ان خطورة مثل هذا السلوك يكمن ايضا في ان الشخص او الجماعة التي تحاول ان تلاحق سلبيات الاخرين وعيوبهم لتنشرها على الملأ هو غفلتها عن عيوبها وسلبياتها الذاتية ، فالانانية مشكلتها انها تصور الشخص في ذاته خال من كل العيوب ، اما الانسان السوي فانه ينشغل بالتفتيش عن عيوبه وسلبياته الذاتية ، ليقوم باصلاحها ، بهذا يتقدم ويفسح المجال للاخرين لكي يتقدموا ايضا ويشير الامام علي ( عليه السلام ) الى هذا الامر بقوله :
« من ابصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره » (1) .
ذلك الانسان الذي يعرف عيوبه سيصبح انساناً واقعياً وسيعرف ان الخطأ عند الانسان امر فطري .
يقول الامام علي ( عليه السلام ) مشيراً الى هذه الحقيقة ايضاً بقوله :
« لا تتبعن عيوب الناس فان لك من عيوبك ان عقلت ما يشغلك من ان تعيب احداً » (2) .
ويقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
ولا تتبعوا عورات المؤمنين فانه من تتبع عورات المؤمنين تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته فضحه ، ولو في جوف بيته » (3) .
بيد ان البعض يفعل اكثر من كشف سلبيات الاخرين بالافتراء عليهم وتضخيم سلبياتهم وهذا هو الاسوأ .
2 ـ حسد الاخرين :
وهذا مظهر يصاحب الانسان الاناني ، حيث يندفع باتجاه حسد
____________
(1) (2) ميزان الحكمة : ج 7 ص 141 ـ 142 .
(3) المصدر السابق : ج 7 ص 148 .

( 162 )
الاخرين ، ويتمنى ازالة النعمة عنهم ، وسقطوهم من مكانتهم الرفيعة ، ليبقى هو صاحب المكانة والسمو ، والفرق بينه وبين الانسان السوء هو ان الاخر حينما يرى خصلة جيدة في شخص ، او ايجابية كوجاهة اجتماعية ، أو روح قيادية ، او مستوى علمي ... فانه يغبطه ويحاول الوصول الى مستواه ، وهذا يندرج تحت اسم الغبطة ، وهو مباح في الشريعة الاسلامية ، على العكس من الاول الممقوت والمحارب ، حيث يأمر الله سبحانه وتعالى الانسان المؤمن بالاستعاذة بالله منه بقوله :
( ومن شر حاسد اذا حسد ) والحسد مرض اخلاقي يؤثر في نفس صاحبه اكثر من غيره حيث تتركز مشاعر وعواطف وانفعالات الانسان الحاسد حول تمني سقطوط وزوال نعمة الانسان الناجح اوالمتقدم وكلما تقدم ذلك الانسان ازدادت حالة الحسد سوءاً ومرضاً .
يقول الامام علي ( عليه السلام ) :
« الحاسد لا يشفيه الا زوال النعمة » .
« الحاسد يفرح بالشر ويغتم بالسرور » .
« الحاسد يرى ان زوال النعمة عمن يحسده نعمة عليه » .
« ما رأيت ظالماً اشبه بمظلوم من الحاسد ، نفس دائم ، وقلب هائم لازم » .
هكذا يفعل الحسد بصاحبه ، حيث يبدأ بجلب الحزن والهم والاضطراب ، في قلب الحاسد ، ومن هنا قال الامام علي ( عليه السلام ) ايضاً :
« الحسد مطية التعب » .


( 163 )

