اذا اردت لحمامة الايمان ان تستقر في قلبك فعليك بتزكية نفسك وتطهرها من كل الرذائل .
قال لي : مرة ذهبت الى رجل طوى مراحل في طريق السالكين ، وقطع اشواطا في سيره وسلوكه ، حتى حصل على معارف روحية . ذهبت عنده وطلبت منه ان يفيدني من تجاربه في شؤون السير الى الله .
قال لي : كنت اشاهد في طريق الكمال الروحي حالات من الانبساط العجيب ، واشعر ان معنوياتي ترتفع .. كما لو اني ابصر كل حقائق الوجود وماوراء الطبيعة .. وربما تداهمني حالة من الانقباض ، فاصبح كما لو اني غارق في ظلمة كثيفة حتى لا ابصر موضع قدمي .
ومع كل هذا فقد كنت اداوم سيري المعنوي وتزكية روحي ، ولم اكن لاكترث لهذا الانقباض والانبساط في روحي ، وكنت احسب نفسي مسافرا جالسا في اتوبيس ، اتملى مناظر الطريق المدن والمصابيح والمناظر الخلابة ، وربما مررت بصحراء جرداء لا نبات فيها ولا ماء غارقة في الظلام الدامس .
ولا انسى انني كنت ارى اطيافا جميلة ، وتحدث لي مكاشفات رائعة ، فتمتلئ انفاسي من عبير المعاني المشرقة ، ولكن استاذي كان قد حذرني من الاشتغال بما اشاهده ؛ لان الغاية المنشودة هي تزكية الروح ، وانه طائل من وراء تلك المشاهد ما دام المقصد بعيدا ، وما دام في وجودك صفات غير انسانية . وعليك ان تدرك انه قد تصبح عثرة في طريقك ، او تشغلك على الاقل من الوصول الى الهدف .
وكذا لو انك لم تر طيفا او مكاشفة ، ولم تحدث لك مشاهدة ، وكنت في انقباض مطلق ، ولم يكن لك نشاط في دعاء وذكر وعبادة ، مع انك ما تزال مستغرق في تزكية روحك ، ما تزال موليا وجهك شطر الله سبحانه ، فتصور نفسك مسافرا في سيارة تشق طريقها في صحراء قفر لا يوجد فيها ما يستحق النظر .
وخلاصة القول الا يعيقك الانقباض والانبساط في مواصلة السير في طريق الكمال ، وان عليك ان تمضي قُدما فلا هدف سوى بلوغ الكمال .
|
حب الدنيا
|
|
|
 |
قال لي : ذات يوم توجهت لزيارة مرقد الامام الرضا عليه السلام .. قرأت الزيارة الجامعة من كل قلبي ، وكنت اعيش معانيها ، وكأني اخاطب اهل البيت ، فحلقت روحي ، وكنت اشع بالسعادة والبهجة كما لو كنت حمامة تخلصت ، القضبان والقفص ، وراحت تحلق صوب منابع النور ، الضوء .
ولكن يا للحسرة كنت اشعر وانا في تلك الحالة بان حجرا ثقيلا معلقا في قدمي يشدني الى الارض حتى اسقط .. نظرت الى ذلك الحجر فاذا مكتوب عليه «حب الدنيا» هو مصدر كل الخطأيا (1) .
ماذا افعل يا الهي لكي اجتاز هذه العقبة يجب الا يكون في قلبي حب للدنيا ولو مقدار ذرة .
آه يا ربي ماذا افعل مع حب الدنيا ؟
لماذا اجهل هذه الحقيقة .. ان الدنيا لعب ولهو .
لماذا لا ادرك انني ساغادرها وليس في وسعي ان آخذ منها شيئا (2) .
اليست هي زاخرة بالمتاعب ؟
اليست هي محفوفة بالاخطأر والبلايا ؟ (3) .
وهل يخلد فيها احد ، ام هي باقية لاحد ، فلماذا اتعلق بها واركن اليها ؟!
|
(1) «حب الدنيا رأس كل خطيئة» بحار الانوار 72 / 90 ، الحديث 62 .
(2) «الدنيا دار ممر ، لا دار مقر» نهج البلاغة : الحكمة 133 .
