أخلاق أهل البيت 41

سنة ، لا يدري امن سني الدنيا ، ام من سني الاخرة ، عن كبر ساعة واحدة ، فمن بعد ابليس يسلم على الله بمثل معصيته ، كلا ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشراً بأمر اخرج منها ملكا ، واستيعذوا بالله من لواقح الكبر ، كما تسيعيذون من طوارق الدهر ، فلو رخص الله في الكبر لاحد من عباده لرخص فيه لخاصة انبيائه ورسله ، ولكنه سبحانه كره اليهم التكابر ، ورضي لهم التواضع» (1) .
وعن الصادق عن ابيه عن جده عليهم السلام قال : «وقع بين سلمان الفارسي وبين رجل كلام وخصومة فقال له الرجل : من انت يا سلمان ؟ فقال سلمان : اما اولي واولك فنطفة قذرة ، واما آخري وآخرك فجيفة منتنة ، فاذا كان يوم القيامة ، ووضعت الموازين ، فمن ثقل ميزانه فهو الكريم ، ومن خفت موازينه فهو اللئيم» (2) .
وعن الصادق (ع) قال : «جاء رجل موسر الى رسول الله (ص) نقي الثوب ، فجلس الى رسول الله ، فجاء رجل معسر ، درن الثوب ، فجلس الى جنب الموسر ، فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه ، فقال له رسول الله (ص) : اخفت ان يمسك من فقره شيء ؟ قال : لا . قال : فخفت ان يوسخ ثيابك ؟ قال : لا . قال : فما حملك على ما صنعت ؟ فقال : يا رسول الله ان لي قرينا يزين لي كل قبيح ويقبح لي كل حسن ، وقد جعلت له نصف مالي . فقال رسول الله (ص) للمعسر : اتقبل ؟ قال : لا . فقال له الرجل : لم ؟ قال : اخاف ان يدخلني ما دخلك» .
مساوىء التكبر

من الواضح ان التكبر من الامراض الاخلاقية الخطيرة ، الشائعة في الاوساط الاجتماعية ، التي سرت عدواها ، وطغت مضاعفاتها على المجتمع ، وغدا يعاني مساوئها الجمة .
فمن مساويء التكبر وآثاره السيئة في حياة الفرد :
(1) نهج البلاغة .
(2) البحار م 15 ج 3 ص 124 عن امالي الصدوق .
أخلاق أهل البيت 42


انه متى استبد بالانسان ، احاط نفسه بهالة من الزهور والخيلاء ، وجن بحب الانانية والظهور ، فلا يسعده الا الملق المزيف ، والثناء الكاذب ، فيتعامى آنذاك عن نقائصه وعيوبه ، ولا يهتم بتهذيب نفسه ، وتلافي نقائصه ، ما يجعله هدفا لسهام النقد ، وعرضة للمقت والازدراء .
هذا الى ان المتكبر اشد الناس عتواً وامتناعاً عن الحق والعدل ، ومقتنضيات الشرائع والاديان .
ومن مساويء التكبر الاجتماعية :
انه يشيع في المجتمع روح الحقد والبغضاء ، ويعكر صفو العلاقات الاجتماعية ، فلا يسيىء الناس ويستثير سخطهم ومقتهم ، كما يستثير المتكبر الذي يتعالى عليهم بصلفه وانانيته .
ان الغطرسة داء يشقي الانسان ، ويجعله منبوذا يعاني العزل والوحشة ، ويشقي كذلك المرتبطين به بصنوف الروابط والعلاقات .

بواعث التكبر

الاخلاق البشرية كريمة كانت او ذميمة ، هي انعكاسات النفس على صاحبها ، وفيض نبعها ، فهي تشرق وتظلم ، ويحلو فيضها ويمر تبعا لطيبة النفس او لؤمها ، استقامتها او انحرافها ، وما من خلق ذميم الا وله سبب من اسباب لؤم النفس او انحرافها .
فمن اسباب التكبر : مغالاة الانسان في تقييم نفسه ، وتثمين مزاياها وفضائلها ، والافراط في الاعجاب والزهو بها ، فلا يتكبر المتكبر الا اذا آنس من نفسه علماً وافراً ، او منصباً رفيعاً ، او ثراءاً ضخماً ، او جاهاً عريضاً ، ونحو ذلك من مثيرات الانانية والتكبر .
وقد ينشأ التكبر من بواعث العداء او الحسد او المباهاة ، مما يدفع المتصفين بهذه الخلال على تحدي الاماثل والنبلاء ، وبخس كراماتهم والتطاول عليهم ، بصنوف الازدراءات الفعلية او القولية ، كما يتجلى ذلك في تصرفات المتنافسين والمتحاسدين في المحافل والندوات .

أخلاق أهل البيت 43


درجات التكبر

وهكذا تتفاوت درجات التكبر وابعاده بتفاوت اعراضه شدة وضعفاً .
فالدرجة الاولى : وهي التي كمن التكبر في صاحبها ، فعالجه بالتواضع ، ولم تظهر عليه اعراضه ومساوئه .
والدرجة الثانية : وهي التي نما التكبر فيها ، وتجلت اعراضه بالاستعلاء على الناس ، والتقدم عليهم في المحافل ، والتبختر في المشي .
والدرجة الثالثة : وهي التي طغى التكبر فيها ، وتفاقمت مضاعفاته فجن صاحبها بجنون العظمة ، والافراط في حب الجاه والظهور ، فطفق يلهج في محاسنه وفضائله ، واستنقاص غيره واستصغاره . وهذه اسوأ درجات التكبر ، واشدها صلفاً وعتواً .

