قال : المشتري .
قلت : فمن هو ؟
قال : الله .
قلت : حسنا اسأله هو !
فجأة سمعت صوتا مهيبا يقول : لانك اشركت فيها آخر وانا خير شريك ، اجعل حصتي لشريكي فاعطها جيمعا لشريكي .
فبكيت وقلت : مولاي ، انه لا يملك مالا ، ولا يملك شيئا وهو مثلي مسكين (1) .
قال : هو ما اقول ، وكان عليك الا تختار لي شريكا من المساكين .
ثم خاطب الملك قائلا : خذ اعماله وارم بها في الازبال ، انا لا اريدها .
ونفذ الملك على الفور ذلك ، فأخذها الى مكان فيه زبالة ، وافرغ الكيس منها وسلمني الكيس فارغا .
وبقيت حائرا لحظات انظر الى تلك الفاكهة ، انتبهت الى انها لا تصلح لاخذها الى الجنة ، وانها تسبب لي الخجل .
قلت : يا الهي ، فاعدني الى الدنيا مرة اخرى لاعود منها بزاد سليم .
لكن الصمت كان مهيمنا فلم اسمع جوابا .. فصرخت ولم اعد اسمع سوى اصداء صوتي . بكيت ، فلم يغثني احد ..
فجأة انتبهت من نومي .. ولازمني شعور كلما مارست الرياء تذكرت الرؤيا فأنتبه الى نفسي ، وبحمد لله وفقت في ترك الرياء ، وها انا اشعر بلذائذ العبادة وحيدا مستأنسا بالمحبوب .
|
|
(1) عن ابي عبد الله عليه السلام ، قال : «يقول الله عز وجل : انا خير شريك ، فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمل له غيري» بحار الانوار 69 / 299 ، الحديث 32 .
|
|
الظلم
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
من الطاف الله سبحانه بي انني انفر من الظلم .. فلا اظلم احدا ، ولا ارتضي ظلم الظالمين .. ذلك ان الظلم من اقبح الصفات ، وضمير الانسان ينفر منه .. ولقد لعن الله الظالمين ووعدهم عذابا اليما (1) .
فمن كانت فيه هذه الصفة الحيوانية فقد ابتعد عن الله واوليائه مسافات ومسافات ، بل انه يخرج عن اطار الانسانية .
وذات يوم جاءني احد المتنفذين ، وكان منصبه في الدولة ـ ومع الاسف ـ رفيعا ، زارني كما يزور المريض طبيبا ، قال لي : لا اعرف ماذا افعل ؟ اذ كلما قدرت على احد وددت ان اظلمه .
اردت نصحه فقال : انني لأعرف الظلم اكثر من اي انسان آخر ، واعرف عواقبه ، واعرف منزلة الظلم والظالمين السيئة عند الله .
ولكني اطلب منك انت لو استطعت ان تشفيني من هذا المرض المميت ، وتنقذني من هذا الشقاء .
قدمت له بعض النصح والارشاد وصارحته قائلا : انه ما دامت هذه الصفة فيك فانت بعيد عن الله ، قريب من الشياطين والطواغيت .
افلا تعرف ان الله تعالى عرّف نفسه بـ «الرحمن الرحيم» ، وهو «ارحم الراحمين» ، وان كل سورة تبدأ بهذه الصفة واننا نقرأ سورة الحمد كل يوم
|
|
(1) «فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم اليم» الزخرف : الآية 65 .
|
عشر مرات على الاقل في صلواتنا ..
الا تعلم ان الله لا يرضى ان تكون القدرة في ايدي الظالم ولو لحظة واحدة فقال : «لا ينال عهدي الظالمين» (1) ، قال : سيدي ، لقد قلت انني اعرف كل ذلك ولا احتاج وعظا ونصيحة ، فلا تذر ملحا على جراحي ، فان كانت لديك وصفة علاج فاكتبها لي !
قلت : لعلك لا تصغي .. ولكن لو عاهدتني على الاصغاء لكل ما اقول ، ولو بدا في رأيك جهلا فساكتب لك وصفة في صباح غد .. انتظرك في الساعة الثامنة ..
فودعني وانصرف ..
لعلك تسألني : لمَ لم تكتب له وصفة العلاج في نفس الوقت ؟
وفي الجواب اقول لك : لا لم اكن اعرف لحظتها شيئا مفيدا ؛ ولذا اردت ان اطلب المدد في منتصف الليل من الائمة الاطهار فلعلهم يقدمون لي العون في ذلك .
