|
|
يخرق السفينة .
صاح موسى : أتريد ان تخرقها لتغرق اهلها ؟! انك ترتكب عملا خطيرا ؟!
قال الرجل : مذكرا موسى بالعهد ! ألم اقل لك انك لا تستطيع معي صبرا !
وانتبه موسى فقال : لا تؤاخذني على ما نسيت وسامحني . وهز الرجل رأسه واستأنفا سفرهما بعد انت غادرا السفينة التي اضطر ملاحوها الى الرسو واصلاحها .
وصادفا في طريقهما شابا ، وفوجئ موسى بالرجل يهجم على الشاب ويجره جانبا ويسدد له ضربة وقضى عليه .
وهنا لم يتحمل موسى ، فهجم على الرجل وصرعه قائلا : أتقتل انسانا بريئا لم يقتل نفسا ، ولم يرتكب ذنبا يستحق ما ارتكبته بحقه !
قال الرجل بأسى : ألم اقل لك انك لا تستطيع معي صبرا .
استدرك موسى قائلا بأسف : لن انبس بعد هذا ببنت شفة ، ولن اعصي لك امرا ، لقد بلغت من لدني عذرا .
وانطلقا في سفرهما ، حتى وصلا قرية انطاكية .. وكانا جائعين ، وقد بلغ بهما التعب مبلغه ، وتمنيا ان يستضيفهما احد من اهل هذه القرية ، ولكن احدا لم يفعل ، فطلبا طعاما من هذا وذاك لكنهما وجدا اهل القرية بخلاء جدا .. وفيما هما يتجولان شاهدا حائطا خاويا يريد ان ينهد ..
ربت الرجل على كتف موسى وقال له : هلم نقيمه ونصلحه .
وبالرغم من جوعهما اقاما الجدار ، وقال موسى بعد ان انتهى العمل لو شئت لاتخذت عليه اجرا .
ومرة اخرى اعترض موسى على الخضر ، انه يتدخل في شيء ولا يصبر ليعرف علل ما يقوم به الخضر .. لهذا قال الخضر بحزم : هذا فراق بيني وبينك .. وآن لي ان افسر كل ما فعلته في سفرنا .
تلك قصة موسى والخضر التي انتهت بتفسير ما قام به الخضر ، ونحن نستفيد منها ما يلي :
اولا : ان على الانسان ان يجد له استاذا يكون دليله ، فالطريق الالهي مليء
بالعثرات وقطاع الطريق والمخادعين ، وهؤلاء لهم وسائل كثيرة للايقاع بالانسان ودفعه الى مهاوي الضياع .
الله سبحانه انتخب من عباده اطهرهم ، واكثرهم كمالا ، وجعلهم رسلا له يبلغون احكامه وتعاليمه .
والشيطان يستفيد من اكثر اتباعه غواية ، واقذرهم نفسا ، وجعلهم اقطاب الصوفية ، ومدعى البابية والامامة الكاذبة ، من اجل دفع الناس في طريق الضلال والهلاك ، واذا كان الله سبحانه يوحي الى بعض عباده فان الشيطان ايضا يوحي الى اتباعه ويهديهم الى طريق السعير ، وهذا ما صرح به القرآن الكريم .
وقد يقدر لبعض النفوس الطيبة الطاهرة من الرقي في عالم الروح ما يكون له كرامة في فعله وحياته .
الشيطان ايضا يفعل لاوليائه بعض الاعاجيب ليزيد في هلاكهم وضلالتهم .
واذا كان الله سبحانه يلهم بعض عباده المخلصين ، فان الشيطان يوسوس لمريديه وليس بين الالهام والوسوسة فارق الا في طهر الكلمات ، فالالهام خير الهي ، والوسوسة شر شيطاني .
واذا كانت هناك من رؤى رحمانية فاضعاف ذلك رؤى شيطانية .
ومن اجل هذا ارسل الله موسى عليه السلام الى الرجل الصالح الخضر حتى يتعلم منه .
فالاستاذ حجة يوم القيامة على الانسان .
والسؤال هنا من اين لنا ان نعرف ان الله سبحانه يعين لعباده استاذا ومعلما ؟
وجوابي انني وجدت استاذي ، وانتم يمكنكم ان تجدوا استاذكم .