أنواع التكبر

وينقسم التكبر باعتبار مصاديقه الى ثلاثة انواع :
(1) ـ التكبر على الله عزوجل :
وذلك بالامتناع عن الايمان به ، والاستكبار عن طاعته وعبادته . وهو افحش انواع الكفر ، وابشع انواع التكبر ، كما كان عليه فرعون ونمرود واضرابهما من طغاة الكفر وجبابرة الالحاد .
(2) ـ التكبر على الانبياء :
وذلك بالترفع عن تصديقهم والاذعان لهم ، وهو دون الاول وقريب منه .
(3) ـ التكبر على الناس :
وذلك بازدرائهم والتعالي عليهم بالاقوال والافعال ، ومن هذا النوع التكبر على العلماء المخلصين ، والترفع عن مسائلتهم والانتفاع بعلومهم وارشادهم ، مما يفضي بالمستكبرين الى الخسران والجهل بحقائق الدين ، واحكام الشريعة الغراء .

أخلاق أهل البيت 44


علاج التكبر

وحيث كان التكبر هوساً اخلاقياً خطيراً ماحقاً ، فجدير بكل عاقل ان يأخذ حذره منه ، وان يجتهد ـ اذا ما داخلته اعراضه ـ في علاج نفسه ، وتطهيرها من مثالبه ، واليك مجملاً من النصائح العلاجية :
(1)ـ ان يعرف المتكبر واقعه وما يتصف به من الوان الضعف والعجز : فأوله نطفة قذرة ، وآخره جيفة منتنة ، وهو بينهما عاجز واهن ، يرهقه الجوع والظمأ ، ويعتوره السقم والمرض ، وينتابه الفقر والضر ، ويدركه الموت والبلى ، لا يقوى على جلب المنافع ورد المكاره ، فحقيق بمن اتصف بهذا الوهن ، ان ينبذ الانانية والتكبر ، مستهدياً بالاية الكريمة «تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين» . ( القصص : 83)
فأفضل الناس احسنهم اخلاقاً ، واكثرهم نفعاً ، واشدهم تقوى وصلاحاً .
(2) ـ ان يتذكر مآثر التواضع ومحاسنه ، ومساويء التكبر وآثامه ، وما ترادف في مدح الاول وذم الثاني من دلائل العقل والنقل ، قال بزرجمهر : «وجدنا التواضع مع الجهل والبخل ، احمد عند العقلاء من الكبر مع الادب والسخاء ، فأنبل بحسنة غطت على سيئتين ، واقبح بسيئة غطت على حسنتين» (1) .
(3) ـ ان يروض نفسه على التواضع ، والتخلق بأخلاق المتواضعين ، لتخفيف حدة التكبر في نفسه ، واليك امثلة في ذلك :
أ ـ جدير بالعاقل عند احتدام الجدل والنقاش في المساجلات العلمية ان يذعن لمناظره بالحق اذا ما ظهر عليه بحجته ، متفادياً نوازع المكابرة والعناد .
ب ـ ان يتفادى منافسة الاقران في السبق الى دخول المحافل ، والتصدر في المجالس .
ج ـ ان يخالط الفقراء والبؤساء ، ويبدأهم بالسلام ، ويؤاكلهم على المائدة ، ويجيب دعوتهم ، متأسياً بأهل البيت عليهم افضل الصلاة والسلام .
(1) محاضرات الادباء للراغب .
أخلاق أهل البيت 45



القناعة

وهي : من الاكتفاء من المال بقدر الحاجة والكفاف ، وعدم الاهتمام فيما زاد عن ذلك .
وهي : صفة كريمة ، تعرب عن عزة النفس ، وشرف الوجدان ، وكرم الاخلاق .
واليك بعض ما اثر عن فضائلها من النصوص :
قال الباقر (ع) : «من قنع بما رزقه الله فهو من اغنى الناس» (1) .
انما صار القانع من اغنى الناس ، لان حقيقة الغنى هي : عدم الحاجة الى الناس ، والقانع راض ومكتف بما رزقه الله ، لا يحتاج ولا يسأل سوى الله . قيل : لما مات جالينوس وجد في جيبه رقعة مكتوب فيها : «ما اكلته مقتصدا فلجسمك ، وما تصدقت به فلروحك ، وما خلفته فلغيرك ، والمحسن حي وان نقل الى دار البلى ، والمسيء ميت وان بقي في دار الدنيا ، والقناعة تستر الخلة ، والتدبير يكثر القليل ، وليس لابن آدم انفع من التوكل على الله سبحانه» (2) .
وشكى رجل الى ابي عبد الله عليه السلام انه يطلب فيصيب ، ولا يقنع ، وتنازعه نفسه الى ما هو اكثر منه ، وقال : علمني شيئا انتفع به . فقال ابو عبد الله (ع) : «ان كان ما يكفيك يغنيك ، فأدنى ما فيها يغنيك وان كان ما يكفيك لا يغنيك ، فكل ما فيها لا يغنيك» (3) .
وقال الباقر (ع) : «اياك ان يطمح بصرك الى من هو فوقك فكفى بما قال الله تعالى لنبيه (ص) «ولا تعجبك اموالهم ولا اولادهم» وقال : «ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به ازواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا» ، فان دخلك من ذلك شيء ، فاذكر عيش رسول الله (ص) ، فانما كان قوته الشعير ، وحلواه التمر ، ووقوده السعف اذا وجده» (4) .
(1) الوافي ج 3 ص 79 عن الكافي .
(2) كشكول البهائي ، طبع ايران ص 371 .
(3) الوافي ج 3 ص 79 عن الكافي .
(4) الوافي الجزء 3 ص 78 عن الكافي .
أخلاق أهل البيت 46