فالدعاء بلسان الغير مستجاب اكثر . انه ظالم وآثم ، ولقد عصى الله بلسانه كثيرا ، وعذب كثيرا من الناس ، وان الله لن يكترث للقلقة لسان عاص ، ولن يستجيب دعاءه ، فلو دعوت الله له بلسان لم اعص به الله ، فان الله يستجيب .
في تلك الليلة تضرعت الى الله كثيرا وانتحبت .. وانا اضع خدي على التراب ، وطلبت من الله ان يعفو عنه ، وان يشافيه من مرضه الروحي .
وتوسلت بالامام الحسن المجتبى لمحاسبة اعرفها ، فاخذتني غفوة ، فرأيت في عالم النوم من يخاطبني !
ـ قل له : اننا سننجيه من هذا المرض فعلا ، ولكن ليعلم ان الامراض الروحية كالادمان ، تعود لاقل غفلة ؛ ولذا ففي كل مرة يغويك شيطانك ويوسوس لك بالظلم ، فضع نفسك مكان المظلوم .. يعني تصور نفسك في قبضة ظالم (2) .
|
(1) البقرة : الآية 124 .
(2) قال ابو جعفر الباقر عليه السلام : «اياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا الا الله» بحار الانوار 72 / 308 ، الحديث 1 .
|
فلا ترض لغيرك ما لا ترضاه لنفسك .. وانظر الى نفسك في المرآة ، ونكل نفسك وذق طعم الاهانة والاذلال حتى لا تظلم الآخرين .
واعلم ايها الظالم ان كل مخلوق له ادراك وشعور وهو مثلك ، فكما انك تتململ من القهر والاذى ، وكما انك تتعذب في السجن والضيق ، فان الآخرين هم ايضا يعتريهم مثل الذي يعتريك .. انهم ايضا يشعرون بالالم .
فلاتظلم حتى النملة الصغيرة .
من تكون حتى تموت مئات الحيوانات من اجلك ومن اجل ان تعيش ؟!
من انت حتى تستعمل المبيدات السامة للقضاء على الذباب والحشرات فلا تزعج استراحتك في غرفتك ؟!
ومن تكون حتى يسخر الله لك ما في السموات والارض ؟!
الا ان تكون رحيما ، كما ان الله رحيم .
والا تظلم ، كما ان الله لا يظلم احدا .
والا ان تكون مظهرا لصفات الكمال ، وان تكون اشرف المخلوقات .
فان تكن ظالما فانت بعيد عن الله ، ولو ظلمت احدا مقدار ذرة ابتعدت عن الله مسافات طويلة ، وانسلخت عن انسانيتك . وتنزلت الى درجة الحيوانية او ادنى منها .
وعندما حل اليوم التالي كتبت له وصفة العلاج ، فتأثر ايما تأثر ، وواظب على الصلاح ، فما هي الا ايام حتى زالت عن قلبه صفة الظلم ، واصبح من الرحمة انه لا يؤذي ذبابة او نملة .
نعم ، هكذا يتخلص الانسان من صفات الحيوانية ، يعني على الانسان نفسه ان يشعر بالخطر ، وان يدرك حجم الاضرار ثم ينتهج الوسيلة للخلاص من الرذائل ، وأي وسيلة امضى من التوسل باهل البيت عليهم السلام .
قال لي معلمي :
كان لي استاذ أمرني بأمر ، والزمني فعله اربعين يوما كلما رمت الخروج من المنزل . لاتظن ان ذلك كان رياضة او ذِكرا .. ساشرح ما وقع لي بعد عشرين
يوم من المداومة .
في اليوم الواحد والعشرين عرض لي امر فلم استطع اداء ما كنت مواظبا عليه وخرجت من المنزل ، فرأيت الطريق يكتظ بالحيوانات الاهلية والوحشية .. في البداية تعجبت كيف تسنى لهذه الحيوانات دخول المدينة ؟
لكني تذكرت ما قاله لي استاذي ، اذ قال لي : ربما تنفتح عينك البرزخية وترى الناس على هيئة الحيوانات ، فادركت حينئذ حالتي البرزخية .
وتذكرت ما حكى لي احد الاصدقاء قال لي : انه رأى في عالم الاطياف ان حرم الامام الرضا كان يعج بالحيوانات ، ولم يكن ممن على هيئة الانسان الا نفر قليل .
وعلى كل حال ذهبت في طريقي ، فصادفني شخص على هيئة الخنزير ، تقدم الي وحياني وسألني عن حالي . قلت : لماذا انت في هذه الحال ؟!
