ادب الطف ـ الجزء الثامن 99

السيد جعفر الحلّي
المتوفى 1315

سـادة نـحـن والأنـام عبـيـد ولنـا طارف العـلى والتـليد
فبايـماننا اهـتدى النـاس طـراً وبـايـماننا اسـتقام الـوجود
وأبـونا محـمد سـيـد الـكـل وأجـدر بـولـده أن يسـودوا
ماعشقنا غير الوغى وهـي تدري انـها سـلـوة لـنا لا الـخود
تتـفانـى شـبـابـنا بـلـقاهـا وعلـيها يشـب مـناالـوليـد
لو ترانا بالحـرب نلـتف بالسمر عـنـاقـاً كـأنـهـن قـدود
ونحـيي البـيـض الصـقال بلثم فـكأن الـحـدود فيها خـدود
وإذا قـرّت الـمـلاحـم قـلـنا يا منى القلب طال منك الصدود
نحشر الخـيل كالـوحـوش ولكن خلفها الطـير سـائق وشهـيد
كـيف لم تقـفها الطـيور وفيـها كـل يـوم لهن نـحر وعيـد
كـل ملمـومة إذا مـا ارجـحنت جـلـلتـها بـوارق ورعـود
غـررٌ فـي خيـولنا واضـحات كنـجـوم يلـوح فيـهاالسعود
ولنا فـي الطـفوف أعـظم يـوم هـو للحـشر ذكـره مشـهود
يـوم وافى الحسـين يـرشد قوماً من بني حرب ليس فيـهم رشيد
خـاف أن ينقـضوا بناء رسـول الله في الدين وهو غـض جديد
وأبـى الله أن يحـكّم فـي الدين طلـيق مستـعبـد وطـريـد

ادب الطف ـ الجزء الثامن 100

كيـف يرضى بأن يرى العدل النقص والـجائر المـضل يزيد
فغـدا السبط يوقظ الناس للرشد وهم في كـرى الضـلال رقود
ولقدكـذبتـه أبـنـاء حـرب مثل ما كـذب المسـيح اليهود
فـدعـاآله الكـرام إلى الحـر ب فهـبوا كـما تهـب الاسود
علويـون والشـجاعـة فيـهم ورثتـهاآبـاؤهـم والـجـدود
لم يهابوا جمع العدى يوم صالوا وان أستـنزروا وقـل الـعديد
أفرغوهـن كالسـبائك بيـضاً ضافـيات ضيقن منـهاالزرود
ملأتها الأعطاف طولاً وعرضاً فـكان صاغـها لـهـم داوود
وأقاموا قـيامة الـحرب حـتى حسب الحاضـرون جاءالوعيد
يشرعـون الـرماح وهي ظوام ما لها في سوى الصدور ورود
وضباهـم بيض الخـدود ولكن زانـها من دم الـطلا تـوريد
مانضوها بيض المـضارب إلا صبغوهـا بـما حباها الـوريد
كـم ينابيع مـن دم فـجّروها فارتـوى عاطش وأورق عـود
قضب فلت الحـدود وعـادت جـدداً مـا فللن منـهاالحـدود
لست أدري من أين صيغ شباها أكـذا يقـطع الحـديد حـديـد
موقف منه رجت الأرض رجا والجبال اضـطربن فهي تمـيد
وسـكنّ الريـاح خـوفاً ولولا نفـس الخيل ما خـفقن البـنود
فركود الأحـلام فيـهن طيش وعـروق الحـياة فيـهاركـود
لا خـبت مرهفـات آل علي فهـي الـنار والأعـادي وقود
عـقـدوابينها وبيـن المـنايا ودعوا هـا هنا تـوفّى العـقود
ملـؤا بالـعدى جهـنم حـتى قنعت ما تقـول هل لي مـزيد
ومذ الله جـل نـادى هلـموا وهـم المسرعـون مهما نودوا
نـزلوا عن خـيولهم للـمنايا وقصارى هذا النـزول صعـود

ادب الطف ـ الجزء الثامن 101

فقضوا والصدور منهم تلظى بضرام ومـا ابيـح الورود
سلـبوهم بـرودهم وعلـيهم يوم ماتـوا من الحفاظ برود
تركوهم على الصعـيد ثلاثاً يا بنفسي ماذا يقـل الصعيد
فوقه لودرى هيا كـل قدس هو للحـشر فيـهم محـسود
تربـة تعكف الملائـك فيها فـركوع لهم بـها وسـجود
وعلى العـيس من بنات علي نـوّح كـل لفـظها تـعديد
سلبتها أيـدي الجفات حلاها فخـلا معصم وعـطل جيد
وعليـهاالسـياط لـما تلوّت خـلفـتها أسـاور وعـقود
ووراها كم غرد الركب حدواً لثرى فـوك أيـها الغـريد
أتـجد السـرى وهـنّ نساء ليس يدرين ما السرى والبيد
أسعدتها النـيب الفواقـد لما نحـن وجـداً والثرى ترديد
عجباً لـم تلن قلوب الأعادي لحنين يلـين مـنه الحـديد
وقسوا حـيث لم يعضّوا بناناً لعليل عـضت عليه القـيود
ولـه حنت الفـصيل ولـكن هـيـمته امـية لا ثـمـود
ينظر الـروس حوله زاهرات تتـثنى بـهاالعـوالي المـيد
* * *