محاسن القناعة

للقناعة اهمية كبرى ، واثر بالغ في حياة الانسان ، وتحقيق رخائه النفسي والجسمي ، فهي تحرره من عبودية المادة ، واسترقاق الحرص والطمع ، وعنائهما المرهف ، وهوانما المذل ، وتنفخ فيه روح العزة ، الكرامة ، والاباء ، والعفة ، والترفع عن الدنايا ، واستدرار عطف اللئام .
والقانع بالكفاف اسعد حياة ، وارخى بالا ، واكثر دعة واستقراراً ، من الحريص المتفاني في سبيل اطماعه وحرصه ، والذي لا ينفك عن القلق والمتاعب والهموم .
والقناعة بعد هذا تمد صاحبها بيقظة روحية ، وبصيرة نافذة ، وتحفزه على التأهب للآخرة ، بالاعمال الصالحة ، وتوفير بواعث السعادة فيها .
ومن طريف ما اثر في القناعة .
ان الخليل بن احمد الفراهيدي كان يقاسي الضر بين اخصاص البصرة ، واصحابه يقتسمون الرغائب بعلمه في النواحي .
ذكروا ان سليمان بن علي العباسي ، وجه اليه من الاهواز لتأديب ولده ، فأخرج الخليل الى رسول الله سليمان خبزاً يابساً ، وقال : كل فما عندي غيره ، وما دمت اجده فلا حاجة لي الى سليمان . فقال الرسول : فما ابلغه ؟ فقال :
ابـلغ سليمـان اني عنه في سعـة وفي غنىً غير اني لست ذا مـال
والفقر في النفس لا في المال فاعرفه ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
فـالرزق عن قدر لا العجز ينقصـه ولا يـزيدك فـيه حـول محتـال (1)

وفي كشكول البهائي «انه ارسل عثمان بن عفان مع عبد له كيساً من الدراهم الى ابي ذر وقال له : ان قبل هذا فأنت حر ، فأتى الغلام بالكيس الى ابي ذر ، والح عليه في قبوله ، فلم يقبل ، فقال له ، اقبله فان فيه عتقي . فقال : نعم ولكن فيه رقي» (2) .
(1) سفينة البحار ج 1 ص 426 بتصرف .
(2) سفينة البحار ج 1 ص 483 .
أخلاق أهل البيت 47


«وكان ديوجانس الكلبي من اساطين حكماء اليونان ، وكان متقشفا ، زاهداً ، لا يقتني شيئا ، ولا يأوي الى منزل ، دعاه الاسكندر الى مجلسه . فقال للرسول قل له : ان الذي منعك من المسير الينا ، هو الذي منعنا من المسير اليك ، منعك استغناؤك عنا بسلطانك ، ومنعني استغنائي عنك بقناعتي» (2) .
وكتب المنصور العباسي الى ابي عبد الله الصادق عليه السلام : لم لا تغشانا كما يغشانا الناس ؟ فأجابه : ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه ، ولا عندك من الاخرة ما نرجوك له ، ولا انت في نعمة فنهنيك لها ، ولا في نقمة فنعزيك بها . فكتب المنصور : تصحبنا لتنصحنا . فقال ابو عبد الله (ع) : «من يطلب الدنيا لا ينصحك ، ومن يطلب الاخرة لا يصحبك» (2) .
وما احلى قول ابي فراس الحمداني في القناعة :
ان الغني هو الغنـي بنفسـه ولو انه عار المناكب حـاف
ما كـل ما فوق البسيطة كافياً فاذا قنعت فكل شيء كـاف


الحرص

الحرص : هو الافراط في حب المال ، والاستكثار منه ، دون ان يكتفي بقدر محدود . وهو من الصفات الذميمة ، والخصال السيئة ، الباعثة على الوان المساوىء والآثام ، وحسب الحريص ذماً انه كلما ازداد حرصاً ازداد غباءاً وغماً .
واليك بعض ما ورد في ذمه :
قال الباقر (ع) : «مثل الحريص على الدنيا ، مثل دودة القز كلما ازدادت من القز على نفسها لفاً ، كان ابعد لها من الخروج ، حتى تموت غماً» (3) .
لذلك قال الشاعر :
يفني البخيل بجمع المال مدته وللحوادث والايام ما يـدع
كـدودة القز ما تبنيه يهدمهـا وغيرها بالذي تبنيه ينتفع
(1) سفينة البحار ج 2 ص 451 .
(2) كشكول البهائي .
(3) الوافي ج 3 ص 152 عن الكافي .
أخلاق أهل البيت 48


وقال الصادق (ع) : «ان فيما نزل به الوحي من السماء : لو ان لابن آدم واديين ، يسيلان ذهباً وفضة ، لا بتغى لهما ثالثاً ، يابن آدم انما بطنك بحر من البحور ، وواد من الاودية ، لا يملأه شيء الا التراب» (1) .
وقال (ع) : «ما ذئبان ضاريان ، في غنم قد فارقها رعاؤها احدهما في اولها والاخر في آخرها ، بأفسد فيها من حب المال «الدنيا خ ل» والشرف في دين المسلم» (2) .
وقال أمير المؤمنين (ع) في ضمن وصيته لولده الحسن عليه السلام «واعلم يقينا انك لن تبلغ املك ، ولن تعدو اجلك ، وانك في سبيل من كان قبلك ، فخفض في الطلب ، واجمل في المكتسب ، فانه رب طلب ، قد جر الى حرب ، فليس كل طالب بمرزوق ، ولا كل مجمل بمحروم» (3) .
وقال الحسن بن علي عليهما السلام :
«هلاك الناس في ثلاث : الكبر . والحرص . والحسد .
فالكبر هلاك الدين وبه لعن ابليس ...
والحرص عدو النفس ، وبه اخرج آدم من الجنة .
والحسد رائد السوء ومنه قتل قابيل هابيل» (4) .