في مطلع شبابي ، وقد هوت روحي معرفة الحقائق ، كنت اتوسل بامام العصر روحي فداه ، ورحت ابحث عن استاذي ومعلمي ، فكل من صادقته عرضته على دائرة اهل البيت اختبره فيها ، فاذا لم يتجاوز كلماتهم ركنت اليه ثم اختبره الا يكون من اولئك الذين يتخذون دينهم فخا يصطادون به المغفلين ، فاتوسل حتى يضيء في قلبي نور اطمئن اليه .
اتضرع الى الله انه لا حيلة لي غيرك يا الهي ، فوفقني للعثور على استاذي ،
فنجني يا الهي ان اخطأت ، ووفقني لمعرفته ، ثم التوكل على الله ، واسلّم اليه ، واطمئن الى استاذي ومعلمي ، وافيد من ارشاده .
خمسة اساتذة يأمروني باشياء ظاهرها نفعا له ، ثم اجدها نفعا لي يعينني في السير في طريق الكمال .
ربما تسألني اذا كانوا اساتذة كلهم فلِمَ تترك احدهم وتذهب الى آخر ؟!
واقول لك : الا يخطر ببالك ذلك اني لم اتركهم ، وانما فرقت بيننا الآجال ، فكلما فرق بيني وبين احدهم الموت بحثت عن آخر .
ثانيا : ان ما يمكن الافادة منه في قصة موسى والخضر انه يتوجب على المرء الا يأخذ بنظر الاعتبار شخصية الذاتي ، وانما ينظر الى نفسه ، فان وجد فيها داء ووجد دواء لدى انسان هو اقل منه شأنه ، فليتواضع له ، وليتتلمذ لديه ، ويخضع له خضوع التلميذ لمعلمه .
لقد كان موسى نبيا من اولي العزم ، وقد بدا له انه اعلم الناس ، وانه لا يوجد من هو اعلم منه ، لكنه تواضع للخضر قائلا له : لا اعص لك امرا .
ثالثا : ان على المرء اذا ما وجد استاذه ان يسلم له تسليما كاملا دون قيد او شرط او اعتراض . كما سلم موسى للخضر حتى بما قام به الخضر من اعمال تبدو في ظاهرها خطأ .
رابعا : اذا اعترض التلميذ على استاذه في ما يقوم به من اعمال يكون من حق الاستاذ ان يطرد تلميذه الى الابد وان يفارقه كما قال الخضر لموسى : انك لا تستطيع معي صبرا .. هذا فراق بيني وبينك .
القصة كما وردت في القرآن :
الكهف : الآيات 60ـ 82 :
«واذ قال موسى لفتاه لا ابرح حتى ابلغ مجمع البحرين او امضي حقبا * فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا * فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا * قال ارأيت اذ اوينا الى الصخرة فاني نسيت
 |
|
 |
الحوت وما انسانيه الا الشيطان ان اذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا * قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا * فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما * قال له موسى هل اتبعك على ان تعلمن مما علمت رشدا * قال انك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدني ان شاء الله صابرا ولا اعصي لك امرا * قال فان اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى احدث لك منه ذكرا * فانطلقا حتى اذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق اهلها لقد جئت شيئا امرا * قال ألم اقل انك لن تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من امري عسرا * فانطلقا حتى اذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا * قال ألم اقل لك انك لن تستطيع معي صبرا * قال ان سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا * فانطلقا حتى اذا اتيا اهل قرية استطعما اهلها فابوا ان يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد ان ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه اجرا * قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا * اما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فاردت ان اعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا * واما الغلام فكان ابواه مؤمنين فخشينا ان يرهقهما طغيانا وكفرا * فاردنا ان يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة واقرب رحما * واما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ابوهما صالحا فاراد ربك ان يبلغا اشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن امري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا» .
 |
|
 |
|
ظلمات النفس
|
|
|
 |
قال لي : سنوات وانا مستغرق الفكر من انا ؟ ومن اي شيء صنعت ، وما هي الاشياء التي اتألف منها ؟
ذات يوم رأيت شخصا خلف منضدة التشريح كان واقفا عندما جاءوا بي اليه ، قال لي :
ساقوم بتشريحك حتى تعرف من اي شيء تتكون ، ومن تكون ، وما انت .