فقال : ابحث عن شخص ثري جدا ، وليس له عقل كامل ، وهو يبحث عن بضاعة لا يملكها غيري ، لانني احتكرتها منذ فترة طويلة ، وذا قررت ان اعثر عليه وابيعه هذه البضاعة باضعاف قيمتها الاصلية ، يعني استغل هذه الفرصة الى اقصى حد !
قلت له : لا تفعل ، فهذا ظلم ، والله لا يحب الظالمين .. انك لو تدري على اية هيئة الآن ما فعلت ذلك .
وشعرت بالدهشة لانه قال لي : اعرف حالي الآن .
قلت : فاية حال ؟
قال : مثل خنزير يلتذ بأكل القاذورات والحرام ، ويلتذ بظلم الآخرين .
قلت له : يا مسكين ، افلا تعتقد بالموت ؟ الا تحب ان يغيثك الله بعد الموت ويرحمك ؟
الم تسمع قول الله سبحانه في القرآن الكريم : «والله لا يحب الظالمين» (1) .
اما تدري قول الله : «انه لا يفلح الظالمون» (2) .
|
(1) آل عمران : الآيتان 57 ، 140 .
(2) الانعام : الآيتان 21 ، 135 .
|
افلا تعلم مصيرهم : «ان الظالمين لهم عذاب اليم» (1) .
وانه «وما للظالمين من نصير» (2) .
وجرت الدموع من عينيه وانااقرأ عليه هذه الآيات ، واظهر الندم ، وكانه اغتسل بالدموع فعاد الى صورته الآدمية .
|
(1) ابراهيم : الآية 22 .
(2) الحج : 71 .
|
|
النفاق
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
كان لي صديق مبتلى بالربو وضيق الصدر وكان يتجرع الآلام ، راجع الاطباء والمختصين ، وذهب سعيه هباء ، ثم فكر في مراجعة احد الاولياء ، فقال له الرجل الصالح : ان اردت الشفاء فعليك بتلاوة القرآن ، ان الله سبحانه وتعالى يقول : «يا ايها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين» (1) .
قلت له : وقد جاء في الاثر ذلك ايضا ، ولكن عليك ان تفهم ان القرآن شفاء لامراض الروح ، وان الذي نصحك بقراءة القرآن انما اول هذه الآية (2) ، فان اردت شفاء صدرك فاقرأ القرآن ، ولتكن قراءتك عن الايمان الكامل بانه كلام الله عز وجل ، واعمل به ، واعلم ان الله هو الشافي من كل الامراض ، وهو قول ابراهيم كما جاء في القرآن الكريم : «واذا مرضت فهو يشفين» (3) .
وقوله تعالى : «وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين الا خسارا» (4) .
فان شئت الشفاء من مرضك هذا عليك ان تعالج نفسك روحيا ، ثم تشفى من
|
(1) يونس : الآية 57 .
(2) روي عن العالِم عليه السلام : «في القرآن شفاء من كل داء» وقال : «داووا مرضاكم بالصدقة ، واستشفوا بالقرآن ، فمن لم يشفه القرآن فلا شفاء له» بحار الانوار 89 / 202 ، الحديث 26 .
(3) الشعراء : الآية 81 .
(4) الاسراء : الآية 82 .
|
مرضك الجسمي .
ولان الآلام المبرحة التي المت به جعلته يقبل ان يكون علاجه تحت اشرافي ، وكان علي ان اواجه صفات الرذيلة فيه .
وكانت اولى صفاته الظاهرة فيه هي النفاق ، ولذا رأيت ان ابدا بهذه الصفة فرحت اتلو عليه ...
1 ـ «المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون ايديهم نسوا الله فنسيهم ان المنافقين هم الفاسقون * وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم» (1) .
2 ـ بسم الله الرحمن الرحيم
«اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله يعلم انك لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون * اتخذوا ايمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله انهم ساء ما كانوا يعملون * ذلك بانهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون * واذا رأيتهم تعجبك اجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم كانهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله انى يؤفكون * واذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون * سواء عليهم استغفرت لهم ام لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ان الله لا يهدي القوم الفاسقين * هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والارض ولكن المنافقين لا يفقهون * يقولون لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون» (2) .
3 ـ «بشر المنافقين بان لهم عذابا اليما * الذين يتخذون الكافرين اولياء من دون
|
(1) التوبة : الآيتان 67 و 68 .
