بين يدي الاستاذ 1

بين

يدي الاستاذ

الجزء الاول

تأليف

السيد حسن الابطحي

ترجمة

كمال السيد

بين يدي الاستاذ 3

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المترجم

عالم الانسانية .. عالم عميق الاغوار .. عالم غامض ومجهول ، كثيرون من البشر يتصورون انفسهم صغارا محدودين لكننا لو اصغينا الى هؤلاء وتساءلنا معهم عن شعور بالبداية او احساس بالنهاية لقلما وجدنا منهم من يذكر له بداية او تخطر في باله نهاية .
ان المرء يكاد ينكر ان تكون بدايته لحظة الميلاد ، ويكاد يرفض في الوقت نفسه ان يكون الموت هو النهاية .. هذا الاحساس المتجذر في الذات قد يكون اول الادلة على ان تأريخ الانسان روحيا يمتد الى ماض سحيق ، اما مستقبله فسوف يستمر الى ما شاء الله ، وما الدنيا الا مرحلة عابرة في مسار طويل .. طويل جدا . يقولون ان الشعور بالظمأ اكبر دليل على وجود الماء .. والشوق الى الخلد دليل على وجود عالم الخلد .. وان الانسان اكبر مما نتصور يقول الامام علي :
اتحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالَم الاكبر
دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر

الانسان مخلوق من طين ، من صلصال ، من حمأ مسنون ، ثم نفخ الله فيه من روحه ، وعلمه الاسماء كلها ، واسجد له الملائكة كلهم اجمعون ، وكرمه الله ، وخلقه في احسن تقويم ، وشاءت ارادته سبحانه ان يمتحن في عالم الدنيا ، ان يكتشف بنفسه الطريق الى الله ، واضاء الله له معالم الطريق ..

بين يدي الاستاذ 4


يقول الامام عليه السلام : «من عرف نفسه عرف ربه» .
اكتشاف الانسان نفسه يعني اكتشافه البداية والمآل .. نقطة الانطلاق وطريق العودة .
وما الحياة الدنيا الا لعب ولهو ، وان الدار الآخرة لهي الحياة الحق .
الدنيا مقطع عابر في عمر الانسان .. والدنيا بظروفها والمعاناة التي فيها تستحيل ، بالنسبة للنفوس التي تتطلع للحياة الحقيقية والخلود الاخضر ، الى سجن ، وان الكيان الانساني انما يكمن في البناء الروحي ، وما جسد الانسان الا قفص او رداء مثقل بالمادة والطين والادران :
انا عصفور وهذا قفصي طرت عنه وبقى مرتهنا
انا في الصور وهذا جسدي كان ثوبي وقميصي زمنا
وانا الآن اناجي ملأ وارى الله جهارا علنا
لا تظنوا الموت موتا انه ليس الا نقلة من هاهنا

انه من الظلم الكبير والسقوط ان يعتبر البعض تأريخ الانسان هو تأريخ البحث عن الطعام .. او يقول :
انما الدنيا طعام وشراب ومنام .
فاذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام .
كلا ان الانسان اعظم واسمى من ذلك ، ان تأريخه هو تأريخ البحث عن الحقيقة عن الله عن البداية والمصير .
لقد قرأت في مراهقتي عدة كتب تأثرت بها ايما تأثر . في البداية قرأت كتاب (الف ليلة وليلة) ، حيث العوالم المسحورة التي تمزج بين الحقيقة والخيال ، تجارب الانسان وطموحاته وتطلعاته ، ولكن كل ذلك كان يصور عالم اللذائذ الحسية المترعة بالمتع .. حيث الدنيا كؤوس من الخمر المعتقة ، وفتيات الشرق الساحرات ، وليالي اللذة الحمراء ، واطباق الاطعمة الشهية ، والمغامرات الجنسية ..
وقرأت (كليلة ودمنة) وما تنطق به الحكمة الانسانية على لسان الحيوانات ..
لكني تأثرت بشدة لا توصف بـ (قصة الايمان بين الفلسفة والعلم والقرآن)