حاولت الهروب والفرار لكني كنت اخفق في كل مرة .. لكأنما فقدت كل قدرة وخانتني ارادتي .
وضعوني على منضدة التشريح ، فشقني بسكين في يده الى شطرين .. لم اشعر باي الم ، فجأة ظهر لي انني اتألف من ثلاثة اشياء :
الاول : «الجسد» الذي يبقى شاخصا بعد الموت ، يعني ذلك الشيء المؤلف من لحم وجلد وعظم ودم . وقد قام هذا الشخص بفصل جسدي ووضعه جانبا وكأنه شيء اضافي لا حاجة له به .
الثاني : «الروح النباتية» وهي تنتهي مع انتهاء البدن ، ونصطلح عليها الروح لمجرد تشخيصها ؛ ذلك انها ليست مستقلة بل مرتبطة مع البدن ، فهي قائمة ما دام البدن قائما ، ومبدأها مع انعقاد النطفة في البدن ، وتستمر باستمرار حياة الانسان ، فاذا مات انتهت ، ولم يعد لها بعد ذلك وجودا خارجيا .
الثالث : «الروح» وهي نفس الانسان وحقيقته ، وهي الشيء الذي اذا نام الانسان او اغمي عليه توقف نشاطها في البدن ، فهي موجودة ما دام الانسان في حالة صحو
ووعي فاذا نام انفصلت عنه (1) .
ها انا ارى روحي بدقة .. رأيت ما يشبه طبقة سوداء من الدخان تحيط روحي ، عرفت ان هذا الدخان قد اختلط ببخار الروح المتألق بالنور ، فهو يعطل نورها .
الشخص الذي يتولى التشريح اشار الى الدخان ان ينفصل عن الروح ، والدخان اطاع الاوامر فورا .. ودهشت لمنظر روحي الشفاف المتألق فظللت مبهوتا انظر اليها .
خاطبني الشخص قائلا : والآن انظر هذه هي حقيقتك ..
هكذا خلقك الله .. فلا بدنك ولا تلك الروح النباتية ، ولا هذا الدخان يشكل جزء من وجودك الحقيقي .
لقد وهبت البدن فيما بعد حتى يمكنك الاستمتاع بلذائذ الدنيا وتنهض بما عهد اليك ربك من واجبات ، فالبدن وسيلتك لادائها (2) .
|
(1) عن ابي جعفر الثاني عليه السلام : «... نعم ، اما الرجل اذا نام فان روحه يخرج مثل شعاع الشمس فيتعلق بالريح ، والريح بالهواء ، فاذا اراد الله ان ترجع جذب الهواء الريح ، وجذب الريح الروح ، فرجعت الى البدن ، فاذا اراد الله ان يقبضها جذب الهواء الريح ، وجذب الريح الروح ، فقبضها» بحار الانوار 58 / 39 ، الحديث 9 .
(2) عن عبد الله بن الفضل الهاشمي ، قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام : لاي علة جعل الله عز وجل الارواح في الابدان بعد كونها في ملكوته الاعلى في ارفع محل ؟ فقال عليه السلام : «ان الله تبارك وتعالى علم ان الارواح في شرفها وعلوها متى ما تركت على حالها نزع اكثرها الى دعوى الربوبية دونه عز وجل ، فجعلها بقدرته في الابدان التي قدر لها في ابتداء التقدير نظرا لها ، ورحمة بها ، واحوج بعضها الى بعض ، وعلق بعضها على بعض ، ورفع بعضها على بعض ، ورفع بعضها فوق بعض درجات ، وكفى بعضها ببعض ، وبعث اليهم رسله ، واتخذ عليهم حججه مبشرين ومنذرين ـ يأمرون بتعاطي العبودية ، والتواضع لمعبودهم بالانواع التي تعبدهم بها ، ونصب لهم عقوبات في العاجل وعقوبات في الآجل ـ ومثوبات في العاجل ومثوبات في الآجل ؛ ليرغبهم بذلك في الخير ، ويزهدهم في الشر ، وليذلهم بطلب المعاش والمكاسب ، فيعلموا بذلك انهم بها مربوبون وعباد مخلوقون ، يقبلوا على عبادته فيستحقوا بذلك نعيم الابد وجنة الخلد ، ويأمنوا من النزوع الى ما ليس لهم بحق» . =
|
 |
|
 |
واضافة الى هذا فان خلايا جسدك تهدم كل يوم ، بل كل لحظة ، وتاتي بدلها خلايا جديدة عن طريق التغذية ، والحقيقة ان بدنك مثل جدول ماء يتجه صوب الفناء والزوال ، ولولا انك تتغذى لتجبر ما يتهدم فان بدنك يضعف شيئا فشيئا ويتلاشى ، واذن فبدنك لا يمتلك قدرا كبيرا من الاهمية التي تتصورها .