(3) «دار بالبلاء محفوفة» نهج البلاغة : الخطبة 217 .
|
لماذا اورط نفسي في شباكها .. لا .. لا ينبغي لي الا اتعلق بها ولو مقدار ذرة ..
يجب علي ان افترض نفسي راحلا عنها ، مفارقا لها ، فلا يبقى في قلبي تعلقا بها .
ساترك كل شيء وارحل .. سارحل مودعا الحياة ؛ بيتي وابنائي واموالي وحتى بدني .. اجل كل شيء .. وسارحل وحيدا مجردا من كل شيء ، وساقف في رحاب ربي ، فاذا كان لي تعلق بالدنيا فلن اكون حاضرا بكل كياني امام الهي ، وعندها سيحل بي غضب ربي .. سيطردني ويصب علي اللعنة كما طرد الشيطان من حضرته فيما مضى .. ستلاحقني لعنته الى يوم القيامة .
فلماذا احب دنيا كهذه ، ولماذا اخلق لنفسي كل هذه المتاعب .. احمد الله انني تخلصت من حب الدنيا ببركة اهل البيت .. كحمامة تخلصت من الفخ واتجهت الى السماء ، سمت نفسي وحلقت صوب الحقائق المتألقة .
قال لي : كان يوم عرفة .. وكنتاقرأ دعاء سيدي الحسين في هذا اليوم .. لم اكن قد انتبهت بعد عندما وقعت لي مكاشفة !!
رأيت نفسي في حال ساشرحها بعد لحظات ، ولاني رأي الدينا في صورة ، فقد حل بعضها في قلبي ولم اعد اثق بها .
في تلك المكاشفة رأيت نفسي في واد تحيط به جبال شاهقة من كل جهاته فكان كهاوية سحيقة لا يمكن الفرار منها ، ولو ان صخرة وقعت من اعلى القمم لسقطت فوق رأسي .
فشعرت بالوحشة والرهبة ، وما زاد في رعبي اني رأيت صخورا تنقلع من القمم ، فهي تتجه الي وكان مكتوبا على كل صخرة بلاء من بلايا الدنيا ، ولو سقطت علي لدفنتني فاشقى بذلك الى الابد .
وفي الاثناء تألقت في عيني انوار اهل البيت ، واحاطت برأسي تتطلع الى مسكنتي ..
فتوسلت بـ «بقية الله» شكوت له .. قلت له : ان البلايا تنصب على رأسي .. فالوذ بك يا سيدي !
«وانت يا مولاي كريم من اولاد الكرام ، ومأمور بالضيافة والاجارة ، فاضفني
واجرني صلوات الله عليك وعلى اهل بيتك الطاهرين» (1) .
فقال لي انها ستتوقف عند حدودها .. وتناهى لي صوت رخيم يرتل بآيات القرآن .. وكان صوتا لم اسمع مثله في حياتي كلها !
«وما الحياة الدنيا الا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون افلا تعقلون» (2) .
«ارضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة الا قليل» (3) .
«ان الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون * اولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون» (4) .
«انما مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام حتى اذا اخذت الارض زخرفها وازينت وظن اهلها انهم قادرون عليها اتاها امرنا ليلا او نهارا فجعلناها حصيدا كان لم تغن بالامس كذلك نفصل الايات لقوم يتفكرون» (5) .
«ان وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور» (6) .
«فاما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فان الجحيم هي المأوى * واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فان الجنة هي المأوى» (7) .
آه يا له من صوت يخطف القلوب ، ويا لها من كلمات مؤثرة تأخذني بعيدا عن
|
(1) مفاتيح الجنان ـ زيارة يوم الجمعة : 120 .
(2) الانعام : الآية 32 .
(3) التوبة : الآية 38 .
(4) يونس : الآيتان 7 و 8 .
(5) يونس : الآية 24 .
(6) لقمان : الآية 33 .
(7) النازعات : 37 ـ 41 .
|
حب الدنيا وتقربني للآخرة ..
لكني ما زلت في تلك الهاوية ، تحيطني الجبال الشاهقة ، ولا ادري ماذا افعل ؟!