بين يدي الاستاذ 5

لمؤلفه نديم الجسر ، واحدثت في نفسي هزة روحية .. لانه ايقظ في اعماقي عالم الروح ، وسمعت الله يناديني : ان هلم الي ..
وهذه الكتب كلها معروفة في مكتباتنا العربية ، لكني اريد ان الفت النظر الى كتاب آخر مضى اكثر من 25 سنة على مطالعتي اياه «هكذا عرفت نفسي» للمرحوم الاستاذ السيد محمد جمال الهاشمي (1) ، الذي سجل تجربته الفنية في هذا المضمار ، واعتبرها «رسالة تنزلت علي في ساعة حالمة هزتني ، فوعيت ، فنظرت ، فاضطربت ، فكان من تلك الساعة ميلادي الجديد» .
وميزة الكتاب انه لا ينطوي على الجانب العلمي منه فحسب ، بل اودع ذلك في قالب ادبي فني غاية في التأثير والامتاع .
ولانني شبه متأكد من خلو المكتبات في العصر الحاضر من هذا الكتاب وامثاله اثبت بعض المقاطع منه ، فقد تكون دعوة لاعادة طبعه وتقديمه من جديد في وقت نحن امس الحاجة فيه الى اكتشاف انفسنا واعادة صياغة الباطن :
«جرس يرن باتصال ، وصوت يتردد في الفضاء ويقول : «وقفوهم انهم مسؤولون» (2) هنا محكمة الحقائق ، هنا محكمة الحقائق .
تتألف هذه المحكمة من : القاضي ، المتهم ، الشاكي ، الشهود .
القاضي : الوجدان .
الشاكي : الضمير .
المتهم : انا .
الشهود : جوارح وجوانح .
يسألني القاضي ـ وقد وقفت امامه بذل وانكسار ، بينما يقف خصمي بجلال ووقار ـ ما اسمك ؟ انا . سيد محمد ابن سيد جمال الهاشمي النجفي ، احد طلاب الحوزة العلمية في النجف الاشرف .
(1) النجفي العراقي .
(2) الصافات : الآية 24.
بين يدي الاستاذ 6


القاضي : اعرض شخصك بصراحة دون لبس والتواء .
انا : عرضت ذلك بحقيقته ; اذ لا داعي لي في الاختفاء .
القاضي : اذن انت لا تفهم ذاتك ، ان اسمك الذي اطلقته على نفسك ليس عنوانك الصحيح ، ان عنوانك الصحيح هو الذي يلازمك في كل زمان ومكان ، بينما عنوانك الذي تسمى به من مخترعات والدك ، استحبه في ساعة من ساعات ايامه فاطلقه عليك ، كما ان والدك لم يكن الا آلة صماء في خلقك ، لا تتمكن من التقديم او التأخير في تأريخ وجودك ، بينما الاب هو الخالق الذي يتصرف في تأريخ الايجاد كيفما يشاء ، اما موطنك فانه مثل ابيك ، وعنوانك مزيف ايضا ، فان وجودك ساعة الميلاد في النجف كان بنحو من المصادفة ، ولو فرض ان امك كانت ساعة ميلادك في الجزائر لكنت جزائريا لا نجفيا ، بينما الوطن هو الذي لا يتمكن ساكنه من الانتقال عنه .
اما ادعاؤك طلب العلم فهي دعوى مضحكة ، فان الدعوى لا بد وان تظهر بملابسات تعتمد عليها ، بينما دعواك فارغة من كل الملابسات ، ان طلب العلم له مميزات ومشخصات تفقدها كلها ، ولذلك كانت دعواك هذه افرغ من دعوى العنوان والوطن .
انا : فمن انا يا سيادة القاضي ؟ عرفني نفسي ، فان رهبة المحكمة انستني حتى نفسي .
القاضي : انا ايضا متحير في حقيقتك الملتوية ، ان كل ما تحمله مستعار زائف ، ان قسمات وجهك ، وخصائص وجودك ، وعناوينك الشخصية والاجتماعية ، كلها طلاء يزول بمرور العمر كما يزول طلاء الجدار بمرور الزمان ، فانت والجدار في زيف الصورة سواء ، وربما كان يمكنني ان انسبك الى الزمان لو كان الزمان باقيا ، لكنه يزول كما تزول مشخصاتك ، فانت من انت ؟ وما انت ؟ دعني اتذكرك ، فان التذكر يرشد التفكر ، انت عبد الشهوة ، والشهوة مملوكة الغريزة ، والغريزة تديرها الحياة ، والحياة تبعثها الروح الخالدة ، والروح تختص بالله ، فانت انت عبد الله بموجب هذا التسلسل ، وربما كنت مخطئا في عرضي لك ،