واما الروح النباتية فهي من اجل حفظ حياتك فقط ، هي ادنى مرتبة من البدن نفسه ، وما عملها سوى ايصال المواد الغذائية الى خلايا الجسد .
فكما ان النباتات تمتلك هذه الروح لحفظ حياتها ، فكذا بدن الانسان تحفظه هذه الروح ، ولذا اطلقنا عليها اسم الروح النباتية .
واما الدخان الذي ازلته عنك فهو في الحقيقة التلوث الذي يصيب الانسان في عالم الدنيا ، سواء كان فعل النفس او بسبب تلوث البيئة ، فاصيبت الروح بها ، وهنا يتوجب عليها التزكية التي يتم معظمها في هذه الدنيا .
وبوضوح اكثر ان هذا السواد وهذه الظلمة ، انما جاءت بسبب افعالك الجاهلة واستغراقك اكثر مما يجب في الدنيا وتأثيرات الشيطان . وما واجبك في دار الدنيا الا ان تزيح هذا الظلام عن نفسك .
ولتعلم ان هذا السواد اذا لم يكن اكثر تأثيرا من روحك فهو لا يقل عنها ؛ ذلك انه بقدر ما يؤثر تهلك وروحك في طريق سعادتك ، فان هذا السواد الذي يدعي مرة : «النفس الامارة بالسوء» ويدعى اخرى : «الروح الحيوانية» يعمل من اجل شقائك .

|
|
قال لي : ودققت النظر في ذلك السواد الذي انفصل عن روحي فاذا هو كثيف
=
ثم قال عليه السلام : «يابن الفضل ، ان الله تبارك وتعالى احسن نظرا لعباده منهم لانفسهم ، الا ترى انك لا ترى فيهم الا محبا العلو على غيره حتى انه يكون منهم لمن قد نزع الى دعوى الربوبية ، ومنهم من نزع الى دعوى النبوة بغير حقها ، ومنهم من نزع الى دعوى الامامة بغير حقها ، وذلك مع ما يرون في انفسهم من النقص والعجز والضعف والمهانة والحاجة والفقر والآلام والمناوبة عليهم والموت الغالب لهم والقادر لجميعهم . يابن الفضل ، ان الله تبارك وتعالى لا يفعل بعباده الا الاصلح لهم ، ولا يظلم الناس شيئا ، ولكن الناس انفسهم يظلمون» علل الشرائع : 1 / 15 و16 . بحار الانوار 58 / 133 ، الحديث 6 .
|
 |
|
 |
جدا مثقل بالقذارة .
انه يفوق بشاعة الشيطان الذي رأيته ذات ليلة بهذه البشاعة .
اعني تلك الليلة وكنت في مطلع شبابي ، وكنت في خلوة بغرفتي نائما وحدي ، وكانت فتاة شابة هي الاخرى نائمة في غرفة ثانية .
فجأة انتبهت على كف توقظني .. لا ادري اذا كنت قد انتبهت في كامل وعيي او انني كنت بين النوم واليقظة عندما رأيت كائنا يشبه الانسان لكنه اسود الدخان ، وكانت الخيانة واضحة على هيئته .. دعاني لان اخون .. فصرخت من ذعري وخوفي واغمي علي .
ها انا الآن ادرك ان تلك الصورة الشيطانية قد انعكست في روحي الشفافة المتألقة الزاخرة بالنور ، فاذا تلك الملامح الشيطانية اجدها الآن قد ظهرت في روحي .
وكما اخبرني ذلك الشخص انه يتوجب علي ان اميط عن روحي ذلك ، والا اصبحت مثل الشيطان الذي طرد من رحاب الله بسبب جهله وخيانته وتكبره وانانيته ، وبسبب صفاته القبيحة هذه ، وسيبقى رجيما تلاحقه اللعنة الى يوم القيامة وسيكون مصيره جهنم خالدا فيها .