« الحسود كثير الحسرات متضاعف السيئات » .
وللحسد دور رئيس في ازالة الايمان من قلب المؤمن ، فلا يمكن ان يجتمع الحسد مع الايمان ، لان الايمان يطالب صاحبه بالخير والفضيلة ، والعطف عل الاخرين ، وتمني التوفيق ، والسدادا والغنى لهم ، والمساعدة على قضاء حوائجهم ، بينما الحسد يعني بغض الاخرين ، وتمني اتعابهم واقلاقهم ، وقد وردت احاديث كثيرة تشير الى هذه الحقيقة .
يقول الامام الباقر ( عليه السلام ) :
« ان الحسد ليأكل الايمان كما تأكل النار الحطب » .
ويقول ايضاً :
« اياكم ان يحسد بعضكم بعضاً ، فان الكفر اصله الحسد » .
ان افضل نصيحة يمكن ان تعطى للافراد الناجحين ، الذين يواجهون حساداً ، هو مضاعفة اعمالهم ونشاطاتهم ، فهذا اسلوب ايجابي لمواجهة الحساد ، حيث ينقلب حينئذ السحر على الساحر ، ويتحول الحاسد من مفترس الى فريسة للقلق والمعاناة والصراع النفسي ..
ومن القصص الطريفة التي تنقل في التاريخ ان الحجاج استدعى رجلين احدهما حسود والاخر بخيل وقال لهما : ليطلب كل منكما طلبه ، فاني اعطيه ما طلب ، واعطى صاحبه ضعف طلبته ، فاذا طلب احدكما الف دينار ، فان اعطي الاخر الفي دينار فليبدأ احدكما بالطلب ، فذب التردد في نفسيهما ، واخيراً تقدم الحسود وقال : اي طلبة اطلبها تعطي صاحبي ضعفها ؟ قال الحجاج : نعم . فقال الحسود : ايها الامير


( 164 )
اطلب ان تفقأ عيني اليسرى : فقال الحجاج : لماذا ؟ فرد الحسود : لكي تعطي صاحبي ضعف ما تعطيني فتفقأ عينيه ! فقال الحجاج : اما رأيت طلبة الا هذه الطلبة ؟ لماذا لم تطللب مالاً او منصباً حتى تستفيد منه : فقال الحسود : والله ان تفقأ عيني اهون علي من ان ارى صاحبي يأخذ ضعفين وانا آخذ نصف ما أخذ ؟ !
3 ـ وضع العقبات والعراقيل امام الاخرين ..
حينما يعجز الانسان الاناني عن احداث الفشل في مسيرة الاخرين ، وتحطيم انجازاتهم ، ومكاسبهم عبر الحسد ، واشاعة سلبياتهم مضخمة ، فانه يلجأ الى اساليب اشد خطورة ، حيث يبدأ الشيطان بتشجيعه على معاداة الاخرين ، والوقوف امام تقدمهم ، بوضع العراقيل والعقبات في مسيرتهم ، وتتحول مهمته في الحياة من تطوير ذاته الى تحطيم الطرف المقابل ، وحينما تتبع برنامجه اليومي ، تراه يزخر بفقرات الوقوف امام تقدم الاشخاص الاخرين ، باتباع اساليب غير اخلاقية ، تماماً كالاشخاص الذين يدخلون في سباق رياضي ، حيث يلجأ بعض المشجعين من اجل ان يتقدم الافراد المؤيدين لهم بقذف الحجارة ، وضرب الاشخاص الاخرين المتقدمين في السباق ، لكي يتسنى للمتعاطفين معهم ان يتقدموا على خصمهم ، ان معاداة الاخرين مرض نفسي ، حذر منه الاسلام ، لما له من دور في تحطيم مسيرة التقدم الاجتماعية ، حيث ينحصر تفكير كل شخص بتحطيم الاشخاص الاخرين ، ويبتعد عن الاعمال الانتاجية والايجابية ، التي تعمل على تقدم المجتمع برمته .
يقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
« ما عهد الي جبرائيل ( عليه السلام ) في شيء ما عهد الي في معاداة


( 165 )
الرجال » . (1)
« اياكم والخصومة فانها تشغل القلب وتورث النفاق وتكسب الضغائن » (2) .
وتزداد خطورة معاداة الاخرين ، حينما تحدث بين العاملين على الصعيد الاسلامي ، ممن يرغبون في نشر الاسلام ، وتعاليمه وتطبيق حكم الله في الارض ، حيث ان الانانيين الذين يريدون ان يحتكروا الساحة لانفسهم ، دائماً في صراع مع الاطراف الاخرى المنافسة لهم ، مما يضعف جبهة الحق ، ويقوي جبهة الباطل ، ذلك ان المعاداة بين الاسلاميين هو اضعاف لهم ، وهذا المظهر في الواقع هو مظهر من مظاهر تخلف المسلمين .
هذه هي المراتب الثلاث التي يتدرج فيها الانسان الاناني بدأ من التمحور حول الذات ومروراً ببروز الاخلاق والصفات الانانية السيئة وانتهاءاً بمعاداة الاخرين .