بين يدي الاستاذ 7

فان من ينتمي الى الله بالعبودية لا بد وان تكون فيه سمات العبد ، وانت تتبنى الحرية في كل شيء ، ولذلك تراني مترددا في نسبتك الى الله بالعبودية ، ولكن لا مناص من تعريفك بهذه النسبة .
وربما امكنني ان اعرض صورتك على نفسك باطار آخر ، انت تمتاز عن غيرك من العناصر بالارادة والاختيار ، فكل ما في الكون يجري الى مستقر ، ومستودعه بلا ان يكون له في جريانه قصد ولا ارادة ابدا ، بينما تجري انت الى ما تريد وكما تريد ، فانت تمتاز على غيرك بخصوصية الاختيار ، والذي يميزه الاختيار عن غيره يسمى بالانسان ، فانت انسان لا غير ، ان الاطارين يعرضان صورتك الحقيقية للناظر ، فهما يلازمانك في كل ادوار حياتك ، يلازمانك ساعة ميلادك ، ويلازمانك ساعة موتك ، يلازمانك مهما اختلفت بك الازمنة والامكنة ، ومهما تباينت فيك الازياء والصور ، فانت عبد الله في كل فصول حياتك ، وانت انسان في كل ادوار عمرك . فاذا عرفت ذاتك فهلم معي وأجب على دعوى خصمك بوضوح وبيان :
يدعي هذا الواقف امامك بانك خنته ، ولا زلت تخونه في كل حكم وموضوع ، فهو كما يقول : شريكك في رأس المال الذي تتاجر به في حياتك ، وقد انفردت بالتصرف فيه ، تعمل به ما تشاء ، كأنه لك وحدك لا شريك لك ، بينما هو يشاركك في كل بضاعة تعرضها حياتك .
انا : مولاي القاضي ، اني لا اعرف هذا الخصم الشاكي ، ولم اره طيلة ايام حياتي ، حتى احسبه شريكي في مكاسبي !
الضمير ـ وهو يتوجه الي ـ : انت لا تعرفني ؟ انت لم ترني ؟ سجلي اعترافه ايتها المحكمة العادلة لكيلا ينكره كما انكرني .
القاضي للضمير : هل لك بينة تثبت شركتك مع هذا الخصم المنكر ؟
الضمير : اسمح لي يا سيادة القاضي لاعرفه بنفسي اولا ، ثم اقيم لك البينات المشرقة ، [يتوجه الضمير الي ، وقد توترت عروق وجهه واحمرت ، وكأنها تريد ان تقذفني بدمائها الثائرة] ، اني اعرّفك بنفسي في ايام لا تنساها .. اتذكر يوم تسابقت فيه والاستاذ ... في موضوع شعري اقترحته لجنة من اصدقائك ،