(2) المنافقون : الآيات 1 ـ 8 .
|
المؤمنين ايبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا * وقد نزل عليكم في الكتاب ان اذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزا بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انكم اذا مثلهم ان الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا * الذين يتربصون بكم فان كان لكم فتح من الله قالوا الم نكن معكم وان كان للكافرين نصيب قالوا الم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا * ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم واذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله الاقليلا * مذبذبين بين ذلك لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا * يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين اولياء من دون المؤمنين اتريدون ان تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا * ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا» (1) .
4 ـ «ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون الا انفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون * واذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا انما نحن مصلحون * الا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون * واذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا انؤمن كما آمن السفهاء الا انهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون * واذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزئون * الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون * اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين * مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما اضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون * او كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون اصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين * يكاد البرق يخطف ابصارهم كلما اضاء
|
|
(1) النساء : الآيات 138 ـ 145 .
|
لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وابصارهم ان الله على كل شيء قدير » (2) .
5 ـ «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا * ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين ان شاء او يتوب عليهم ان الله كان غفورا رحيما» (2) .
وعندما قرأت عليه هذه الآيات ، وكان يعرف العربية ، رأيت دموعه تموج في عينيه ، وكان يجهش بالبكاء ، كلما سمع آية فيها وعيد بالعذاب حتى رأيت اليأس بطبع ملامح وجهه لكن عندما سمع آخر آية : «ويعذب المنافقين ان شاء او يتوب عليهم ان الله كان غفورا رحيما» رأيت الامل يتألق في عينيه ، وقال : أأنت من كان يقرأ القرآن ؟!
قلت : نعم ، فمن تظن اذن ؟
قال : لا انه كلام الله ، وما انت الا شجرة كتلك التي كلم الله بها موسى . واقول بصراحة اكثر لو انك انت الذي اخترت هذه الآيات فلماذا لم تقرأها بترتيبها القرآني ؟
لقد غمرتني حالة عجيبة من اول آية قرأتها ذلك اني لم اكن اراك ، ولم اكن اشعر بوجودي ، ولا حتى هذا المكان لم اكن ارى سوى روحي المنافقة مطأطأة الرأس في حضرة الخالق العظيم يخاطبني بهذه الكلمات .
ولذا عندما وصلت الى آيات سورة البقرة رأيتها تنطبق علي ، حتى اجتاحتني رغبة في الصراخ من اليأس ومن الشقاء الذي انا فيه ، لكن الآية الاخيرة من سورة الاحزاب فتحت امامي نافذة امل ، وادركت ان للمنافقين كوة من الامل ، فالله غاضب عليهم لكنه غفور رحيم .
وقد صدق الرجل ، لم اكن قد اخترت ترتيبا للآيات لكني قراتها كما حفظتها ، والترتيب القرآني يقضي بقراءة آيات سورة البقرة ، لكني رأيت ان التشديد عليه
|
(1) البقرة : الآيات 8 ـ 20 .
(2) الاحزاب : 23 ـ 24 .
|
افضل في العلاج ، فقرأتها عليه كما ذكرتها لك . اي من سورة الاحزاب ، ثم قرأت الآيات من سورة المنافقين ، وهي من اشد الآيات وقعا في النفس ، فهي تفضحهم وتعرّيهم ، وتكشف عن سوءاتهم ، وتبعث اليأس في نفوسهم المريضة ، ثم قرأت عليه الآيات في سورة النساء ، وكأنما تستأنف نفس التنكيل السابق ، ثم جاء دور الآيات في سورة البقرة ، التي فجرت الدموع في عينيه ، وحتى اجهش بالبكاء ، ووصل الى درجة الاحساس بالشقاء الابدي ، حتى اذا تلوت عليه الآية 22 من سورة الاحزاب رأيت الامل يموج في عينيه .
قلت له : لا اكتمك انني عندما قرأت «ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا» (1) .
لم اقرأعليك الآية التي تليها : «الا الذين تابوا واصلحوا واعتصموا بالله واخلصوا دينهم لله فاولئك مع المؤمنين» (2)
قال : فلِمَ لم تقرأها ؟!
قلت : اردت ان اقرأها غابت عني فعلمت ان قلبك لم يلن مئة بالمئة ، لكني تذكرتها الآن ، فانظر الى آثار رحمة ربك ، انه يفتح ابواب رحمته حتى امام المنافقين ودعاهم الى الخلوص واصلاح انفسهم .
فبكى ، لكن بكاءه هذه المرة كان شوقا ، وقد ولد عزم في قلبه على ان يروض نفسه ويتوسل بـ «سيد الشهداء» ان ينقذه من النفاق وقد وفقه الله ، فكان يتلو القرآن وخاصة سورة الحمد المباركة ، فشافاه الله من الربو .
|
(1) النساء : الآية 145 .