وحتى لا يكون مصيري كمصيره رتبت برنامجا ساشرحه لك في ما بعد من اجل انقاذ روحي من ذلك السواد ..
اي انني سأقوم بمعرفة ذلك السواد جزء جزء ، ثم اقوم بتنقية روحي ، ولاصل الى مقام الانسانية الكريم .
قال لي : وهنا وقع ما اربك الحالة وعادت الاشياء التي فصلها الشخص الى ما كانت عليه من اتصال .
اشكر الله سبحانه الذي لطف بي اذ ايقظني من نوم الغفلة وعرفني نفسي ، وعندما رجعت الى الآيات القرآنية والروايات وجدت ان الحقيقة لم تكن غير ما رأيت .
ولذا انصب همي بعد ذلك اليوم على الدخان الاسود الذي ولج روحي ،
وحاولت وبكل الوسائل ان انزعه من وجودي حتى اتمكن من مواصلة السير الى الله ، وابلغ حالة الوصل التام .
لكني ظللت في حيرة من اين ابدأ ، وكيف لي التخلص من صفات الرذيلة التي تنوء بها روحي .. وذات ليلة وانا اتلو القرآن واستمده العون ، فاذا هذه الآيات تشع في قلبي :
«يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون * ولا تكونوا كالذين نسوا الله فانساهم انفسهم اولئك هم الفاسقون * لا يستوي اصحاب النار واصحاب الجنة اصحاب الجنة هم الفائزون * لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون * هو الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * هو الله الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والارض وهو العزيز الحكيم» (1) .
ورحت اتأمل في هذه الآيات متدبرا اسبر معانيها من طرف ، ومن طرف آخر جاء في الروايات عن الائمة الاطهار ما يقرأ المؤمن آية او سورة من القرآن لحاجة الا قضيت له ، فانااقرأ هذه الآيات لهذه الحاجة ... من اجل الخلاص من الظلمات التي هي في روحي .
فجأة حدث لي ما حدث في المرة السابقة .. انفصلت روحي عن البدن ، وتحررت الروح مما اكتنفها من سواد .. وفي هذه المرة استطعت ان آخذ روحي الى المختبر لانظر كيف هي ، وما هذا السواد الذي يلفها ؟
ومن حسن الحظ اني عرفت في المختبر كنه ذلك السواد وطريقة الخلاص منه .
نظرت فيه فاذا الجهل متجسدا من اخمص قدميه الى قمة رأسه ، ولذا فان علاجه الوحيد هو العلم .
|
|
(1) الحشر : من الآية 18 الى آخر السورة .
|
وتوضيح ذلك ان هذا السواد في روحي جاء من الاعراض عن عالم الارواح ، ونسيان ما تعلمه الروح في مدرسة اهل البيت عليهم السلام .
فالجهل والنسيان احتلا مكان العلم والمعرفة ، وعلى هذا احتل الشر مكان الخير والكفر محل الايمان .
فاذا قمت بتعزيز ايماني فان الكفر والشر سينحسر شيئا فشيئا ، وازحت قليلا ذلك السواد عن روحي .
فكرت ماذا افعل حتى انجو من الظلمة التي تكتنف روحي ؟ ولم ادرك كم هي شاقة هذه المهمة ؟
مرت سنوات وانا مستغرق في ترويض نفسي مستخدما وسائل مختلفة .
مرة اتأمل في ادلة وجود الله ، ومرة استغرق في آيات الآفاق والانفس ، وساعة اغوص في دقائق هذا العالم من نبات وحشرات وكيفية الخلق ، وبالرغم من ان هذا كان يؤثر في نفسي ولكن قلبي لم يكن يقر له قرار .
ومع كل ما عانيت لم احصل الا على ايمان مؤقت ، اي ان السواد كان ينحسر قليلا ثم يعود ، وكان ايماني يشتد تارة فتغمر قلبي السكينة ، ثم يهجم الكفر والجهل فيمتلئ وجودي بالشر والسوء ، فلم يكن ايماني مستقرا ، وهذا ما ضاعف من معاناتي .
ذلك ان الغياب الكامل للايمان يكون محسوسا بشكل واضح كأنه دوامة من العذاب تعصف بالمرء .