السيد جعفر كمال الدين الحلي النجفي . عرفت هذه الاسرة بالانتماء الى الجد السادس لصاحب هذه الترجمة ، وهو السيد كمال الدين بن منصور فهو جد الاسرة الكمالية المنتشرة في الحلة وضواحيها والنجف والكوفة وقد كتب عنها مفصلاً الخطيب اليعقوبي في (البابليات) كما أقام الشواهد على شاعريته وسرعة البديهة عنده وديوانه أصدق شاهد على سموّ شعوره وكان من حقه أن يطلق اسم (سحر بابل وسجع البلابل) على ديوانه قبل أن يجمع والذي جمعه أخوه السيد هاشم بعد وفاة الشاعر . توفي فجأة في شعبان لسبع بقين من سنة 1315 هـ

ادب الطف ـ الجزء الثامن 102

ودفن في وادي السلام بالنجف الأشرف عند قبر والده على مقربة من مقام المهدي ورثاه جماعة من ذوي العلم والأدب منهم العلامة الشيخ عبد الحسين صادق العاملي والشيخ محمد حسن سميسم والأديبان الشيخ محمد الملا وولده الشيخ قاسم وأخوه السيد هاشم بقصيدتين واقتطفنا من ترجمته ما جاء في مقدمة ديوانه المطبوع في صيدا وهي بقلم المصلح الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ومنها : الشريف أبو يحيى جعفر بن الشريف حمد الحلي منشئاً ، النجفي مسكناً ومدفنا الشاعر المفوه الأديب يتصل نسبه بيحيى بن الحسين بن زيد الشهيد ابن علي بن الحسين ، ولد رحمه الله يوم النصف من شهر شعبان المعظم من السنة السابعة والسبعين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية في احدى القرى اللصيقة بالحلة الفيحاء على شاطئ الفرات وتسمى بقرية السادة من رساتيقها الجنوبية التي تعرف بالعذار وأبوه السيد حمد سيدها في الفضل والصلاح وأحد المتخرجين على العلامة السيد مهدي القزويني طاب ثراه وكان له عدة أولاد أكبر من السيد جعفر كلهم أهل فضل وعلم وتقى ولما ترعرع السيد جعفر وبلغ أو كاد اقتفى أثر اخوته الكرام فهاجر إلى النجف من العذار قبل أن ينبت بعارضه العذار وكانت قد ساءت الحال على أهل تلك النواحي وذهبت مادة حياتهم وانقطعت أسباب رفاهيتهم بانقطاع ماء الفرات الذي عادت مجاري سيوله الذهبية سيل رمال وسلسلة تلال ومساحب أذيال مما ألجأ الحكومة العثمانية حينئذ للاهتمام بانفاق مبالغ من الأموال في عشرات من السنين حتى أعادت الماء إلى مجراه بواسطة هذا السدّ العظيم المهم في الفرات ويُدعى اليوم بسدة الهندية ، طفق ذلك السيد الحدث يطلب العلم في النجف وهو يستظل سماء القناعة ويلتحف أبراد الفقر والفاقة وما أحرّها من أبراد ولكن بين جنبيه تلك النفس الشريفة والروح اللطيفة والجذوة الوقادة والشيم الهاشمية والشمائل العربية فجعل يختلف إلى مجالس العلم ويحضر أندية الفضل ويتردد إلى محافل الأدب وناهيك بالنجف يوم ذاك وما ادراك ما النجف ـ البلدة تتجلى