وعاودني الهم مع انقطاع الصوت حتى اخذ على قلبي ، وعادت الصخور تهوي باتجاهي .. فبكيت وتوسلت ـ كلما اصابني حجر ـ بواحد من اهل البيت وسلمني الله ببركتهم .
وادركت كم هي سيئة هذه الدنيا ، وكم هو مجنون من يتعلق بها .
لا عقل لمن يحب دنيا تهوي عليه بالبلايا من كل صوب ، ولا نجاة لاحد من بلاياها ، الا من استضاء بنور اهل البيت ولاذ بهم وفاء الى ظلالهم الوارفة .
«من اتاكم نجى ، ومن لم يأتكم هلك» (1) .
الآن وقد مرت عشرون من السنين على تلك المكاشفة لم تصبني من بلايا الدنيا شيء .. لاني كنت لائذا بحمى اهل البيت عليهم السلام .
قال لي : ذات يوم كنت في مجلس حسيني ، وقارئ يتلو مصاب سيد الشهداء ، ذكر اعراض اصحاب الحسين عليه السلام عن الدنيا . وبكيت لمصابهم ، وبكيت لمصابي انا ، لماذا لم اكن مثلهم ..
فجأة رأيت نفسي في حالة .. لم اكن نائما .. اجل .. ولعل ماحصل لي كان مكاشفة .. مكاشفة تختلف عن المكاشفات العادية .
وعلى اية حال رأيت نفسي في سجن ، وكان السجن في فوضى ، وكان بعض الاشقياء يؤذون الآخرين ، ولم يكونوا يكترثون للسجان ، وكانوا يشيعون اخبارا مختلفة عن خارج السجن .
يقول احدهم : اذا تحررتم من السجن فان الملك القوي سوف يقبض عليك ويعذبكم اشد العذاب ، بل وسيرميكم في النار ، ولن يمهلكم لتتنفسوا نفسا واحدا .
الذين صدّقوا هذه الشائعة لم يكونوا يرغبون في الخروج من السجن ، فالسجن بكل آلامه لديهم افضل .
|
|
(1) الزيارة الجامعة الكبيرة .
|
الجهلة من الذين فقدوا ذاكرتهم نسوا بالمرة وما وراء قضبان السجن ، وكانوا يقولون : لا يوجد شيء خارج السجن ، فكل ما هو موجود هو هذا السجن ، ولذا فانهم يرفضون الخروج من السجن .
ولكن كان هناك بضعة افراد يدركون انهم في سجن ، سجن مع الاعمال الشاقة ، وان السجن في فوضى وان حقوق السجناء المحدودة تُسحق تحت الاقدام .. كانوا يدركون اية نعمة هي خارج السجن ، واية لذة ، واية قصور جميلة هي بانتظارهم .. لهذا كانوا يعدون اللحظات ، وكانوا يقدمون طلبا باطلاق سراحهم يوميا ..
وفي الاثناء همس احدهم في اذني :
مثل هذا السجن ومثل هؤلاء السجناء مثل الدنيا واهلها (1) .
فلو انك قلت لهذين الفريقين : «خلصكم الله من هذا السجن» ، فكأنك قلت لاحد من اهل الدنيا : «اماتك الله» ، ولكنك لو قلت لذوي العقل من اولياء الله : اماتك الله فكأنك قلت له : خلصك الله من هذا السجن ، وسيبتهج بما قلت له : كما فعل اصحاب سيد الشهداء الحسين عليه السلام عشية عاشوراء ، فقد كانوا فرحين لانه غدا سيطلق سراحهم من السجن ... سجن الدنيا (2) .
«قل يا ايها الذين هادوا ان زعمتم انكم اولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت ان كنتم صادقين * ولا يتمنونه ابدا» (3) .
قال لي : لو ان امرء التفت الى اخبار المعصومين في ذم الدنيا والثناء عليها لعالج في ذاته مرض حب الدنيا ، وادرك قيمتها .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «نِعم العون على طاعة الله المال» (4) .
|
(1) «الدنيا سجن المؤمن» الخصال 1 / 53 .
