا يبعده عن الله ؟! والجواب سلبي .
ذلك ان من يقول بذلك فقد نسب القدرة الى غير الله سبحانه وهذه مقولة فيها شرك ، عندما نظن بوجود قوة تعمل ضد ارادة الله مستقلة عنه .
وطبقا لذلك لو تناول الانسان طعاما حراما ، سواء كان مضطرا ، او تقية ، او سهوا ، او مكروها ، او جهلا ، فانه لن يكون له اي تأثير على روحه بالرغم من وجود آثار ضارة على بدنه ، كما هو الحال في تناول الائمة الاطهار طعاما مسموما وهو في الواقع طعام حرام .
فالانسان الذي يتناول طعاما مسموما عن عمد وحرية واختيار فانه قد ارتكب عملا حراما .
وبالرغم من ان الطعام المسموم يميت الانسان ولكن اذا تناوله المرء ، وهو لا يدري ، او بالاجبار ، فليس له اي اثر في روحه ، ولن يكون حجابا باي حال من الاحوال .
بل انه يستحيل الى سبب في قرب الانسان الى الله سبحانه ، ومن هنا ، وطبق
ما جاء في كتب الفقه ، تعتبر سيرة الائمة وقولهم وتقريرهم ، يعني حتى سكوتهم ، سنة لنا ، نقتدي بها ونسير في هداها ، فهم الصراط المستقيم ، وميزان الاعمال ، والمعيار في السير الى الله وتكامل الروح الانسانية ، وان اقل خطوة تخالف سيرتهم ، سواء افراطا او تفريطا ، يعد عملا حراما . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ان الله يحب ان يؤخذ برخصه كما يحب ان يؤخذ بعزائمه» (1) .
وقد روي ايضا : عن ابي عبد الله عليه السلام قال : اتى امير المؤمنين عليه السلام برجل وجد في خربة وبيده سكين ملطخة بالدم ، واذا رجل مذبوح يتشحط في دمه ، فقال له امير المؤمنين عليه السلام : ما تقول ؟ قال : يا امير المؤمنين ، انا قتلته ، قال : «اذهبوا به فاقيدوه به» ، فلما ذهبوا به ليقتلوه به اقبل رجل مسرع فقال : لا تعجلوا وردوه الى امير المؤمنين عليه السلام ، فردوه فقال : والله يا امير المؤمنين ، ما هذا صاحبه ، انا قتلته ، فقال امير المؤمنين عليه السلام للاول : «ما حملك على اقرارك على نفسك ؟» . فقال : يا امير المؤمنين ، وما كنت استطيع ان اقول وقد شهد علي امثال هؤلاء الرجال ، واخذوني وبيدي سكين ملطخة بالدم ، والرجل يتشحط في دمه وانا قائم عليه ، وخفت الضرب فاقررت ، وانا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاة واخذني البول ، فدخلت الخربة فرأيت الرجل يتشحط في دمه ، فقمت متعجبا ، فدخل علي هؤلاء فاخذوني ، فقال امير المؤمنين عليه السلام : «خذوا هذين فاذهبوا بهما الى الحسن وقولا له : ما الحكم فيها» ، قال : فذهبوا الى الحسن وقصوا عليه قصته ، فقال الحسن عليه السلام : «قولوا لامير المؤمنين : انّ هذا ان كان ذبح ذلك فقد احيا هذا ، وقد قال الله عز وجل : «ومن احياها فكانما احيا الناس جميعا» (2) ، يخلى عنهما ، ويخرج دية المذبوح من بيت المال» (3) .
وعلى هذا فاننا في مسألة الطهارة والنجاسة ، والحلال والحرام ، يلزمنا اليقين
|
(1) مستدرك الوسائل 1 / 18 .
(2) المائدة : الآية 32 .
(3) بحار الانوار 40 / 115 .
|
والقطع ، وفي غير هذا لا يمكننا ان نعتبر هذا نجسا او نقول هذا حرام . وحتى الدقة في تحري الطعام الطيب يجب الا يؤدي الى ارتكاب الحرام عندما نعرض كرامة المؤمن للخطر او نكون سببا في اساءة الظن به .
يقول احد الاولياء :
دعاني ذات يوم شخص مرابي لتناول الطعام في منزله ، فاستنكفت وترفعت عن الذهاب ، فجاءني بنفسه وقال : اعرف سبب استنكافك ، تظن ان طعامي حرام لانه من اموال الربا ، ولكن اعلم انني اعددت الطعام من مال حلال .. من ارث وصلني عن ابي .
قلت : ربما يفسر حضوري على انه رضا بما تقوم به من اعمال الربا فيكون ذلك ترويجا للعمل الحرام .
قال : هذا حق لكني عزمت على الاعتراف على مسمع ومرأى الضيوف واعلان توبتي فيكونوا هم الشهود على ذلك ، بل وساعيد الى الناس حقوقهم .
قلت : اذا كان الامر كذلك فقد وجب علي الحضور .