بين يدي الاستاذ 8

وقد سبقك في الاجادة والابداع ، بيد ان اللجنة راعت صداقتك معها ، فارادت ان تعطي حكمها في جانبك ، وانت تعلم ان اللجنة تخون الفن والحق في حكمها لك ، وارادت نفسك منك ان تترك اللجنة وعملها الخائن ، لولا ان رأيتني اعرض عليك نتيجة الحق ، وانك ستهدم كيانا انسانيا عامّا لمصلحتك الشخصية ، فاطعتني ، وطلبت من صديقك ان لا يخالف الحق والفن في حكمه ، وكان لعملك صداه الرداد في المجتمعات الادبية والانسانية ؟
واتذكر ايضا يوم حاولت ان تخون الامانة التي استودعها عندك صديقك ... تخونها وتدعي ضياعها او سرقتها ، وكنت تعلم ان تلك الامانة كل ما يملكه الصديق المعهود ، فاذا هضمتها فقد هدمت حياته وحياة عائلته الكبيرة ، وهناك صورت لك النتيجة المترقبة منك ومن صديقك ، فرأيت نفسك لصا حقيرا يسرق مال صديقه العزيز ، ورأيت اعز اصدقائك في حالة بائسة يائسة ، انت كنت السبب فيها ، فخجلت مني ، واستحقرت نفسك ، وتركت ما كنت مقدما عليه ؟
هاتان صورتان من مئات الصور اقدمها لك كشاهدي تعريف لعلاقتنا ، فاذا اكتفيت بهما ، والا فساقيم لك معرضا يعج بالصور المثيرة لحياتك المشرفة .
انا : عفوا يا اخي ، اني تذكرتك ، فانت ذلك الاخ المساعد لاخيه في عشرات المواقف الفاشلة ، واني حين انكرتك كنت مسحورا بهذه المحكمة الرهيبة ، وبقاضيها الجبار .
الشهود : العين تقول للذاكرة سجلي ما ارسله اليك من حوادث هذا اليوم الرهيب .
الضمير : ـ الى القاضي ـ اسمعت كيف اصبحت اخاه المساعد بعد ما كنت غريبا عنه لم يرني طيلة ايامه واعوامه ، المست الاقرار بعد الانكار ، لكني استميح المحكمة ان تتناسى هذه الجريمة فلا تسجلها عليه ; لان الارتباك يبدو لنا من كل حركاته وسكناته .
القاضي ـ وهو يلتفت على الضمير بغضب ـ : ليس لك ان تنفي او تثبت شيئا من الاحكام ، ان ذلك من شؤون المحكمة . ان الاقرار بعد الانكار جريمة قانونية لها

بين يدي الاستاذ 9

غرامتها وجزاؤها .
الشهود : القلب يهمس للدماغ : هذا ما كنت احذره منك في الحياة ، انك بقياساتك الباطلة حطمت احاسيسي وعواطفي ، واوقفت صاحبنا هذا الموقف المخزي .
انا : ما انا ايها القاضي الا بشر كالناس ، اتاثر بالمناظر ، وان مشاهد هذه المحكمة التي تكشف السرائر ، وتهتك الاسرار ، انها اروع محكمة تقيمها الانسانية على هذه الارض ، ان ما تتركه شخصية القاضي في نفس المتهم يكفي لان تزلزل كيانه ، وتهد قواه ; ولذلك تراني ذاهلا حتى عن شخصي المعلوم المجهول ، ان ما لمسته ذاتي من ذاتي في هذا اليوم يكفي لان يغير نظرتي الى ذاتي ، ثم الى العالم ، انني ولدت من جديد ، وهل يعاقب ابن يومه على هفوة او زلة او اثم ؟ انني معذور في اقوالي واعمالي لانها تصدر مني دون ان تكون لي فيها ارادة واختيار .
القاضي : هب انا عفونا عن هذه الجريمة ، وتناسينااقرأ رك بعد انكارك ، فماذا تقول في دعوى هذا الواقف امامك ؟
انا : لم اعرف دعواه بعد ، وكل ما استفدته من موقفي هذا اليوم انه يدعي مشاركته لي في شؤون الحياة ، ولا ادري عن اي شان من شؤون حياتي يتحدث ؟ ايقصد بها شؤوني الاجتماعية التي جاهدت وحدي في تحقيقها ، وغامرت بايامي واعوامي حتى وصلت الى ما وصلت اليه ؟ ام يقصد بها شؤوني المالية ؟ انني يا سيادة القاضي ، اشكر الله على اني لا املك من حطام الدنيا اكثر من القوت اللازم ، وحتى قوتي اللازم لا يتاتى لي الا بالدين والاستعارة ، ام يقصد بها شؤوني المنزلية ؟ هل سمعت بانسان يتخذ شريكا له في زوجته واولاده ؟ انني متحير في دعواه ; ولذلك ارجو من المحكمة ان تطلب منه بان يوضح لي هذه الشركة وجهاتها ، فعسى ان اتذكرها .
القاضي ـ للضمير ـ : لا مانع لدى المحكمة من توضيح غموض دعواك للمتهم .
الضمير : اني اشكر المحكمة على موقفها المشرف من هذه الدعوى الملتوية ، ومن هذا الخصم الذاهل ، انني اعرض شركتي وحدودها لهذا الخصم ، فعسى ان