(2) خرج حبيب بن مظاهر يضحك ، فقال له يزيد بن الحسين : «ما هذه ساعة ضحك» . قال حبيب : «واي موضع احق بالسرور من هذا ؟ ما هو الا ان يميل هؤلاء باسيافهم فنعانق الحور» . رجال الكشي : 53 . مقتل الحسين عليه السلام : 216 .
(3) الجمعة : الآيتان 6و 7 .
(4) وسائل الشيعة 6 / 17 .
|
ويقول الامام الصادق عليه السلام : «نِعم العون على الآخرة الدنيا» (1) .
ويقول الامام الباقر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم : «العبادة سبعون جزء ، افضلها طلب الحلال» (2) .
ويقول الامام الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم : «ملعون من القى كله على الناس» (3) .
ويقول الامام السجاد عليه السلام : «الدنيا دنياءان : دنيا بلاغ ، ودنيا ملعونة» (4) .
فالدنيا في رؤية الامام دنيا يفيد المرء منها قدر ما يحتاج ، والاخرى ملعونة لا خير فيها .
ويقول الامام الباقر عليه السلام : «من طلب الرزق في الدنيا استعفافا عن الناس ، وسعيا على اهله ، وتعطفا على جاره ، لقى الله عز وجل ووجهه مثل القمر ليلة البدر» (5) .
وقال الامام الصادق عليه السلام : «الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله» (6) .
وقال في رجل قال : لاقعدن في بيتي ، ولاصلين ، ولاصومن ، ولاعبدن ربي ، فاما رزقي فسيأتني ، قال عليه السلام : «هذا احد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم» (7) .
وقال عليه السلام : «ان الله ليحب الاغتراب في طلب الرزق» (8) .
وقال له رجل : والله انا لنطلب الدنيا ونحب ان نؤتيها .
فقال عليه السلام : «تحب ان تصنع بها ماذا ؟» .
قال : اعود بها على نفسي وعيالي ، واصل رحمي ، واتصدق بها ، واحج واعتمر .
فقال عليه السلام : «ليس هذا طلب الدنيا ، هذا طلب الآخرة» (9) .
|
(1) وسائل الشيعة 12 / 11 . مسند احمد 3 / 128 . سنن النسائي 7 / 61 .
(2) و (5) وسائل الشيعة 12 / 11 .
(3) وسائل الشيعة 12 / 18 .
(4) اصول الكافي 2 / 317 .
(6) اصول الكافي 5 / 88 .
(7) وسائل الشيعة 12 / 14 .
(8) اصول الكافي 5 / 88 .
(9) وسائل الشيعة 12 / 19 .
|
وقال في مناسبة اخرى : «ليس منا من ترك دنياه لآخرته» (1) .
وقال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» (2) .
وقال صلى الله عليه وسلم في مناسبة اخرى : «الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها ، الا ما كان لله منها» (3) .
وقال صلوات الله عليه : «من احب دنياه اضر بآخرته ، ومن احب اخرته اضر بدنياه ، فآثروا ما بقى على ما يفنى» (4) .
وقال عليه الصلاة والسلام : «حب الدنيا رأس كل خطيئة» (5) .
وقال عليه الصلاة والسلام : «يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور» (6) .
وقال صلى الله عليه وسلم : «من اصبح والدنيا اكبر همه فليس من الله في شيء ، والزم الله قلبه اربع خصال : هما لا ينقطع عنه ابدا ، وشغلا لا يتفرغ منه ابدا ، وفقرا لا ينال غناه ابدا ، واملا لا يبلغ منتهاه ابدا» (7) .
وقال الامام الصادق عليه السلام : «الدنيا دار من لا دار له ، ولها يجمع من لا عقل له» (8) .
وروي عليه السلام ، عن جده صلى الله عليه وسلم : قوله : «ما لي وللدنيا ، انما مثلي ومثلها كمثل الراكب رفعت له شجرة في يوم صائف فنام تحتها ثم راح وتركها» (9) .
وقيل لامير المؤمنين عليه السلام : صف لنا الدنيا . فقال عليه السلام : «وما اصف لك من دار : من صح فيها ما امن ، ومن سقم فيها ندم ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن استغنى فيها فتن ،
|
(1) من لا يحضره الفقيه 2 / 51 . وسائل الشيعة 12 / 49 .