مساويء الحرص

وبديهي انه متى استبد الحرص بالانسان ، استرقه ، وسبب له العناء والشقاء ، فلا يهم الحريص ، ولا يشبع جشعه الا استكثار الاموال واكتنازها ، دون ان ينتهي الى حد محدود ، فكلما ادرك مأرباً طمح الى آخر ، وهكذا يلج به الحرص ، وتسعبده الاطماع ، حتى يوافيه الموت فيغدو ضحية الغناء والخسران .
والحريص اشد الناس جهدا في المال ، واقلهم انتفاعا واستمتاعاً به ،
(1) الوافي ج 3 ص 154 عن من لا يحضره الفقيه للصدوق (ره) .
(2) مرآة العقول في شرح الكافي للمجلسي (ره) ج 2 عن الكافي . ص 303 .
(3) نهج البلاغة .
(4) كشف الغمة .
أخلاق أهل البيت 49

يشقى بكسبه وادخاره ، وسرعان ما يفارقه بالموت ، فيهنأ به الوارث ، من حيث شقي هو به ، وحرم من لذته .
والحرص بعد هذا وذاك ، كثيراً ما يزج بصاحبه في مزالق الشبهات والمحرمات والتورط في آثامها ، ومشاكلها الاخروية ، كما يعيق صاحبه عن اعمال الخير ، وكسب المثويات كصلة الارحام واعانة البؤساء والمعوزين ، وفي ذلك ضرر بالغ ، وحرمان جسيم .

علاج الحرص

وبعد ان عرفنا مساوىء الحرص يحسن بنا ان نعرض مجملا من وسائل علاجه ونصائحه وهي :
1 ـ ان يتذكر الحريص مساوىء الحرص ، وغوائله الدينية والدنيوية وان الدنيا في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، وفي الشبهات عتاب .
2 ـ ان يتأمل ما اسلفناه من فضائل القناعة ، ومحاسنها ، مستجلياً سيرة العظماء الافذاذ ، من الانبياء والاوصياء والاولياء ، في زهدهم في الحياة ، وقناعتهم باليسير منها .
3 ـ ترك النظر والتطلع الى من يفوقه ثراءاً ، وتمتعاً بزخارف الحياة والنظر الى من دونه فيهما فذلك من دواعي القناعة وكبح جماح الحرص .
4 ـ الاقتصاد المعاشي ، فانه من اهم العوامل ، في تخفيف حدة الحرص ، اذ الاسراف في الانفاق يستلزم وفرة المال ، والافراط في كسبه والحرص عليه .
قال الصادق عليه السلام : «ضمنت لمن اقتصد ان لا يفتقر» (1) .


الكرم

الكرم ضد البخل ، وهو : بذل المال او الطعام او اي نفع مشروع ، عن طيب نفس .
(1) البحار مج 15 ج 2 ص 199 عن الخصال للصدوق (ره) .
أخلاق أهل البيت 50


وهو من اشرف السجايا ، واعز المواهب ، واخلد المآثر . وناهيك في فضله ان كل نفيس جليل يوصف بالكرم ، ويعزى اليه ، قال تعالى : «انه لقرآن كريم» (الواقعة : 77) . «وجاءهم رسول كريم » (الدخان :17) . «وزروع ومقام كريم » (الدخان: 26) .
لذلك اشاد اهل البيت عليهم السلام بالكرم والكرماء ، ونوهوا عنهما ابلغ تنويه :
قال الباقر (ع) : «شاب سخي مرهق في الذنوب ، احب الى الله من شيخ عابد بخيل» (1) .
وقال الصادق (ع) : «اتى رجل النبي (ص) فقال : يا رسول الله اي الناس افضلهم ايماناً ؟ فقال : ابسطهم كفاً» (2) .
وعن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله (ص) «السخي قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة . والبخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، قريب من النار» (3)
وقال الباقر (ع) : «انفق وايقن بالخلف من الله ، فانه لم يبخل عبد ولا امة بنفقة فيما يرضي الله ، الا انفق اضعافها فيما يسخط الله» (4) .