وذهبت لتناول طعام الغداء وكانت مائدة حافلة بما لذ وطاب ، فقال صاحب المنزل لضيوفه : اعرف اني مشهور بالربا ، ولكن هذا الطعام مصدره حلال ، فكلوا هنيئا مريئا ، ولاني عرفت ان المرابي عدو لله ومحاربا له فانا اتوب من هذه الساعة فادعوا الله ان يتقبل توبتي هذه .
وكانت توبته نصوحا ، فلم يأكل درهما حراما بعدها .
وادركت ان سوء الظن يقطع العلاقات بين الناس ، وان معاشرة الناس بالحسنى تؤدي الى ترك المعاصي والآثام .
|
الغيظ
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
ذات ليلة رأيت نفسي في عالم الرؤيا ممتطيا جوادا ماضيا في طريق ، فجأة قام الجواد بحركة غير عادية ورماني الى الارض ، شعرت بالغضب الشديد ونهضت من مكاني وسددت سلاحي نحوه وجرحت الحيوان المسكين .
نطق الجواد وقال : لقد كنت معذورا فيما قمت به اذ وقعت عيني على شيء اخافني ففزعت منه ، اما انت فما هو عذرك في جرحي ؟ أليس شعور بالغيظ مني وهذه صفة حيوانية ، فما الذي يجعلك تختلف عني اذن ؟
وهنا انتبهت من نومي ، وكان موعد صلاة الليل قد حان ، اذ لم يبق على طلوع الفجر سوى ساعة واحدة . نهضت من مكاني واستغرقت في صلاة الليل ، وكنت اتضرع الى الله في قنوتي وسجودي ان يخلصني من هذه الصفة الحيوانية .
لقد ادركت ان هذه الصفة هي احدى الحجب التي اعاني منها ، ومن كانت عنده هذه الصفة فهو محروم من الحكمة . وقد قال امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام : «غير منتفع بالحكمة عقل مغلوب بالغضب والشهوة» (1) ؛ ولذا رحت اتضرع الى الله سبحانه في كل دعاء ومناجاة ، وتوسلت بـ «بقية الله» روحي فداه في الخلاص من هذه الصفة الحيوانية ، وارتفاع هذا الحجاب عن روحي .
لم اكن متأكدا من خلاصي ، ولكني كيف لي ان اعرف ذلك ، ومن اين ابدا ؟ وذات يوم وقد عدت الى منزلي من سفر بعيد ، وكان قد حدث في غيابي ما عكّر
الصفو ، ولذا استلقيت في فراشي ساعتين دون ان انام ، وكانت اعصابي تهتز هزات خفيفة ، عشر مرات اغمضت عيني ، وكانت قافلة الاعداد في مخيلتي تمضي ، فلعل النوم يغلبني ، ولكني كنت افتح عيني مرة اخرى ، الى ان غفوت عدة دقائق لا ادري كيف .
فجأة رن جرس الباب ، فانتفضت من نومي وبدني يرتجف ، لكني وجدت نفسي في حالة غير عصبية . نهضت من فراشي وتوجهت الى فتح الباب لاجد شابا دل منظره انه لم يكن في توازن عقلي قال لي : هل هذا منزل فلان ؟
قلت له : كلا لقد وقعت في خطأ .
ولم يقنع الشاب بجوابي وراح يجادلني ، وفي الاثناء فتح جاري باب منزله وراح يتطلع الى منظرنا ضاحكا .
وعلى اية حال اغلقت الباب وعدت ادراجي الى غرفة النوم مترنحا ، وكدت اتعثر في طريقي واسقط .
وعانيت الكثير لكي انام ، وفي هذه المرة رن جرس الهاتف ، وكان احد اصدقائي وراء الخط يسألني عن حالي ! ثم قال انه سوف يتوجه الى منزلي بعد دقائق لعمل ضروري لا يمكن مناقشته في الهاتف ، قلت له : لا بأس يمكنك المجيء .
وكان من الطبيعي ان تفر فكرة النوم من ذهني اذ لا يمكنني ذلك ، وحضر صديقي .
قال لي : ان فلانا يصر على ان اتزوج ابنته ، ولذا اطلب منك ان تكتب له رسالة او تحدثه في الهاتف وتقول له عني اني اذا تزوجت ابنته فلن اتحمل نفقتها ابدا !!
ودهشت من نفسي لانني ما زلت متمالكا اعصابي ، وانني بامكاني ان افهمه ان هذا الشرط غير مشروع ، وادركت حينئذ ان الله استجاب دعائي في كظم الغيظ ، وان هذا الحجاب قد ارتفع نهائيا .
وكان تأملي في هذه الاحاديث مفيدا جدا :
1 ـ الامام الصادق عليه السلام : «الغضب مفتاح كل شر» (1) .
|
|
(1) بحار الانوار 70 / 263 ، الحديث 4 .
|
2 ـ امير المؤمنين عليه السلام في جواب عن سؤال : من اعلم الناس ؟ قال : «الذي لا يغضب» (1) .