____________
(1) ميزان الحكمة : ج 6 ص 92 .
(2) ميزان الحكمة : ج 3 ص 45 .

( 166 )



( 167 )
الوقاية والعلاج

ان يحب الانسان ذاته ، فيدفع عنها الاسواء ، ويجلب لها المنافع ، ويعمل لاسعاد نفسه وتقدمها ، فذلك امر طبيعي .
والاسلام لايريد من الانسان ان يضر بنفسه ، او يبغض ذاته ، بل ان تعاليمه القيمة تحذر الانسان من تعريض نفسه للهلاك والخطر ( ولاتلقوا بأيديكم الى التهلكة ) (1) وتحمله مسؤولية الدفاع عن ذاته والاهتمام برعايتها قبل كل شيء ( عليكم انفسكم لايضركم من ضل اذا اهتديتم ) (2) .
ولكن كيف يحمي الانسان ذاته ؟ وكيف يضمن السعادة والخير لنفسه ؟
قد يتصور البعض انه لو ترك له الخيار ، وفسح له المجال لتلبية رغبات نفسه وشهواتها فذلك هو الطريق الافضل لاسعاد النفس ومصلحة الذات .. وهذا تصور خاطىء يشبه الى حد بعيد رغبة الطفل في ان نعطى له الحرية الكاملة ليعمل ما يشاء ويعبث كيفما يريد !! ان الطفل قد يعجبه اللعب بالنار التي تحرقه ، وقد يرغب اكل التراب الذي يؤذيه ، كما قد ينزعج من تناول الدواء ، وتلقي الدراسة والعلم !! اليس كذلك ؟
ووظيفة التعاليم الالهية ، والتوجيهات الدينية ان ترشد الانسان الى
____________
(1) سورة البقرة : ـ 195 .
(2) سورة المائدة : ـ 105 .

( 167 )
الطريق الصحيح والسليم لاسعاد ذاته ، وتبين له موارد الخير عن مهاوي الشر ..
اما الانانية المقيتة فهي خداع وضلال ، حيث يهلك الانسان نفسه ظناً منه انه يسعدها ، ويضر بمستقبله ومصلحته توهماً منه انه يخدم ذاته !!
والسؤال الان هو : كيف يقي الانسان نفسه من هذا المرض الخطير ؟
وكيف يتخلص من داء الانانية من ابتلي به ؟
اولاً : الرؤية السليمة :
فنظرة الانسان الخاطئة المحدودة للدنيا والحياة هي التي تخلق الانانية في نفسه وتنمي لديه السلوك والخلق الاناني ، اما اذا اتسعت رؤية الانسان ، وكانت صافية نقية ، فسوف يتجاوز ذاته ، ويهتم بغيره ، وهو بذلك يضمن الخير والمستقبل لنفسه اولا وبالذات ..
والرؤية السليمة الصحيحة انما يستلهمها الانسان من تدبره في آيات القرآن الحكيم والاحاديث الشريفة .
فالايات القرآنية والنصوص الدينية تذكر الانسان بالقسم الاخر والاكبر لحياته ، وهو الدار الاخرة ، وتؤكد له بان الحياة الدنيا ماهي الا مقدمة ومعبر محدود صغير ، وان كل ما يراه في الدنيا من متع ولذات ومصالح لاقيمة لها تجاه ما في الاخرة من نعيم ، وما يعانيه ويلاحظه من مشاكل والآم وعذابات في الدنيا لا توازي ذرة من عذاب وعقاب جهنم الاخرة ..
( ارضيتم بالحياة الدنيا من الاخرة فما متاع الحياة الدنيا في الاخرة الا قليل ) (1) .
____________
(1) سورة التوبة : ـ 38 .
( 169 )

( وللآخرة خير لك من الاولى ) (1) .
( بل تؤثرون الحياة الدنيا * والاخرة خير وابقى ) (2) .
( كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الاخر ) (3) .
كما توجه النصوص الدينية نظر الانسان الى اللذات المعنوية والروحية الى تحصيل محبة الله ورضوانه ، والقرب من رحمته ولطفه ، فما قيمة اللذات المادية ومصالح الدنيا باجملها الى جنب الله ورضاه ؟
( والذين آمنوا اشد حباً لله ) (4) .
( قل ان كان آباؤكم وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) (5) .
وحتى نعيم الجنة وخيراتها تتضاءل امام تلذذ المؤمن وسعادته برضا ربه عنه يقول تعالى :
( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله اكبر ذلك هو الفوز العظيم ) (6) .
____________
(1) سورة الضحى : ـ 4 .
(2) سورة الاعلى : ـ 16 .
(3) سورة القيامة : 20 ـ 21 .
(4) سورة البقرة : ـ 165 .
(5) سورة التوبة : ـ 24 .
(6) سورة التوبة : ـ 72 .