ادب الطف ـ الجزء الثامن 103

لك بها الفضيلة بأتم مجاليها بل بتمام حقائقها ومعانيها هي تلك الدائرة التي جعلت مركزها باب مدينة العلم فاستقت من ينبوعه واستمدت من روحانيته وحلّقت في سماء المعارف الدينية والأخلاق الأدبية حتى بلغت ما شاءت هي وشاءت لها العناية .
نشأ السيد جعفر فاستطرف قدر حاجته من المبادئ النحو والصرف والمنطق والمعاني والبيان ، وصار يختلف إلى مدارس العلماء وحوازتها الحافلة بالفقه وهو في كل ذلك حلو المحاضرة سريع البداهة حسن الجواب نبيه الخاطر متوقد القريحة جريّ اللسان فهو يسير إلى النباهة والاشتهار بسرعة ويتقدم إلى النبوغ والظهور بقوة وبينا هو في خلال اشتغاله بطلب العلم كان يسنح على خاطره فيجري دفعاً على لسانه من دون أعمال فكر ومراجعة روية البيتان والثلاث والنتف والمقاطيع حسب ما يقتضيه المقام ويناسبه الوضع فيتلوها على الحضور أياً ما كانوا قلّة أو كثرة ضعة أو رفعة غير هيّاب ولا نكل فتستحسن منه وتستجاد وتستزاد وتستعاد ولكن نحو ما قال أحد الشعراء :
كلما قلت قال أحسنتَ زدني وبأحسنتَ لا يباع الدقيق

برع في نظم الشعر وهو دون الثلاثين وأصبح من الشعراء المعدودين الذين تلهج الألسن بذكرهم وتتغنى بشعرهم ، واقترن بأحد كرائم قومه وعاد ذا عيلة فاشتدت وطأة الدهر عليه وصارت تعتصره كل يوم عصّارة الحدثان وتكتظه صبّارة الصرفان وهو يتلوّم تارة ويتبرّم واخرى يصبر أو يتصبر وطوراً يضج في أشعاره ويتضجر وأعظم ما هنالك رزية أنه يجتلب مسكة رمقه ودرّة عيشه من ضرع قلمه وشق قصبته . وإذا كان الشعر مرآة الشعور ومظهر حقيقة قائلة وتمثال شمائله ومخائله فاقرأ ما شئت من ألوان شعره لتراه محلّقاً في جميع ضروب الشعر وآفاقه سباقاً إلى اختراق معانيه ومثالا لمصداقه سيما في الرثاء فقد قال من قصيدة عصماء يرثي المرحوم الميرزا حسن الشيرازي :

ادب الطف ـ الجزء الثامن 104

يا شعلة الطور قد طار الحِمام بها وآية النور عفّى رسمها الزمنُ
الـيوم نـمك طوى الإسلام قبلته فالله يـحفظ من أن يعبد الوثن
تحـركوا بـك إرقالا ولو علموا أن السكينة في تابوتـهم سكنوا

والقصيدة كلها بهذا اللون وهذه القوة ، وهكذا كان السيد جعفر من قوة العاطفة وصدق الاحساس وشدة الانفعال ، كما أنه على جانب كبير أيضاً من سعة الخيال وعمق التفكير وجودة التصوير وبلاغة التعبير ويرى البعض أنه يزاحم السيد حيدر في شهرته وشاعريته وكثيراً ما اشترك في حلبات شعرية فحاز قصب السبق .
ذكر الشيخ محمد السماوي في كتابه (ظرافة الأحلام) قال : أخبرني السيد الشريف العلامة السيد حسين بن معز الدين السيد مهدي القزويني رحمه الله قال : رأيت الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في المنام ذات ليلة مباركة من ليالي رجب سنة 1312 جالساً في مقبرة والدي بالنجف على كرسي ، ووالدي بين يديه متأدب أمامه ، وكأن المقبرة روضة متسعة فسلّمت وأردت تقبيل يد الإمام فقال أبي امدحه أولاً ثم قبّل يده فأنشدته :
أبا حسن أنـت عين الاله فهل عنك تعزب من خافية
وأنت مدير رحى الكائنات وإن شئت تسـفع بالناصيه
وأنت الذي امـم الأنبياء لديك إذا حـشرت جـاثية
فمـن بك قد تـمّ ايمانه يسـاق جـنـة عـالـيـه
وأما الذين تولـوا سواك يساقون دعّـاً إلى الـهاويه

قال فتبسم عليه السلام وقال لي أبي أحسنتَ ، فدنوت منه وقبّلت يديه ، وانتبهت وأن أحفظ الأبيات ولما أصبحت حضر المجلس على العادة جماعة من فضلاء الادباء فذكرت ما رأيت وقلت :
من كان يهوى قلبه ثاني أصحاب الكسا
فليـنتدب لـمدحه مشـطراً مخمـسا