بين يدي الاستاذ 10

يفيء الى الحق ، ويذعن للعدالة الانسانية ، ويرجع لي الحقوق المهضومة ، [وهنا يلتفت الضمير الي ويخاطبني بلهجة ساحرة] : قل لي يا صاحبي : من اين تكوّن وجودك الانساني ، وبماذا تتميز عن غيرك من الناس ؟ واعتقد بانك ستجيبني بان لك سمات خاصة تميزك عن غيرك بعينيك وانفك ووجهك ، وطولك وعرضك ، وسائر الآثار البارزة في بدنك ، وفكرك وقلبك وشعورك واحساسك ، وسائر الآثار الخفية في وجودك ، وهي التي تميزك عن غيرك ، وتجعلك تعيش في دنيا خاصة بك ، وهنا اسالك : هل لقلبك كما لعينك ، ولفكرك كما لسمعك ، دعوات واستجابات ، وهل للقلب آفاق خاصة يعيش فيها ؟ اعتقد بانك لا تستطيع تجاهل تلك الآفاق والحدود ، فانه كما تتألم الحواس الظاهرة فيك من مشاهد ومناظر خارجية تحس بها وبما فيها من الصور المشجعة ، كذلك القلب يرتاح ويتألم من المشاهد والمناظر التي تعرضها عليك دنياه في حدودها وآفاقها ، وهنا استفسر منك بانك هل تدري بماذا يرتاح القلب ويتألم ؟ ومن الذي يريحه ويؤلمه ؟ فيريح الخواطر والذكريات ويؤلمها ؟ اعتقد بانك لو راجعت مذكرات حياتك لتعرفت به ، ان من يزعج القلب ويؤنس الخواطر هو انا ايها الاخ العاق ، انك ان استجبت لايحائي ، وسرت في الطريق التي اوجهك اليها ، تعيش وانت مرتاح القلب والخواطر ، وان عاكستني في توجيهي تعيش منزعج القلب والخواطر ، وكانك مجرم ينتظر السجن والعقاب ، فهل عرفتني ، وعرفت حدود شركتي ايها الاخ العاق والشريك الخائن ، وهل آمنت باني اشاطرك حياتك في كل مكان وزمان .
وهنا يلتفت الضمير الى القاضي ويقول : كفاني تعريفا لنفسي ، ولاتوجه اليكم بدعواي ، واطلب منكم تحقيق العدالة الانسانية ، اطلبها وانا اعتقد بان المحكمة قادرة على تحقيقها .
سيدي القاضي : ان هذا الواقف امامك قد خانني ، وغصب حقوقي ، وانكر وجودي ، فهو (وانا شريكه في رأس مال حياته) يعيش وكأنني غير موجود معه ، فهو ينكرني في البيت ، فيامر وينهى ويعتدي ويستسلم ويغضب ويرضى بلا ان يلتفت الي والى تحذيري ، وهو في السوق يغش ويزيف ويطفف مكاييله وموازينه ،