محاسن الكرم

لا يسعد المجتمع ، ولا يتذوق حلاوة الطمأنينة والسلام ، ومفاهيم الدعة والرخاء ، الا باستشعار افراده روح التعاطف والتراحم ، وتجاوبهم في المشاعر والاحاسيس ، في سراء الحياة وضرائها ، وبذلك يغدو المجتمع كالبنيان المرصوص ، يشد بعضه بعضاً .
وللتعاطف صور زاهرة ، تشع بالجمال والروعة والبهاء ، ولا ريب ان
(1) الوافي ج 6 ص 68 عن الكافي والفقيه .
(2) الوافي ج 6 ص 67 عن الكافي .
(3) البحار م 15 ج 3 عن كتاب الامامة والتبصرة .
(4) الوافي ج 6 ص 68 عن الكافي .
أخلاق أهل البيت 51

اسماها شأناً ، واكثرها جمالاً وجلالاً ، واخلدها ذكراً هي : عطف الموسرين ، وجودهم على البؤساء والمعوزين ، بما يخفف عنهم آلام الفاقة ولوعة الحرمان .
وبتحقيق هذا المبدأ الانساني النبيل ( مبدأ التعاطف والتراحم ) يستشعر المعوزون ازاء ذوي العطف عليهم ، والمحسنين اليهم ، مشاعر الصفاء ، والوئام والود ، مما يسعد المجتمع ، ويشيع فيه التجاوب ، والتلاحم والرخاء .
وباغفاله يشقى المجتمع ، وتسوده نوازع الحسد ، والحقد ، والبغضاء ، والكيد . فينفجر عن ثورة عارمة ماحقة ، تزهق النفوس ، وتمحق الاموال ، وتهدد الكرامات .
من اجل ذلك دعت الشريعة الاسلامية الى السخاء والبذل والعطف على البؤساء والمحرومين ، واستنكرت على المجتمع ان يراهم يتضورون سغبا وحرمانا ، دون ان يتحسس بمشاعرهم ، وينبري لنجدتهم واغاثتهم . واعتبرت الموسرين القادرين والمتقاعسين عن اسعافهم ابعد الناس عن الاسلام ، وقد قال رسو ل الله (ص) : «من اصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم» (1) .
وقال (ص) : «ما آمن بي من شبعانا وجاره جائع ، وما من اهل قرية يبيت فيهم جائع ينظر الله اليهم يوم القيامة » (2).
وانما حرض الاسلام اتباعه على الاريحية والسخاء ، ليكونوا مثلاً عالياً في تعاطفهم ومواساتهم ، ولينعموا بحياة كريمة ، وتعايش سلمي ، ولان الكرم صمام امن المجتمع ، وضمان صفائه وازدهاره .

مجالات الكرم

تتفاوت فضيلة الكرم ، بتفاوت مواطنه ومجالاته . فأسمى فضائل الكرم ، واشرف بواعثه ومجالاته ، ما كان استجابة لامر الله تعالى ، وتنفيذا لشرعه المطاع ، وفرائضه المقدسة ، كالزكاة ، والخمس ونحوهما .
وهذا هو مقياس الكرم والسخاء في عرف الشريعة الاسلامية ، كما قال
(1) و (2) عن الكافي .
أخلاق أهل البيت 52

النبي (ص) : «من ادى ما افترض الله عليه ، فهو اسخى الناس» (1) .
وافضل مصاديق البر والسخاء بعد ذلك ، واجدرها ـ عيال الرجل واهل بيته ، فانهم فضلا عن وجوب الانفاق عليهم ، وضرورته شرعا وعرفاً ، اولى بالمعروف والاحسان ، واحق بالرعاية واللطف .
وقد يشذ بعض الافراد عن هذا المبدأ الطبيعي الاصيل ، فيغدقون نوالهم وسخاءهم على الاباعد والغرباء ، طلباً للسمعة والمباهاة ، ويتصفون بالشح والتقتير على اهلهم وعوائلهم ، مما يجعلهم في ضنك واحتياج مريرين ، وهم الصق الناس بهم واحناهم عليهم ، وذلك من لؤم النفس ، وغباء الوعي .
لذلك اوصى اهل البيت (ع) بالعطف على العيال ، والترفيه عنهم بمقتضيات العيش ولوازم الحياة :
قال الامام الرضا (ع) : «ينبغي للرجل ان يوسع على عياله ، لئلا يتمنوا موته» (2) .
وقال الامام موسى بن جعفر (ع) : «ان عيال الرجل اسراؤه ، فمن انعم الله عليه نعمة فليوسع على اسرائه ، فان لم يفعل اوشك ان تزول تلك النعمة» (3) .
والارحام بعد هذا وذاك ، احق الناس بالبر ، واحراهم بالصلة والنوال ، لاواصرهم الرحمية ، وتساندهم في الشدائد والازمات .
ومن الخطأ الفاضح ، حرمانهم من تلك العواطف ، واسباغها على الاباعد والغرباء ، ويعتبر ذلك ازدراءاً صارخاً ، يستثير سخطهم ونفارهم ، ويحرم جافيهم من عطفهم ومساندتهم .
وهكذا يجدر بالكريم ، تقديم الاقرب الافضل ، من مستحقي الصلة والنوال ، كالاصدقاء والجيران، وذوي الفضل والصلاح ، فانهم اولى بالعطف من غيرهم .
(1) الوافي ج 6 ص 67 عن الفقيه .
(2) الوافي ج 6 ص 61 عن الكافي والفقيه .
(3) الوافي ج 6 ص 61 عن الكافي والفقيه .
أخلاق أهل البيت 53


بواعث الكرم

وتختلف بواعث الكرم ، باختلاف الكرماء ، ودواعي اريحيتهم ، فأسمى البواعث غاية ، واحمدها عاقبة ، ما كان في سبيل الله ، وابتغاء رضوانه ، وكسب مثوبته .
وقد يكون الباعث رغبة في الثناء ، وكسب المحامد والامجاد ، وهنا يغدو الكريم تاجراً مساوماً بأريحيته وسخائه .
وقد يكون الباعث رغبة في نفع مأمول ، او رهبة من ضرر مخوف ، يحفزان على التكرم والاحسان .
ويلعب الحب دوراً كبيراً في بعث المحب وتشجيعه على الاريحية والسخاء . استمالةً لمحبوبه . واستدراراً لعطفه .
والحدير بالذكر ان الكرم لا يجمل وقعه ، ولا تحلو ثماره ، الا اذا تنزه عن المن ، وصفى من شوائب التسويف والمطل ، وخلا من مظاهر التضخيم والتنويه ، كما قال الصادق (ع) : « رأيت المعروف لا يصلح الا بثلاث خصال : تصغيره ، وستره ، وتعجيله . فانك اذا صغرته عظمته عند من تصنعه اليه ، واذا سترته تممته ، واذا عجلته هنيته ، وان كان غير ذلك محقته ونكدته» (1) .