(2) و (3) المحجة البيضاء 5 / 353 .
(4) المستدرك ـ الحاكم النيسابوري 4 / 319 .
(5) و (6) المحجة البيضاء 5 / 353 .
(7) المصدر المتقدم : 355 .
(8) اصول الكافي 2 / 129 .
(9) المصدر المتقدم : 134 .
|
في حلالها حساب ، وفي حرامها العذاب» (1) .
وقال الامام الصادق عليه السلام : «ما اعجب رسول الله من الدنيا الا ان يكون فيها جائعا خائفا» (2) .
وقال لقمان لابنه وهو يعظه : «يا بني ، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا» (3) .
وتمثل الامام الحسن المجتبى بيتا من الشعر يقول :
| «يا اهل الدنيا لا بقاء لها |
|
ان اغترارا بظل زائل حمق» (4) |
وقال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : «الدنيا حلم واهلها عليها مجازون معاقبون» (5) .
وتمثلت الدنيا لعيسى عليه السلام في صورة امراة زرقاء فقال لها : «كم تزوجت ؟» قالت : كثيرا . قال : «فكم طلقك ؟» . قالت : بل كلهم قتلت ! قال : «فويح ازواجك الباقين كيف لا يعتبرون بالماضين ؟» (6)
وقال عليه السلام : «الدنيا جسر فاعبروها ولاتعمروها» .
وقال ايضا : «انما الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها» (7) .
وكتب امير المؤمنين علي عليه السلام الى سلمان الفارسي : «امّا بعد ، فانما مثل الدنيا مثل الحية : لين مسها ، قاتل سمها ؛ فاعرض عما يعجبك فيها ، لقلة ما يصحبك منها ؛ وضع عنك همومها ، لما ايقنت به من فراقها ، وتصرف حالاتها ؛ وكن آنس ما تكون بها ، احذر ما تكون منها ؛ فان صاحبها كلما اطمأن فيها الى سرور اشخصته عنه الى
|
(1) نهج البلاغة : الخطبة 80 .
(2) اصول الكافي 2 / 129 .
(3) المحجة البيضاء 5 / 369 .
(4) المحجة البيضاء 6 / 9 . بحار الانوار 73 / 122 .
(5) المحجة البيضاء 6 / 10 .
(6) بحار الانوار 73 / 125 و 126 .
(7) بحار الانوار 73 / 93 . الخصال 1 / 33 .
|
محذور ، او الى ايناس ازالته عنه الى ايحاش ! والسلام» (1) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «انما مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء ، هل يستطيع الذي يمشي في الماء الا تبتل قدماه ؟» (2) .
وقال الامام الصادق عليه السلام : «مثل الدنيا كمثل ماء البحر ، كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله» (3) .
وقارن النبي صلى الله عليه وسلم متاع الدنيا بالآخرة قائلا : «ما الدنيا في الآخرة الا كمثل ما يجعل احدكم اصبعه في اليم فلينظر بم ترجع اليه من الاصل» (4) .
وعن الامام الكاظم عليه السلام : «ان لقمان وعظ ابنه قائلا : يا بني ، ان الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير ، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله ، وحشوها الايمان ، وشراعها التوكل ، وقيمها العقل ، ودليلها العلم ، وسكانها الصبر» (5) .
وروى الامام الصادق عليه السلام ، عن ابيه الباقر عليه السلام قوله : «مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت على نفسها لفا كان ابعد لها من الخروج ، حتى تموت غما» (6) .
|
(1) نهج البلاغة 5 / 68 .
(2) المحجة البيضاء 6 / 12 .
(3) اصول الكافي 2 / 136 .
(4) المحجة البيضاء 6 / 14 .
(5) اصول الكافي 1 / 16 . بحار الانوار 78 / 299 .
(6) اصول الكافي 2 / 134 .
|
|
حب الجاه
|
|
|
 |
قال لي معلمي :
في ايام درأستي سمعت شيئا عن حياة المرحوم صاحب الجواهر آية الله الشيخ محمد حسن النجفي الذي كان يمتحن طلبته ويؤيد اجتهادهم .