بين يدي الاستاذ 11

وهو في المجتمعات يتظاهر بحب الانسانية ، وبصحبة الضمير (اي بصحبتي انا) ، ويهتف بسقوط الظلم وبحياة العدالة ، بينما هو يعادي العدالة في اعماله وآرائه ، ويتبع الظلم في تصرفاته واحكامه ، انه بعيد عني في كل شيء ، ظالم لكل احد حتى لاهله واولاده ، وهنا يرتفع صوته حتى يصل الى حد الصراخ ، ويستمر في خطأبه للقاضي بتلك اللهجة الصارخة وقد مزجها بالنشيج : انصفني يا سيادة القاضي ، وخذ حقي من هذا الظالم القاسي ، فقد لاقيت منه ما لا يصبر عليه حتى الجماد ، انصفني وارجع لي حقوقي المغصوبة .
الشهود : يلتفت كل عضو الى آخر بانه صادق في كل دعاواه .
القاضي : ما جوابك على هذه الدعاوى ؟
انا : سكوت ، وانكسار ، وخشوع ممزوج ببكاء .
القاضي : اجب على اسئلة المحكمة والا فسانفذ فيك احكام القانون حرفيا .
انا : صمت ، نشيج يرتفع رويدا رويدا حتى يغمر المحكمة .
القاضي : وهو يلتفت الى الاعضاء : ان جلستنا تنقلب سرية لنتشاور في المحكمة على هذه الدعوى المستغربة وتختم الجلسة .
بعد مرور ثلاث ساعات على المشاورة اعيدت جلسة المحاكمة كما كانت باعضائها وشهودها ، وافتتح الجلسة سيادة القاضي بقوله : انك ايها المتهم مصاب بداء وبيل صعب العلاج ، وان جريمتك ترجع اسبابها الى الادواء المتغلغلة في وجودك ، ولذلك قبل ان نطبق عليك احكام مادة هذه الجريمة قررنا ان نعرضك على الطبيب الاخصائي بهذا اللون من المرض ، فان قرر ما تقررناه ، وطبعا يكون قراره بعد اجراء الفحوص والتجارب الطبية عليك . نعم ، ان توافق قرارنا وقراره نكتفي بعلاجك حسبما يراه الطبيب المعالج ، وان وجد ان الباعث على الجريمة هو حب الاجرام الناشئ عن الشذوذ الطبيعي في امثالك من نوادر البشر ، فان لك احكاما خاصة نجريها عليك ، وان كان الباعث هو سوء التربية الراجع الى المحيط والبيئة ، فان لك احكاما خاصة ايضا نطبقها عليك .
وهكذا ساقتني المحكمة الى عيادة طبيب نفساني راح يجري علي تجاربه

بين يدي الاستاذ 12

وفحوصه ، ثم قرر رأيه في مرضي ، وانه ناشئ من سوء التربية الناشئ من فساد المحيط والبيئة ، ولما عدت الى المحكمة مشفوعا بقرار الطبيب التفت الي القاضي وقال لي : انك مريض بالعدوى ، ان الجو الذي كنت تعيش به كان متسمما بالاهواء ، ولما كنت قد تنفست فيه راحت سمومه الفتاكة تنفذ الى طبيعتك السليمة فتسممها ، ولذلك يلزمنا ان نخرج السم منها ، وان عملية اخراج السم وان كانت قبلئذ تجري بمشقة مزعجة ، ولكن العلم قد سهل صعوبتها بوسائله الجديدة ، واول ما يجب عليك القيام به هو الهرب من نفسك المسمومة ، لئلا تتأثر بها سائر انحاء وجودك ، ان النفس الانسانية تتأثر بالمحيط الذي تعيش فيه بسهولة ، وقد تأثرت نفسك بجو حياتك ، فنفذ السم اليها شيئا فشيئا حتى غمرها ، فهي الآن كتلة من السم يتأثر به كل من يدنو اليها فعليك ان تفر منها .
انا : كيف افر يا سيدي القاضي من نفسي ؟ والى اين افر ؟ وهل لي مجال اعيش فيه وحدي من دون نفسي ؟
القاضي ـ وقد ارتاح من سؤالي ـ نعم يمكنك ان تفر من نفسك وتعيش انسانا لا نفس له ، اما المهرب الذي تفر اليه هو الله ، وقد دلك اليه القرآن الكريم بقول : «ففرّوا الى الله» (1) ، ان الله هو الملجأ الوحيد الذي يمكنك ان تعيش فيه بلا ان تزاحمك النفس بوساوسها واهوائها .
انا : كيف افر الى الله ؟ ارشدني الى وسيلة تمكنني الفرار من نفسي الى الله .
القاضي : ان الفرار من النفس لا يتحقق الا بموت النفس ، وموتها بقطع وسائل الحياة عنها ، ومواد حياتك تنفيذ اهوائها واطاعة اوامرها ، خالفها في اهوائها واستمر على المخالفة حتى تضعف طاقتها وتضعف الى ان تفنى ، ومخالفتها لا يمكن الا بعد ان ترفع عن بصيرتك غشاوة الجهل بنور العلم ، فان العلم يرشدك الى طريق الفرار باضوائه الهادية المنبعثة من مؤلفات العلماء واحاديثهم ، ان العلم اقوى من الهوى ؛ لانه يسير في النهار المشرق ، والهوى يتخبط في الليل الحالك ،
(1) الذاريات : الآية 50.
بين يدي الاستاذ 13