مع اني كنت مبتهجا لانني صنعت عشا لايماني في القلب ، والايمان كما لو انه حمامة تضع قدمها لاول مرة في عش جديد ، فهي لم تعتد عليه بعد ، فاذا وجدت حشرات تؤذيها غادرت العش وقد لا تعود اليه .
ولذا تأملت في عش قلبي ، وفي علة اضطراب حالة الايمان فيه ، فاذا وفقت في الوقوف عليها ، فربما استقر ايماني .
ولكن يا للاسف عندما اراجع روحي ونفسي وعش الايمان فيها ارى كثيرا من الحشرات والديدان ، والتي سادعوها باسمائها جميعها ، او قسما منها ، والتي تعاني
منها انت ايضا ، وبسببها يضطرب ايمانك ؛ ولذا يتوجب عليك القضاء عليها ؛ لان لكل واحد منها دورا في تكثيف الظلمة والسواد في روحك وهي كما يلي :
حب الدنيا ، طلب الجاه والرئاسة والنفوذ ، ظلم الناس ، النفاق ، نكران النعمة ، القسوة ، العجلة ، التكبر ، الجفاء ، حب الشهرة ، الحقد ، الحسد ، البخل ، الخيانة ، الوقاحة ، الاسراف ، الحرص ، الغلظة ، الاستغراق في الشهوات ، النميمة ، الانحطاط ، الانتقام ، فقدان الصبر ، الانكار والعناد ، الكذب ، فقر الذات ، العدوان ، التفاخر والتباهي (1) .
طبعا لم ابتل بجميع هذه الصفات ، فلقد عشت في بيئة وفي ظل اسرة غذتني صفات كريمة ، او يمكن القول انها لم تدع للرذائل طريقا الى نفسي .
لكني ما زلت اعاني من حب الدنيا والشهرة والرئاسة ، وهذا ما جعل الظلمة تتكاثف في روحي .
غير اني وببركة اهل بيت الوحي صلى الله عليهم وسلم بدأت التطهير في روحي ، وتخلصت مما يثقلها من اللوث .
وها انا اضع حصيلة تجربتي في هذا الكتاب من اجلك .
|
|
(1) اصول الكافي ـ جنود العقل والجهل 1 / 14 .
|
|
الانبساط والانقباض
|
|
|
 |
قال لي : ذات يوم جاءني شاب احبه كثيرا ، وكان من اسرة اصيلة ، جاءني وقال لي : لقد فقدت ايماني بالمرة ، انني اكاد انفجر لاني فقدت ايماني بحقائق الوجود .. ارجوك ساعدني في الشفاء من هذا المرض !
ولاني اعرفه ، واعرف انه يجهل الدلائل العلمية والعقلية والنقلية في اصول العقائد ... يعني انه لم يحقق فيها ، ولم يطالع كتابا حولها ، امرته ان يطالع دورة في اصول العقيدة ، ويعزز عقائده علميا فلعل ايمانه يعود اليه .
واستجاب لما نصحته ، وذهب الى استاذ طيب ، قلت لاستاذه : يجب ان ينظم برنامجه بدقة حتى يتعلم اصول العقائد في مدة قصيرة ..
وكانت النتيجة ان شفي من مرضه الروحي .
قال لي : وذات يوم جاءني رجل كان قد اجتاز سن الكهولة ، وعلى حد تعبيره انه امضى سنوات طويلة في درأسة الفلسفة والعقائد الاسلامية ، واصبح استاذا مختصا بهما وقال لي : لا ادري لماذا يهتز ايماني مع اني اعرف ادلة كثيرة في اثبات وجود الله وسائر القضايا العقيدية .. اكاد اتشظى .. وكأن الادلة التي اعرفها في وجود الله هي ادلة في انكاره !! ماذا بوسعي ان افعل ؟
قلت له : لعل السبب في ان بيت فؤادك يكتظ بالرذائل من الصفات ، ولم تزك نفسك ، ولذا فان الايمان يلج قلبك وهو مثقل بالاغلال ، ولانه لا ينسجم مع الرذائل فهو يغادر قلبك في اول غفلة لك ، واذا غادر الايمان القلب فمن الصعب ان يعود .. انه في هذه الحالة كحمامة تجبرها على دخول وكر يموج بالحيوانات المفترسة .. انها لن يقر لها قرار في مثل هكذا مكان .. وهكذا الايمان في وجود الرذائل .
|
|