(2) النساء : الآية 146 .
|
|
سوء الخلق
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
في مدينة مشهد كنت احرص على ان اكون اول من يدخل مرقد الامام الرضا ويحيه تحية الزيارة ؛ ولذا كنت اقف في الاسحار عند باب الصحن لاكون اول الداخلين . ومع هذا كان هناك من يأتي معي او يسبقني في الحضور ، وكان هذا الرجل سرعان ما يستغرق في الصلاة والعبادة ، ولذا وددت ان اتعرف عليه ؛ ذلك اني فكرت ان يكون من اولياء الله .
عبادته كانت عجيبة لم يغفل عن العبادة لحظة ، ولم يكن يمنحني فرصة التعرف عليه والسؤال عن حاله .
ذات ليلة وفيما كان الرجل مشغولا بالعبادة داس احد الزوار على سجادته دون قصد ، وراح يتمتم بكلمات الزيارة .
الرجل اراد ان ينبه الزائر الى ذلك ، فرفع صوته بالصلاة ، ولكن دون جدوى .
وبعد ان انفتل من صلاته صاح بصوت خشن على الزائر وخاطبه قائلا : ارفع قدمك عن سجادتي يا ولد الزنا .
قال لي معلمي :
ذات يوم وبعد اغفاءة العصر استغرقت في التفكير في هؤلاء ، اعني ذوي الخلق السيء ..
فجأة غمرتني حالة المكاشفة ، فرأيتهم في صورة حيوانات مفترسة تمضغ لحوم وجلود الآخرين ، وكانت روائحهم النتنة تُزكم الانوف .. قلت لاحدهم : لماذا لا تعالج نفسك ؟ ولماذا تظلم نفسك هكذا ولا تخرج من حالتك هذه ؟
قال : وكيف لي ان افعل ذلك واخلص من هذه السيرة ؟
قلت له : تأمل وجهك كل يوم في المرآة وانظر اليه في حالة تكون حسن الخلق ، ثم في حالة سوء الخلق ، وراجع وجدانك اي الهيئتين اسر .
عندما يراك الناس في هيئة سوء الخلق فانهم ينفرون منك ، وان رأوك في هيئة حسن الخلق فانهم يحبونك ويهفون اليك .
الانسان نفسه يتكدر عندما يرى شخصا سيء الخلق ، وعلى العكس لو رأى انسانا حسن الخُلق ؛ ولهذا عندما رأيت ذلك الرجل في الحرم المطهر وبذلك الخلق السيء شعرت بالكدر رغم اني كنت قد احببته ، ولقد انتبهت الى ان الانسان اذا لم يصقل ذاته فانه لن يوفق الى اكتساب الصفات الحسنة ، ولن يعرف الله سبحانه ، ولن يتخلق باخلاق الله ، ولن تنفعه العبادة الكثيرة ، ولن تكسبه فضيلة ، وسيبقى في درجة الحيوانية بعيدا عن الله .
واليك هذه الرواية عن الامام الباقر عليه السلام : «كان يرى موسى بن عمران عليه السلام رجلا من بني اسرائيل يطول سجوده ، ويطول سكوته ، فلا يكاد يذهب الى موضع الا هو معه ، فبينا هو يوما من الايام في بعض حوائجه اذ مر على ارض معتشبة تزهو ، فتأوه الرجل فقال موسى : على ماذا تأوهت ؟ قال : تمنيت ان يكون لربي حمارا ارعاه . فاكب موسى عليه السلام طويلا ببصره على الارض اغتماما بما سمعه منه . فانحط عليه الوحي فقال له : ما الذي اكبرت من مقالة عبدي ؟ انا اؤاخذ عبادي على قدر ما اعطيتهم من العقل» (1) .
اجل ان العقل الذي هو انعكاس الصفات الحسنة لاهل البيت في الروح الانسانية ، فكلما كمل العقل تكامل الانسان . من هنا فان الانسان كلما تكامل عقليا ، وتسامى اخلاقيا ، وكانت علاقاته مع الناس طيبة كان اقرب للنبي صلى الله عليه وسلم وآله الاطهار ؛ ذلك انهم كانوا على خلق عظيم ، وكانوا يواجهون المشكلات بالمقاومة والصبر ، ويعاملون الناس بالمحبة والود ، والاعداء بالمداراة ، فاسعوا الى اكتساب هذه الصفات (2) .
|
(1) بحار الانوار 1 / 91 ، الحديث 21 .
(2) يحيل المؤلف القراء الى مراجعة كتابه «الاتحاد والحب» .
|
|