3 ـ النبي الاكرم صلى الله عليه وسلم : «من كف غضبه ستر الله عورته» (2) .
4 ـ النبي الاكرم صلى الله عليه وسلم : «الغضب جمرة من الشيطان» (3) .
5 ـ النبي الاكرم صلى الله عليه وسلم : «الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل» (4) .
6 ـ وسئل صلى الله عليه وسلم : ما يبعد عن غضب الله تعالى ؟ قال : «لا تغضب» (5) .
7 ـ الامام الصادق عليه السلام : «من لا يملك غضبه لم يملك عقله» (6) .
الامام الباقر عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من كف نفسه عن اعراض الناس اقال الله نفسه يوم القيامة ، ومن كف غضبه عن الناس كف الله تبارك وتعالى عنه عذاب يوم القيامة» (7) .
قال لي معلمي :
قبل ميلاد المسيح بسنوات طويلة كان هناك رجل يدعى «عويد بن اديم» الذي عرف بـ «ذي الكفل» ، وكان من اقارب نبي ذلك الزمان .
ذات يوم كان جالسا الى ذلك النبي في طائفة من اصحابه فقال النبي : من يلي امر الناس بعدي على ان لا يغضب ؟ قال : فقام فتى فقال : انا ، فلم يلتفت اليه ، ثم قال كذلك ، فقام الفتى ، فمات ذلك النبي ، وبقي ذلك الفتى وجعله الله نبيا ، وكان الفتى يقضي اول النهار ، فقال ابليس لاتباعه : من له ؟ فقال واحد منهم يقال له الابيض : انا ، فقال ابليس : فاذهب اليه لعلك تغضبه ، فلما انتصف النهار جاء الابيض الى
|
(1) امالي الصدوق : 237 .
(2) ثواب الاعمال : 120 . بحار الانوار 70 / 266 ، الحديث 21 .
(3) بحار الانوار 70 / 265 ، الحديث 15 .
(4) المصدر المتقدم : الحديث 21 .
(5) المصدر المتقدم : 267 ، الحديث 21 .
(6) المصدر المتقدم : 278 ، الحديث 33 .
(7) المصدر المتقدم : 280 ، الحديث 34 .
|
ذي الكفل وقد اخذ مضجعه فصاح وقال : اني مظلوم ، فقال ذو الكفل للحاجب : ادخله ، فقال ذو الكفل له : مَن الذي ظلمك ؟ قال الابيض : ظلمني من ليس في قلبه عطف وشفقة ، فاعطاه خاتمه وقال : اذهب واتيني بصاحبك ، فذهب حتى اذا كان من الغد جاء تلك الساعة التي اخذ هو مضجعه ، فصاح : اني مظلوم ، وان خصمي لم يلتفت الى خاتمك ، فقال له الحاجب : ويحك دعه ينم ، فانه لم ينم البارحة ولا امس قال : لا ادعه ينام وانا مظلوم ، فدخل الحاجب واعلمه ، فكتب له كتابا وختمه ودفعه اليه ، فذهب حتى اذا كان من الغد حين اخذ مضجعه جاء فصاح ، فقال : ما التفت الى شيء من امرك ، ولم يزل يصيح حتى قام واخذ بيده في يوم شديد الحر لو لوضعت فيه بضعه لحم على الشمس لنضجت ، فلما رأى الابيض ذلك انتزع يده من يده ويئس منه ان يغضب ؛ فانزل الله تعالى قصته على نبيه ليصبر على الاذى كما صبر الانبياء عليهم السلام على البلاء 1) .
فالغضب من الصفات التي تحتاج الى ضبط وسيطرة ، ولا يعني هذا ان على الانسان الا يغضب ابدا ، بل عليه ان لا يغضب في بعض الموارد ، فالغضب كقوة انسانية يستلزم السيطرة عليه في اعماق الانسان ، فكما يتوجب السيطرة على الغاز في شبكة داخل المدينة ، بحيث لا يتسرب منه ولو ذرة واحدة ، فكذلك قوة الغضب في داخل الانسان يجب ان تبقى في قنواتها الخاصة ، ولا تتسرب من اي مكان ؛ لان ذلك ينطوي على مخاطر كثيرة .
اما نفس الغضب فقد كان المعصومون يغضبون لله ، وفي سبيل الله ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فاطمة الزهراء سيدة النساء عليها السلام : «ان الله يغضب لغضب فاطمة» (2) .
ولذا فان الغضب من الصفات التي يحتاج الى السيطرة والضبط ؛ لانها قوة من قوى الانسان لا يمكن ازالتها نهائيا ، وانما يجب منعها من النفوذ الى دائرة العقل والسيطرة عليه ، وهذا ما تؤكد عليه الروايات .
|
(1) بحار الانوار 13 / 404 ، قصص ذي الكفل عليه السلام .
(2) صحيح البخاري : باب فضائل فاطمة الزهراء عليها السلام .
|
|