( 170 )

وتعاليم الاسلام تربى الانسان وتدفعه الى تحسس الآم الاخرين وقضاء حوائجهم والاهتمام باوضاعهم . فالانانية حالة مناقضة لتوجيهات الاسلام وسلوك مغاير لمناهجه ، حيث لا يمكن ان يجتمع الايمان والايمان في شخصية الانسان ، واذا ما تظاهر الاناني بالتدين فانه تدين قشري كاذب لاحقيقة له ...
ففي الحديث الشريف عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « من اصبح لايهتم بامور المسلمين فليس منهم ، ومن سمع رجلاً ينادي ياللمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم » (1) .
ويقول تعالى :
( أرأيت الذي يكذب بالدين ؟ فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلحين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الطعام ) (2) .
وبالتدبر في آيات القرآ، الحكيم والاحاديث الشريفة يتضح للانسان ان الشخصية المؤمنة من صفاتها الاساسية الاهتمام بالاخرين وتحمل المسؤولية الاجتماعية وخدمة الغير ففي الحديث الشريف :
« خصلتان ليس فوقهما من البر شيء الايمان بالله والنفع لعباد الله وخصلتان ليس فوقهما من الشر شيء الشرك بالله والضر لعباد الله » (3) .
وفي حديث آخر :
____________
(1) الري شهري : ميزان الحكمة : ج 4 ص 503 .
(2) سورة الماعون .
(3) ميزان الحكمة : ج 5 ص 42 .

( 171 )

« ما آمن بي من يات شبعاناً وجاره المسلم جائع » (1) .
وحتى في مجال الدعاء فحينما يطلب الانسان المؤمن من ربه حاجاته فان الادعية المأثورة الواردة تعلمه وتربيه على ذكر حاجات الاخرين والتوجه الى الله من اجل ادائها وقضائها :
فمن الادعية المهمة في شهر رمضان المبارك مثلاً :
« اللهم ادخل على اهل القبور السرور ، اللهم اغن كل فقير ، اللهم اشبع كل جائع ، اللهم اكس كل عريان ، اللهم اقض دين كل مدين ، اللهم فرج عن كل مكروب ، اللهم رد كل غريب ، اللهم فك كل اسير ، اللهم اصلح كل فاسد من امور المسلمين ، اللهم اشف كل مريض ، اللهم سد فقرنا بغناك ... الى آخر الدعاء » .. (2) .
والانانية انما تنمو عند الانسان حين يغفل عن التدبر في القرآن الكريم والتتلمذ على النصوص والتعاليم الدينية ، واذا كان الماديون يعانون من الروح الانانية فأمر طبيعي لان المادة تسيطر على قلوبهم ، ولانهم حرموا انفسهم من اجواء الايمان ونفحات الرسالة ، ولكن ما هو عذر الانسان المسلم ؟ ولماذا يتفشى داء الانانية في اوساط المسلمين وبين صفوف امة القرآن ؟
ليس الا من غفلة المسلمين عن تعاليم دينهم وتوجيهات ربهم .
ولكي نحارب الانانية في مجتمعاتنا يجب ان نبث تلك الرؤى الاسلامية الصحيحة ، ونوجه الناس دائماً نحو البعد الاخر لحياتهم ..
ثانياً : الوعي الاجتماعي :
____________
(1) ميزان الحكمة : ج 2 ص 194 .
(2) مفتاح الجنان : ص 177 .