الايثار

وهو : اسمى درجات الكرم ، وارفع مفاهيمه ، ولا يتحلى بهذه الصفة المثالية النادرة ، الا الذين تحلوا بالاريحية ، ويلغوا قمة السخاء ، فجادوا بالعطاء ، وهم بأمس الحاجة اليه ، وآثروا بالنوال ، وهم في ضنك من الحياة ، وقد اشاد القرآن بفضلهم قائلاً : «ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة» (الحشر : 9) .
وسئل الصادق (ع) : اي الصدقة افضل ؟ قال : جهد المقل ، اما سمعت الله تعالى يقول : «ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة» (2) .
(1) البحار م 16 من كتاب العشرة ص 116 عن علل الشرائع للصدوق (ره) .
(2) الوافي ج 6 ص 58 عن الفقيه .
أخلاق أهل البيت 54


ولقد كان النبي (ص) المثل الاعلى في عظمة الايثار ، وسمو الاريحية .
قال جابر بن عبد الله : ما سئل رسول الله (ص) شيئا فقال لا .
وقال الصادق (ع) : «ان رسول الله اقبل الى الجعرانة ، فقسم فيها الاموال ، وجعل الناس يسألونه فيعطيهم ، حتى ألجأوه الى شجرة فأخذت برده . وخدشت ظهره ، حتى جلوه عنها ، وهم يسألونه ، فقال : ايها الناس ردوا علي بردي ، والله لو كان عندي عدد شجر تهامة نعماً لقسمته بينكم ، ثم ما الفيتموني جباناً ولا بخيلاً ...» (1) .
وقد كان (ص) يؤثر على نفسه البؤساء والمعوزين ، فيجود عليهم بماله وقوته ، ويظل طاوياً ، وربما شد حجر المجاعة على بطنه مواساة لهم.
قال الباقر (ع) : «ما شبع النبي من خبز بر ثلاثة ايام متوالية ، منذ بعثه الله الى ان قبضه» (2) .
وهكذا كان اهل بيته عليهم السلام في كرمهم وايثارهم :
قال الصادق (ع) : «كان علي اشبه الناس برسول الله ، كان يأكل الخبز والزيت ، ويطعم الناس الخبز واللحم» (3) .
وفي علي واهل بيته الطاهرين ، نزلت الاية الكريمة :
« ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً . انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءاً ولا شكورا» (الدهر : 8 ـ 9) .
فقد اجمع اولياء اهل البيت على نزولها في علي وفاطمة والحسن والحسين .. وقد اخرجه جماعة من اعلام غيرهم ، واليك ما ذكره الزمخشري في تفسير السورة من الكشاف .
قال : «وعن ابن عباس ان الحسن والحسين مرضا ، فعادهما رسول الله في
(1) سفينة البحار ج 1 ص 607 عن علل الشرائع . والجعرانة موضع بين مكة والطائف .
(2) سفينة البحار ج 1 ص 194 عن الكافي .
(3) البحار م 9 ص 538 عن الكافي .
أخلاق أهل البيت 55

ناس معه ، فقالوا : يا ابا الحسن لو نذرت على ولديك ، فنذر علي فاطمة وفضة جارية لهما ، ان برئا مما بهما ان يصوموا ثلاثة ايام فشفيا ،وما معهم شيء ، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة اصوع من شعير ، فطحنت فاطمة صاعاً ، واختبزت خمسة اقراص على عددهم ، فوضعوها بين ايديهم ليفطروا ، فوقف عليهم سائل فقال : السلام عليكم اهل بيت محمد ، مسكين من مساكين المسلمين ، اطعموني اطعمكم الله من موائد الجنة ، فآثروه ، وباتوا ولم يذوقوا الا الماء ، واصبحوا صياماً ، فلما امسوا ووضعوا الطعام بين ايديهم ، وقف عليهم يتيم فآثروه ، ووقف عليهم اسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك .
فلما اصبحوا اخذ علي بيد الحسن والحسين واقبلوا الى رسول الله ، فلما ابصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع ، قال : ما اشد ما يسوؤني ما ارى بكم ، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها ، قد التصق بطنها بظهرها ، وغارت عيناها ، فساءه ذلك ، فنزل جبرائيل وقال : خذها يا محمد هنأك الله في اهل بيتك ، فأقرأه السورة» (1) .
وقد زخرت اسفار السير بايثارهم ، واريحتهم ، بما يطول ذكره في هذا البحث المجمل .