ادب الطف ـ الجزء الثامن 105

فانتدب جماعة للتشطير والتخميس ، فممن شطر الشيخ جواد الشبيبي والسيد عدنان ابن السيد شبر الحسيني الغريفي البحراني البصري المتوفى 1336 ومنهم السيد علي ابن السيد محمود الأمين العاملي الحسيني المتوفى 1328 في جبل عامل وقد نقل المدح إلى رثاء الحسين عليه السلام إذ وافق تخميسه أيام المحرم ، وممن شطر فقط العلامة السيد محسن الأمين كما نظم الشيخ محمد السماوي تشطيراً للابيات أقول والذي حلّق في هذه الحلبة هو الشاعر السيد جعفر السيد حمد الحلي فقال في التشطير ـ وهذا مما لم ينشر في ديوانه :
أبـا حـسن أنت عين الالـه على الخلق والاذن الواعيه
تراهـم وتسـمع نجـواهـم فهل عنك تعزب من خافية
وأنت مـديررحى الكائـنات وقطـبٌ لأفلاكـهاالجاريه
فإن شئت تشفع يوم الحساب وإن شئت تسـفع بالناصيه
وأنـت الـذي امـم الأنبياء تولتك في الأعصر الخاليه
وكـل الخلائق يـوم النشور لديـك إذا حـشرت جاثيه
فمـن بك قـد تـمّ إيـمانه فبشـراه في عيشة راضيه
بحوضك يسقى ومن بـعدذا يسـاق إلى جـنة عـاليه
وأمـا الذين تـولّوا سـواك فما هم من الفرقة الـناجية
يجيئون للحشر سـود الوجوه يساقون دعّاً إلى الـهاويه
ثم خمس الاصل والتشطير فقال : وهذا مما لم ينشر في ديوانه ايضا
براك المهـيمن إذ لا سـواه وبيّن باسمك معنى علاه
فكنت ترى الغيب لا بإشتباه أبا حسن أنت عين الاله
على الخلق والاذن الواعية
ترى الناس طراً وترعاهم وأقصى الورى منك أدناهم
ومهـما أسروا خـفاياهم تراهـم وتسـمع نجـواهم
فهل عنك تعزب من خافيه

ادب الطف ـ الجزء الثامن 106

أقلّ مـعاجزك الـخارقات حضورك للشخص حين الوفاة
فأنت المحيط بستّ الجهات وأنت مديـر رحـى الكائنات
وقطبٌ لأفلاكها الجاريه
لك الناس تحشر يوم المأب مطأطأة الروس خوف العذاب
فمنك الثواب ومنك العقاب فإن شئت تشفع يوم الحساب
وإن شئت تسفع بالناصيه
بك الحشر مهّد للاستواء وباسمك قامت طباق السماء
فأنت المحكّم يوم الجزاء وأنـت الـذي امـم الأنبياء
تولتك في الأعصر الخالية
إذا بعث الله مَن في القبور ومن سفر الموت أضحوا حضور
فأنـت الأمير بكل الامور وكـل الخلائـق يـوم النـشور
لديك إذا حشرت جاثيه
محبـك تـثقـل ميـزانه ويعلو بيوم الجزا شأنه
وهب فرضه بان نقصانه فمن بك قـد تمّ إيمانه
فبشراه في عيشة راضيه
ينال الكرامة غبّ الأذى وعـن ناظريه يماط القذى
فما بعد يشكو ظماه إذا بحوضك يسقى ومن بعد ذا
يساق إلى جنة عاليه
أبا حسـن بك أ نـجو هناك وأرجو رضا خالقي في رضاك
فلم يُنج في الحشر إلا ولاك وأمـا الـذين تـولـوا سـواك
فما هم من الفرقة الناجيه
سيأتي الشقي ومن تابعوه بجمع عن الحوض قد حُلّؤه
جفاةٌ لحـقك قد ضـيّعوه يجيئون للحشر سود الوجوه
يساقون دعّاً إلى الهاويه

ادب الطف ـ الجزء الثامن 107

فإذا ضممت إلى ذلك أن السيد جعفر ما كان يملك كتاباً من الأدب ولا كان يحفظ ولا مقدار مائة بيت ولو متفرقة من شعر العرب أو من بعدهم الى عصره قلتَ هذا أعجب وأغرب ، ولسهولة قول الشعر عليه على ما عرفت من شدة محنه وابتلائه كان مكثراً منه فكان لا يجلس ولا يقوم على الأكثر إلا وقد قال الأبيات أو البيتين فما فوقها حسبما سنح في تلك المحاضرة والمحادثة من ا لدواعي وكان ربما طلب ماءً أو قهوة أو دخاناً أو داعب جليساً أو غير ذلك فيورد غرضه ببيتين من الشعر هما أجلا في أداء مراده من الكلام المألوف والقول المتعارف ، وربما كان يأتي إلى بيت من يريد فلا يجد ربّه فيكتب على الجدار حاجته أو سلامه ويذهب وهذا كثير له فمن ذلك بيتان كتبهما في دار السيد السند ثقة الإسلام وقدوة الاعلام السيد حسن الصدر يشفّعه عند استاده حجة الإسلام الشيرازي طاب ثراه وهما :
لقد بقـيت بسـامراء منفرداً مثل انفراد سهيل كوكب اليمن
والدهر لما رماني في فوادحه آليتُ لا أشتكي إلا إلى الحسن