جاء احد الطلبة وقد اعد موضوعات فقهية بعد ان ايد شخصان بان هذه الموضوعات تعود له ، لكنها كان قد اخذها من غيره ، ولم تكن له ، يعني انه انتحلها لنفسه ... جاء الى الشيخ النجفي فمنحه الشيخ اجازة الاجتهاد !
وتمضي ايام فيأتي طالب كان قد اطلع على هذه «السرقة» واخبر الشيخ بذلك .
وسعى الشيخ في العثور عليه لكن دون جدوى ؛ وبعد ان يئس منه ارتقى المنبر ووعظ الطلاب ، وكان جل حديثه عن حب الجاه والرياسة ؛ ثم بكى بكاء طويلا ، ثم قال : ان هذه الامراض تهدد سعادة الانسان الخالدة ، ثم نزل من المنبر ، ولم يمنح بعدها اجازة لاحد في الاجتهاد ، ومات كمدا بعد ايام قلائل .
لقد سمعت هذه القصة في ايام درأستي ، وكنت اقول في نفسي : اذا لم يكن هناك حب للجاه والرياسة فما الداعي للحصول على اجازة الاجتهاد ؟ والاسوأ من هذا ان يكون السعي بالحيلة والمكر والخداع ، فكان عاقبة ذلك ان مات عالم كبير اسفا وحزنا بل لنقل قتل بسبب ذلك . وتساءلت :
لماذا ينشد المرء الى الصفات الحيوانية فيه ؟ ولذا فكرت في علاج هذه الوعكة ، اعني حب الجاه والرئاسة في مطلع شبابي .
وربما خامرني احساس باني قد تخلصت من هذه الصفة .
لكني عندما امتحن نفسي اجدني رأسبا في الامتحان حتى اجتزت في النهاية
الامتحان بنجاح .
والآن اعرف انك تحب الاطلاع على كيفية العلاج ، وكيف زكيت نفسي ، وكيف امتحنتها ، ولاني ارى فيك التلميذ الطيب فساشرح لك بشرط ان تلتزم بما اقول وتعمل به .
قال لي معلمي :
في البدء رحت افكر في عواقب حب الجاه ، اخذت بنظر الاعتبار آخر ما وصلت اليه في شغلي ، رأيت انني طالب ، وان اقصى ما اصل اليه ان اصبح مرجعا في التقليد ، وستقلدني الملايين من الناس ، وتكون لي زعامة عموم الشيعة ، وساكون عندها على حالين : اما ان اتمتع واتلذذ بتلك الرئاسة من اجل ارضاء نفسي لا رضوان الله ، وساحصل فقط على المال «سهم الامام» الذي آخذه من الناس وامنحه للطلاب على مسؤوليتي ، وسيحبني الطلاب بسبب ذلك ، وهو حب مزيف من اجل هذه الحفنة من المال ، يعني يتظاهرون بحبي ، وفي هذه الحالة سيبدأ شقائي في الليلة الاولى من القبر ، وسيكون عذابي يوم القيامة اكبر لاني اتخذت الله والدنيا وامام الزمان العوبة لارضاء نهم النفس وارضائها .
او اني لا التذ من تلك المرجعية ، وضبطت نفسي ، ونهضت باعباء المسؤولية ، وتوفرت في شروط المرجعية ونيابة الامام ، وهي كما وردت في حديث الامام الصادق عليه السلام : «واما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه ، حافظا لدينه ، مخالفا هواه ، مطيعا لامر مولاه ، فللعوام ان يقلدوه (1) .
ولذا فان اول شرط هو ان اخرج حب الجاه والرئاسة والمنصب والمقام من اعماقي .
حتى انني في تلك المدة كنت اتصل باستمرار بمراجع التقليد ، فقد اتوصل الى هذه الحقيقة واحصل على حالة اليقين فيها .
وهذا ما حصل لاني رأيت ان اهل الهدى على ما حصلوا عليه من العلم لم يكن
|
|
(1) وسائل الشيعة 18 / 95 .
|
|