البخل

وهو : الامساك عما يحسن السخاء فيه ، وهو ضد الكرم .
والبخل من السجايا الذميمة ، والخلال الخسيسة ، الموجبة لهوان صاحبها ومقته وازدرائه ، وقد عابها الاسلام ، وحذر المسلمين منها تحذيراً رهيباً . قال تعالى : «ها انتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ، ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه والله الغني وانتم الفقراء» (محمد : 38) .
وقال تعالى : «الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ، ويكتمون ما آتاهم
(1) عن الكلمة الغراء ـ للمرحوم اية الله السيد عبد الحسين شرف الدين ص 29 نقل بتصرف وتلخيص .
أخلاق أهل البيت 56

الله من فضله ، واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً» (النساء : 37) .
وقال تعالى : «ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة» (آل عمران : 180) .
وعن الصادق عن آبائه عليهم السلام : «ان أمير المؤمنين سمع رجلاً يقول : ان الشحيح اغدر من الظالم . فقال : كذبت ان الظالم قد يتوب ويستغفر ، ويرد الظلامة عن اهلها ، والشحيح اذا شح منع الزكاة ، والصدقة ، وصلة الرحم ، وقرى الضيف ، والنفقة في سبيل الله تعالى ، وابواب البر ، وحرام على الجنة ان يدخلها شحيح» (1) .
وعن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال : «قال رسول الله (ص) : السخي قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، والبخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، قريب من النار» (2) .
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : «عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب ، ويفوته الغنى الذي اياه طلب ، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الاخرة حساب الاغنياء» (3) .
وسنعرض اخباراً اخرى في مطاوي هذا البحث .

مساوىء البخل

البخل سجية خسيسة ، وخلق لئيم باعث على المساوىء الجمة ، والاخطار الجسيمة في دنيا الانسان واخراه .
اما خطره الاخروي : فقد اعربت عنه اقوال اهل البيت عليهم السلام ولخصه امير المؤمنين (ع) في كلمته السالفة حيث قال : «والشحيح اذا شح منع الزكاة ، والصدقة ، وصلة الرحم ، وقرى الضيف ، والنفقة في سبيل الله ،
(1) الوافي ج 6 ص 69 عن الكافي .
(2) البحار م 15 ج 3 عن كتاب الامامة والتبصرة .
(3) نهج البلاغة .
أخلاق أهل البيت 57

وابواب البر ، وحرام على الجنة ان يدخلها شحيح» .
واما خطره الدنيوي فانه داعية للمقت والازدراء ، لدى القريب والبعيد وربما تمنى موت البخيل اقربهم اليه ، واحبهم له ، لحرمانه من نواله وطعماً في تراثه .
والبخيل بعد هذا اشد الناس عناءاً وشقاءاً ، يكدح في جمع المال والثراء ، ولا يستمتع به ، وسرعان ما يخلفه للوارث ، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ، ويحاسب في الاخرة حساب الاغنياء .

صور البخل

والبخل ـ وان كان ذميماً مقيتاً ـ بيد انه يتفاوت ذمه ، وتتفاقم مساوئه ، باختلاف صوره وابعاده :
فأقبح صوره واشدها اثما ، هو البخل بالفرائض المالية ، التي اوجبها الله تعالى على المسلمين ، تنظيماً لحياتهم الاقتصادية ، وانعاشاً لمعوزيهم . وهكذا تختلف معائب البخل ، باختلاف الاشخاص والحالات : فبخل الاغنياء اقبح من بخل الفقراء ، والشح على العيال او الاقرباء او الاصدقاء او الاضياف ابشع واذم منه على غيرهم ، والتقتير والتضييق في ضرورات الحياة من طعام وملابس ، اسوأ منه في مجالات الترف والبذخ اعاذنا الله من جميع صوره ومثالبه .

علاج البخل

وحيث كان البخل من النزعات الخسيسة ، والخلال الماحقة ، فجدير بالعاقل علاجه ومكافحته ، واليك بعض النصائح العلاجية له :
1 ـ ان يستعرض ما اسلفناه من محاسن الكرم ، ومساوىء البخل ، فذلك يخفف من سورة البخل . وان لم يجد ذلك ، كان على الشحيح ان يخادع نفسه بتشويقها الى السخاء ، رغبة في الثناء والسمعة ، فاذا ما انس بالبذل ، وارتاح اليه ، هذب نفسه بالاخلاص ، وحبب اليها البذل في سبيل الله عز وجل .

أخلاق أهل البيت 58


2 ـ للبخل اسباب ودوافع ، وعلاجه منوط بعلاجها ، وبدرء الاسباب تزول المسببات .
واقوى دوافع الشح خوف الفقر ، وهذا الخوف من نزعات الشيطان ، وايحائه المثبط عن السخاء ، وقد عالج القرآن الكريم ذلك بأسلوبه البديع الحكيم ، فقرر : ان الامساك لا يجدي البخيل نفعاً ، وانما ينعكس عليه افلاساً وحرماناً ، فقال تعالى : «ها انتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ، ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه ، والله الغني وانتم الفقراء» (محمد : 38) .
وقرر كذلك ان ما يسديه المرء من عوارف السخاء ، لا تضيع هدراً ، بل تعود مخلوفة على المسدي ، من الرزاق الكريم ، قال عز وجل : «وما انفقتم من شيء فهو يخلفه ، وهو خير الرازقين» (سبأ : 39) .
وهكذا يضاعف القرآن تشويقه الى السخاء ، مؤكداً ان المنفق في سبيل الله هو كالمقرض لله عز وجل ، وانه تعالى بلطفه الواسع يرد عليه القرض اضعافاً مضاعفة : «مثل الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة ، والله يضاعف لمن يشاء ، والله واسع عليم» (البقرة : 261) .
اما الذين استرقهم البخل ، ولم يجدهم الاغراء والتشويق الى السخاء ، يوجه القرآن اليهم تهديداً رهيباً ، يملاً النفس ويهز المشاعر :
«والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم . يوم يحمى عليها في نار جهنم ، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون» (التوبة : 34 ـ 35) .
ومن دواعي البخل : اهتمام الاباء بمستقبل ابنائهم من بعدهم ، فيضنون بالمال توفيراً لاولادهم ، وليكون ذخيرة لهم ، تقيهم العوز والفاقة .
وهذه غريزة عاطفية راسخة في الانسان ، لا تضره ولا تجحف به ، ما دامت سوية معتدلة ، بعيدة عن الافراط والمغالاة .