وحدثني سماحة المغفور له الشيخ هادي نجل الشيخ عباس كاشف الغطاء أن السيد جعفر طلب منه الخروج إلى النزهة خارج النجف في أيام الربيع وهناك تكثر أغادير الماء ، فاعتذر إليه الشيخ فكتب له :
عذيري منك أن تأبى اتباعي على حـقٍ ومَن لي بالعذير
ومن عجب وانـك جعفري وترغب عن أحاديث الغدير

فالتورية بـ (جعفري) انه جعفري المذهب وينتسب للشيخ جعفر الكبير جدّ الاسرة ، وفي كلمة الغدير تورية بيوم غدير خم الذي عقدت فيه البيعة للامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقال مداعباً أستاذه الشيخ الشربياني .
أشيخ الكل قد أكثرت بحثاً بأصل براءة وباحتياط

ادب الطف ـ الجزء الثامن 108

وهذا وقت زوار و(نوطٍ) فباحثنا بتنقيح المناط
ومن نوادره قوله :
تسمّى بالقريض اليوم مَن ليس لـه أهلا
أتـونا بالمـقاطيـع وكلٌ يدّعى وصلا
وقال يداعب الشربياني :
للشربيانيّ أصـحاب وتلمذةٌ تجمّعوا فرقاً مـن هاهـنا وهنا
ما فيهم مَن له بالعلم معرفة يكفيك أفضل كل الحاضرين أنا

وقال ممازحاً الخطيب الاديب ... لما تزوّج بامرأة ثيبة بعد ان تزوّج بامرأتين قبلها :
بشراك في لؤلؤة قـد ثقبت أنفع من لؤلؤة لـم تثـقب
ومهرة وطّأ شخص ظهرها أحسن من جامحة لم تركب
ومنهج قد سلكت فيه الخطا أحسن من نهجٍ جديد متعب
وقد وجـدنا في الكتاب آية قدّم فيـها الله ذكـرالثـيّب
اسم العجوزفي المقال طيب لأنـه وصف لبنت العـنب
مرت عليها أربعون حـجة فـهي إذاً كالصارم المجرب
عـرّفها الـدهر تقلـباتـه فساتـصفها عـارفة التقلب
ومَن يسبّ الثيبات سـائني لأنه قـد سبّ ظلـماً مذهبي
خديـجة بنت خـويلد على ما نقـلوا أعـزّ أزواج النبي(1)
بك الاثـافي كمـلت ثلاثة ففز بـها كالمرجل المنصّب

(1) لا شك أ ن خديجة بنت خويلد هي أفضل زوجات النبي وام المؤمنين حقاً . إذ هي أول امرأة آمنت برسول الله وبيتها أول بيت بني في الاسلام وكان النبي (ص) كلما ذكرها بكى فقالت له السيدة عائشة : ما لك يا رسول الله وقد أبدلك الله بخير منها ، قال : والله ما أبدلني بخير منها ، آوتني إذ طردني الناس وصدقتني إذ كذبني الناس ، ورزقني منها الولد إذ حرمني من غيرها . وعلى ما يقول النسابة الشهير ابن أعثم الكوفي أن خديجة لم تتزوج بغير رسول الله ، وهي سيدة نساء قريش ولمكانتها في نفس رسول الله (ص) أنه لم يتزوج بغيرها ما دامت هي في قيد الحياة ، ولما ماتت خديجة وأبو طالب في عام واحد حزن النبي (ص) وسمى ذلك العام بـ عام الحزن .
ادب الطف ـ الجزء الثامن 109