والنور يبدد الظلمة ، فالعلم اقوى من الهوى ، فاذا تمكنت من هوى النفس فكبحته ، فقد تمكنت من نفسك ; لانها لا تعيش الا به ، فاذا قطعت مادة حياتها عنها فقد افنيتها ، ومتى افنيتها فررت الى الله الذي سيعصمك بظله عن الحوادث ، ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم .
انا : يا سيادة القاضي ، هيئ لي وسائل الفرار الى الله والاعتصام به لكي اتخلص مما انا فيه ، وسوف ابقى اذكرك بالشكر ما بقيت حيا .
القاضي : ان محكمتنا قد هيأت لك تلك الوسيلة ، فقد صدر قرارها باحالتك الى مدرسة الاحداث ، لتربيك بوسائلها الصالحة الصحيحة .
انا : كيف انتمي الى مدرسة الاحداث وانا قد تجاوزت الاربعين من العمر .
القاضي : انك لم تزل طفلا حدثا بالرغم من مرور هذه الاربعين ، انك طفل في ملكاتك وغرائزك ، ورب طفل وهو شيخ كبير في آرائه وافكاره ، انك طفل حدث جدا ، ولذلك نحيلك الى مدرسة الاحداث ، نختم جلستنا .
الشهود ـ بعض لبعض ـ : كنا ننتظر عقابا اقسى من هذا الحكم ، ولكن المحكمة ابصر باعمالها من غيرها» .
«وهنا قال : هيا بنا فقد طال الحديث ، وهكذا خرجنا من البلد لنستقبل الصحراء ، خرجت معه وانا مراقب اقوالي واعمالي لئلا تزل ، فيكرر هجومه علي ، فيتأخر سفرنا الوجداني ، سرنا خطوات ربما لا تتجاوز العشرة ، واذا به يقف ويواجهني بهذا السؤال : قل لي : الى اين تريد ان تتوجه بسفرك هذا ، والى اي بلدة تريد مني ان اسافر بك ؟ لانك كما تدعي رجل رشيد في اقوالك وآرائك ، وحقيقة كانت مفاجأة منه لي لم اتوقعها منه في تلك الساعة ، وعلى مثل تلك الحالة التي انا فيها ، ولكنني تماسكت واجبته : بان المدرسة ارسلتني لاطبق درسا عمليا لا بد لي من تطبيقه ، وان المدرسة لم تذكر لي الجهة المقصودة ، كما لم تقف بي على الغاية المنشودة ، وكلما هناك اني تلميذ في مدرسة تسير وفق برنامج معين ، فلها ان توجهني وعلي ان اطيعها بعد استفسار عن الجهة او الغاية ، بعد ما اطمأنت نفسي بسيرها وغايتها ، فقال لي : اذن انت آلة صماء في هذا المعمل الذي تسميه


الفهرس التالي التالي