أخلاق أهل البيت 59


بيد انه لا يليق بالعاقل ، ان يسرف فيها ، وينجرف بتيارها ، مضحياً بمصالحه الدنيوية والدينية في سبيل ابنائه .
وقد حذر القرآن الكريم الاباء من سطوة تلك العاطفة ، وسيطرتها عليهم كيلا يفتتنوا بحب ابنائهم ، ويقترفوا في سبيلهم ما يخالف الدين والضمير : «واعلموا انما اموالكم ، واولادكم فتنة ، وان الله عنده اجر عظيم» (الانفال : 29) .
واعظم ما قاله آمير المؤمنين (ع) في كتاب له : «اما بعد ، فان الذي في يديك من الدنيا . قد كان له اهل قبلك ، وهو صائر الى اهل بعدك ، وانما انت جامع لاحد رجلين : رجل عمل فيما جمعته بطاعة الله ، فسعد بما شقيت به ، او رجل عمل فيه بمعصية الله ، فشقي بما جمعت له ، وليس لاحد هذين اهلاً ان تؤثره على نفسك ، وتحمل له على ظهرك ، فأرجو لمن مضى رحمة الله ، ولمن بقي رزق الله» (1) .
وعن ابي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى : «كذلك يريهم الله اعمالهم حسرات عليهم» (البقرة : 167) قال : «هو الرجل يدع ماله لا ينفقه في طاعة الله بخلاً ، ثم يموت فيدعه لمن يعمل فيه بطاعة الله ، او في معصية الله ، فان عمل فيه بطاعة الله ، رآه في ميزان غيره فرآه حسرة ، وقد كان المال له ، وان كان عمل به في معصية الله ، قواه بذلك المال حتى عمل به في معصية الله» (2) .
* * *

وهناك فئة تعشق المال لذاته ، وتهيم بحبه ، دون ان تتخذه وسيلة الى سعادة دينية او دنيوية ، وانما تجد انسها ومتعتها في اكتناز المال فحسب ، ومن ثم تبخل به اشد البخل .
وهذا هوس نفسي ، يشقي اربابه ، ويوردهم المهالك ، ليس المال غاية ، وانماهو ذريعة لمآرب المعاش او المعاد ، فاذا انتفت الذريعتان غدا المال تافهاً عديم النفع .
(1) نهج البلاغة .
(2) الوافي ج 6 ص 69 عن الكافي والفقيه .
أخلاق أهل البيت 60


وكيف يكدح المرء في جمع المال واكتنازه ؟ ! ثم سرعان ما يغنمه الوارث . ويتمتع به . فيكون له المهنى وللمورث الوزر والعناء .
وقد استنكر القرآن الكريم هذا الهوس ، وانذر اربابه انذارا رهيباً : «كلا بل لا تكرمون اليتيم ، ولا تحاضون على طعام المسكين ، وتأكلون التراث اكلاً لما ، وتحبون المال حباً جماً ، كلا اذا دكت الارض دكاً دكاً ، وجاء ربك والملك صفاً صفاً وجيء يؤمئذ بجهنم ، يومئذ يتذكر الانسان وانى له الذكرى ، يقول يا ليتيني قدمت لحياتي ، فيؤمئذ لا يعذب عذابه احد ، ولا يوثق وثاقه احد» (الفجر : 17 ـ 26) .
وقال تعالى : «ويل لكل همزة لمزة ، الذي جمع مالاً وعدده ، يحسب ان ماله اخلده ، كلا لينبذن في الحطمة ، وما ادراك ما الحطمة ، نار الله الموقدة ، التي تطلع على الافئدة ، انها عليها مؤصدة ، في عمد ممددة» (الهمزة) .
وابلغ ما اثر في هذا المجال ، كلمة أمير المؤمنين (ع) ، وهي في القمة من الحكمة وسمو المعنى ، قال (ع) : «انما الدنيا فناء ، وعناء ، وغير ، وعبر :
فمن فنائها : انك ترى الدهر موتراً قوسه ، مفوقاً نبله ، لا تخطيء سهامه ولا تشفى جراحه . يرمي الصحيح بالسقم ، والحي بالموت .
ومن عنائها : ان المرء يجمع ما لا يأكل ، ويبني ما لا يسكن ، ثم يخرج الى الله لا مالاً حمل ، ولا بناءاً نقل .
ومن غيرها : انك ترى المغبوط مرحرما ، والمرحوم مغبوطا ، ليس بينهم الا نعيم زل ، وبؤس نزل .
ومن عبرها : ان المرء يشرف على امله ، فيتخطفه اجله ، فلا امل مدرك ، ولا مؤمل متروك» (1) .


العفة
وهي : الامتناع والترفع عما لا يحل او لا يجمل ، من شهوات البطن والجنس ، والتحرر من استرقاقها المذل .
(1) سفينة البحار ج 1 ص 467 .