أضف إلى ذلك رقة غزله وخفة روحه فحينما تدرس غزله وتشبيبه تراه يسيل رقة وعاطفة ويبدع ما شاء له الابداع في الخيال والتصوير فاستمع اليه في حائيته الرائعة والتي تناهز التسعين بيتاً ـ وهذا مقطع منها :
هـزوا معـاطفـهم وهـنّ رماح ونضوا لواحـظهم وهـنّ صفاح
شاكين ما حمـلوا السـلاح وإنما منهـم عليهـم أهـبـة وسـلاح
ونشـرن ألـوية الشعـور عليهم سـوداً وكـل طـرفـه السـفاح
وتعمّـدوناباللـحاظ فـلا تـرى مـن عاشـق مـاأثخنـته جراح
آرام وجـرة لا يـدون قـتـيلهم وأسـيرهـم لم يرج فـيه سراح
فتح الجـمال لهم وفـي وجناتهم كتب ابن مقـلـتها هـو الفـتاح
بشراك يا من ذاق بـرد ثغورهم أعرفـت ماروح الهـوى والراح
ونعمت يامن شـمّ طيب خدودهم أرأيت كـيـف الـورد والتـفاح
لا تحـسبن لـئالـئاً فـي خـده لكـنه عـرق الـحـيا الـرشاح
قدحت خـدودك في فؤادي جذوة والورد خيـرصـنوفـه الـقداح
وأضيق ذرعـاً من خلاخلك التي ضاقـت على ساقيك وهي فساح
وحشاءأخـفق مـن جناحي طائر إن يخفـقا لك قرطـق ووشـاح
ماذايعيب بـك النصـوص ثكلته حـاشـاك بـل غشـتني النصاح
الطرف سـاج ، والسوالف صلتة والجـيد أتلـع والجـفون مـلاح
يا يـوسف الحـسن البديع جماله لي مـثل يعـقـوب علـيك نياح
إن أوعـدت بالصدّ فهـي جهينة أو واعـدت بالوصل فهي سجاح
وقال :
أخذ الريم منك سحر العيون وروت عنك مائسات الغصون
واستفاد الهلال منك ضياءاً حـين قابـلته بشـمس الجبين

ادب الطف ـ الجزء الثامن 110

وسرت من لما كنفحة سكر أخذت بعضها ابنة الزرجون
ومـن اللؤلؤ الـذي بثناياك صـفاء بـاللؤلؤ المكـنون

أجل ، وإن شعره رحمه الله يبلغ ـ ولا شك ـ أضعاف ما نشر في ديوانه المطبوع وذلك لأن مثل تلك المقاطيع والنتف التي تتفق عرضاً وتجري سنوحاً مما لا يمكن تقييد شواردها ورهن أوابدها ، واهتم بجمع ديوانه شيخنا المصلح الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء وأخذه بنفسه في سنة 1331 هـ حين سافر إلى لبنان والديار المصرية ووقف على طبعه في صيدا بمطبعة العرفان وصدره بمقدمة نفيسة وعلّق على الديوان حواشي هامة تتضمن بالإيجاز تراجم مَن جاءت أسماؤهم في الديوان مع تهذيب الديوان وتنقيحه .
وبعد أن يكن السيد جعفر أبدع في نواحي كثيرة من شعره فإن روائعه في شهداء الطف تمتاز على باقي أدبه ، فكأن ذكرى أولئك الشهداء الذين كرهوا الذل وأنفوا من الضيم وجادوا بنفوسهم الزكية ودمائهم الطاهرة في سبيل الحق والكرامة توقظ بين جوانحه شعلة الثورة الهاشمية وهل تدري أن إحدى هذه القصائد الحسينية بل أجودها وأشهرها نظمها بساعتين ، وهي رائعته التي مطلعها :
وجه الصباح عليّ ليل مظلم وربيع أيامي عليّ محرم

وكان ذلك في شهر المحرم فلا تسمع إلا ناع وناعية ونادب لسيد الشهداء ونادبة ، فمرّ الشاعر في هذا الجوّ وتمشى في الصحن العلوي واسترسل بنظم هذه القصيدة التي تزيد على السبعين بيتاً وكلها من الشعر المنسجم أمثال قوله في أصحاب الحسين :
متقـلـدين صـوارمـا هنـديـة من عزمهم طبعت فليس تكهم
إن أبرقت رعدت فرائص كل ذي بأس وأمطر من جوانبها الدم

ويصف بطولة أبي الفضل العباس حامل راية الحسين والأخ المواسي بأسمى ما تكون من أنواع المواساة ، ففي زيارته : أشهد أنك نعم الأخ المواسي لأخيه :

ادب الطف ـ الجزء الثامن 111

عبست وجوه القوم خوف الموت و العباس فيـهم ضاحـك يتـبسم
قلب اليمين على الشمال وغاص في الأوساط يحصد بالرؤس ويحطم
وثنى أبـو الفضل الفـوارس نكّصاً فرأوا أشدّ ثباتهـم أن يهـزموا
مـاكـرّ ذو بـأس لـه متـقـدماً إلا وفـرّ رأسـه الـمـتـقـدم

ثم يشير إلى فارس العرب ربيعة بن مكدم المعروف بحامي الضعينة فيقول :
حامي الضعينة أين منه ربيعة أم أين مـن علـيا أبيه مـكدّم
قسماً بصارمه الصقيل، وإنني في غير صاعقة السما لا أقسم
لولا القضا لمحا الوجود بسيفه والله يقـضي ما يـشاء ويحكم

ثم ينحدر إلى شجاء مصرع هذا البطل وفجيعة الحسين بهذا الأخ المحامي فيقول عن لسان الحسين :
أأخي يهـنيـك النعيـم ولـم أخـل ترضـى بأن أُرزى وأنت منعّـم
أأخي من يحـمـي بنـات محـمـد إن صرن يسترحمن مَن لا يرحم
لسـواك يلـطـم بـالأكـف وهـذه بيض الضبا لك في جبيني تلطـم
ما بين مصرعك الفظيع ومصـرعي إلا كمـا أ دعـوك قبـل فتنعـم
هـذا حسامـك مـن يـذلّ به العدا ولـواك هـذا مـن بـه يتقـدم
هوّنـتَ يابـن أبـي مصارع فتيتي والجرح يسكنـه الـذي هـو أألم
يا مالكاً صـدر الشـريعـة إننـي لقليل عمري فـي بكـاك متمـم

مشيراً إلى مالك بن نويره وحزن أخيه متمم عليه ورثائه له .
وهذي احدى روائعه في سيد الشهداء :
أدرك تراتك أيهـا المـوتـور فلكم بكـل يـد دم مهدور
عذبت دماؤكـم لشـارب علّها وصفت فلا رنق ولا تكدير
ولسانها بك يا ابن أحمد هاتف أفهكذا تغضي وأنت غيور

ادب الطف ـ الجزء الثامن 112

ما صــارم إلا وفـي شـفـراتـه نحـر لآل محـمـد منـحـور
أنـت الـولـي لـمـن بظلـم قتّلوا وعلى العدى سلطانـك المنصور
ولو أنك استـأصلت كـل قبـيـلـة قتـلا فـلا سـرف ولا تبـذير
خذهـم فسـنـة جـدكـم مـا بينهم منسيـة وكتـابكـم مهـجـور
ان تحتـقـر قـدر العـدى فلربمـا قد قـارف الذنـب الجليل حقير
أو انهـم صغـروا بجنـبـك همـة فالقـوم جـرمهـم علـيك كبير
غصبوا الخـلافـة من أبيك وأعلنوا ان النبوة سـحـرهـا مـأثـور
والبضعـة الزهراء امـك قد قضت قرحـى الفـؤاد وضلعها مكسور
وأبـوا على الحسن الزكي بأن يرى مثـواه حيـث محـمـد مقبـور
واسـأل بيـوم الطف سيفـك إنـه قد كلـم الأبطـال فهـو خبـير
يـوم أبوك السـبـط شمـّر غيرة للديـن لـمـا أن عنـاه دثـور
وقد استغاثـت فـيـه ملـة جـده لما تـداعـى بيتهـا المعـمـور
وبغـير أمـر الله قـام محكـّمـاً بالمسلميـن يـزيـد وهـو أمير
نفسـي الفـداء لثـائـر فـي حقه كالليث ذي الوثبـات حيـن يثور
أضحـى يقيـ العـدل وهـو مهدم ويجبّـر الاسـلام وهـو كسيـر
ويذكّر الأعـداء بطشـة ربـهـم لو كـان ثمـة ينفـع التـذكيـر
وعلى قلوبهـم قـد انطبـع الشقـا لا الوعـظ يبلغهـا ولا التحـذير
فنضى ابن حيدر صارمـاً ما سله إلا وسلـن مـن الـدمـاء بحور
فكـأن عـزرائيـل خـط فـرنده وبـه أحاديـث الحمـام سطـور
دارت حمالـيـق الكـمـاه وفـه فيدور شخص الموت حيـث يدور
واستيقـن القـوم الـبـوار كـأن اسرافيل جاء وفي يـديـه الصور
فهوى عليهم مثل صاعقـة السمـا فالروس تسقط والنفـوس تطـيـر
شاكي السلاح لدى ابن حيدر أعزل واللابس الـدرع الـدلاص حسيـر

ادب الطف ـ الجزء الثامن 113

غيران ينفـض لبدتـيـه كـأنـه اسـدُ بآجـام الرماح هـصور
ولصوتـه زجل الرعود تطير بالأ لـباب دمـدمة لـه وهـديـر
قد طـار قلـب الجيش خيفة بأسه وانهاض منه جـناحه المكسور
بأبي أبـي الضيـم صـال وماله إلا المثـقف والحـسام نصـير
وبقلبه الهـم الـذي لـو بعضـه بثبير لـم يـثبت علـيه ثبـير
حزن على الدين الحنيـف وعربة وظـماً وفقـد أحـبة وهجـير
حتى إذا نفـذ القـضـاء وقـدّرا لمحـتوم فـيه وحـتم المـقدور
زجت لـه الأقـدارستهـم منـية فـهوى لقى فا نـدك منه الطور
وتعطل الفلـك الـمـدار كـأنما هو قطـبه وعـليه كان يـدور
وهوين ألويـة الشـريعـة نكصاً وتعـطل التهـلـيل والتـكبـير
والشمس ناشـرة الـذوائب ثاكل والأرض ترجـف والسماء تمور
بأبي القتيل وغسلـه علـق الدما وعلـيه مـن أرج الثـنا كافور
ظمآن يعتلـج الغليـل بصـدره وتبـلّ للخـطيّ مـنه صـدور
وتحكمت بيض السـيوف بجسمه ويح السـيوف فحكمهن يـجور
وغدت تدوس الخيل منه أضالعا سـر النـبـي بطـيها مسـتور
في فتية قد أرخـصـوا لفـدائه أرواح قـدس سـومـهن خطير
ثاوين قد زهـت الـربى بدمائهم فـكأنهـا نـوارهـا الممـطور
هم فتية خـطبوا العـلا بسيوفهم ولها النـفوس الـغاليات مـهور
فرحوا وقـد نعيت نفـوسهم لهم فكان لهم ناعي النفـوس بشـير
فاسـتنشقوا النقع المثـار كـأنه ندّ المجامـر مـنه فـاح عبـير
واسـتيقنوا بالموت نيل مـرامهم فالكـل منـهم ضاحـك مسرور
فكـأنما بيـض الحـدود بواسماً بيض الخدود لها ابتسـمن ثغور
وكأنما سـمر الرمـاح مـوائلا سمر المـلاح يزينـهن سفـور

ادب الطف ـ الجزء الثامن 114

كسروا جفـون سيوفهـم وتقحموا بالخـيل حيث تراكـم الجمهور
من كـل شهم ليـس يحـذر قتله إن لـم يكن بنجاتـه المـحذور
عـاثـوا بآل امـية فـكأنـهـم سرب البغاث يعـثن فيه صقور
حـتى إذا شـاءالمهيـمن قـربهم رجواره وجرى القضا المسطور
ركضوا بأرجلهم إلى شراك الردى وسعوا وكـل سعـيه مشـكور
فزهت بهم تلك العـراص كـأنما فيـهـا ركـدن أهـلة وبـدور
عاريـن طـرزت الـدماء عليهم حمر البـرود كـأنـهن حـرير
وثواكل يشـجي الغـيورحنـينها لـو كان ما بيـن العـداة غيور
حرم لأحمد قد هتـكن ستـورها فهـتكن مـن حرم الالـه ستور
كم حـرة لماأحـاط بـها العدى هربت تـخف العـدووهي وقور
والشمس توقـدبالهـواجر نارها والأرض يغـلـي رملـهاويفور
هتفت غداة الروع باسـم كفيلها وكفيلهابثـرى الطـفـوف عفير
كانت بحيث سـجافها يُبنى على نهـر المـجرة ما لـهن عـبور
يحمين بالـبيض البـواتر والقنا السـمر الشواجروالحماة حضور
ما لاحظت عـين الهلال خيالها والشهب تخطف دونـهاوتـغور
حتى النسيـم إذاتخـطى نحوها ألـقاه في ظل الـرماح عـثور
فـبدا بيـوم الغاظـرية وجهها كالشـمس يسترها الـسنا والنور
فيـعود عنها الوهـم وهو مقيدٌ ويردّ عنها الطرف وهـو حسير
فغدت تـودّ لو انّها نعـيت ولم ينـظر اليـها شـامت وكـفور

أما قصائده الخاصة بسيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (ع) والتي يتعذر ذكرها كاملة فنكتفي بالاشارة اليها ، وأوائلها :
1 ـ ألا لا سقت كفى عطاشا العواسل إذا أنا لم أنهض بثار الأوائل

ادب الطف ـ الجزء الثامن 115

2 ـ فـي طـلب العـز يـهـون الفـنا ولا يــروم الـعــزّ إلا أنــا
3 ـ يـا قـمر الـتم إلـى م الـسـرار ذاب محـبوك مـن الانـتـظـار
4 ـ يغرّ الفـتى بالدهـر والـدهر خائن ويصـبح في أمـن وما هـو آمن
5 ـ ذكـر الــمـنـازل وإلا حـبـه صـبٌ أذاب الـوجـد قــلـبـه
6 ـ الله أي دم فـي كـربـلا سـفـكا لم يجر في الأض حتى أوقف الفلكا
7 ـ مـا بال عيـنك لا تـملّ هيـامها وعصت بمـبرح وجـدها لـوّامها
8 ـ أتغضي فداك الخلق عن أعين عبرا تـودّ بأن تحـضى بطلعـتك الغرّا
* * *