( 172 )
الانسان باعتباره جزءاً من المجتمع الذي يعيش فيه فانه يتأثر باوضاع ذلك المجتمع ، فلا يستطيع الانسان ان يصنع له عالماً خاصاً من السعادة والراحة يعيش فيه وحده ، فهناك رأي عام وجو سائد في المجتمع يؤثر على كل افراده بنسبة او بأخرى ، وهناك تفاعل وتأثير متبادل بين الفرد والمجتمع . والاناني يتوهم ويتصور خطأً ان بامكانه ان يسعد ويربح نفسه دون ان يأخذ بعين الاعتبار محيطه ومجتمعه .
فمثلاً الناحية الدينية والاخلاقية لو فكر الفرد ان يصلح ذاته فقط دينياً واخلاقياً ولا شأن له بالاخرين فهل يسلم من تأثيرات الاخرين ؟ كلا . فان الفساد والانحراف اذا فشا في المجتمع فسيتسرب الى داخل بيته وسيؤثر على عياله ان لم يؤثر عليه ، وقد يصل الفساد والانحراف الى مستوى يقيد فيه حرية الفرد المتدين من ممارسة تدينه وصلاحه وهذا هو معنى حديث الامام علي ( عليه السلام ) في وصيته للحسنين : « لا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم » . (1)
ومن هنا اصبح الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضتان شرعيتان حيث لا يكتفي الاسلام من الانسان بان يصلح ذاته فقط بل يطالبه بالعمل والسعي لاصلاح الاخرين .
ومثال آخر على الصعيد الاقتصادي : فلو فكر انسان في توفير الثروة لنفسه ، وتحصيل وسائل الراحة والرفاه ، ولم يهتم باوضاع من حوله من الفقراء والمحتاجين ، فانه لن تتحقق له الراحة والسعادة ، ذلك لان الفقر والحاجة يلجأن بعض العناصر في المجتمع العناصر في المجتمع الى التمرد والثورة ، فتتكون جماعات المقاومة لاصحاب الثروات ، وعصابات السرقة والخطف
____________
(1) نهج البلاغة كتاب : 47 .
( 173 )
والنهب ..
وما نراه الان في الغرب لدى المجتمعات المادية من مؤسسات خيرية واجتماعية ، انما هو نتيجة لشعورهم وادراكهم بردود فعل الفئات الضعيفة والمحتاجة على مستوى العالم والتي تؤثر على مصالحهم واستقرارهم ، وان كانت اشكالات وملاحظات كثيرة على تلك المؤسسات ، ولكن ما نستشهد به هنا هو ان دافعهم اليها ليس دينياً واخروياً وانما لدرء الاخطار الدنيوية .
ان من يحمل وعياً اجتماعياً ، ويدرك تفاعل الاوضاع داخل المجتمع ، والتأثير المتبادل بين الفرد ومجتمعه لايكون انانياً . اما تحصيل هذا الوعي فيأتي عبر توجيهات الاسلام ، والثقافة والمعرفة ، وبالتأمل في تجارب الحياة ..
ومسؤولية المفكرين والموجهين الواعين ان ينشروا الوعي الاجتماعي ويوضحوا للناس ارتباطهم وتفاعلهم مع مجتمعهم ومحيطهم .
ثالثاً : المعادلات الغيبية :
ليست كل شؤون الحياة وقضاياها تخضع للمعادلات المادية الواضحة امامنا فقط . فهناك معادلات وتأثيرات غيبية لا يمكن لنا رصدها باجهزة الكمبيوتر كما نرصد اسعاد اسعاد الذهب وتأثيرات انخفاض او زيادة انتاج النفظ ..
ولكن ما نراه بالتجربة وما تؤكده لنا النصوص الدينية هو ان اهتمام الانسان بالاخرين وعطاءه لهم يجلب له الخير ويبعد عنه الكثير من الاخطار بينما تجاهله للاخرين واعراضه عن مساعدة المحتاجين ، يجعله عرضة للشرور والاخطار .. عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« الرزق الى مطعم الطعام اسرع من السكين الى ذروة البعير ، وان الله تعالى


( 174 )
ليباهي بمطعم الطعام الملائكة » (1) .
وعنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« ان لله عباداً يخصهم بالنعم لمنافع العباد فمن بخل بتلك المنافع على العباد نقلها الله عنه وحولها الى غيره » (2) .
وعن ابن عباس عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
« الجود من جود الله تعالى فجودوا يجد الله تعالى لكم » (3) .
وهناك قصة جميلة تبين نتائج العطاء على المعطي وبشكل لا يتوقعه :
خرج عبد الله بن جعفر الى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيها غلام اسود يعمل فيها ، اذ اتى الغلام بقوته ، ودخل الحائط كلب ودنا من الغلام فرمى اليه الغلام بقرص فاكله ، ثم رمى اليه بالثاني والثالث فأكله ، وعبد الله بن جعفر ينظر فقال : يا غلام كم قوتك كل يوم ؟
قال : ما رأيت .
قال : فلم آثرت به هذا الكلب ؟
قال : ماهي بأرض كلاب انه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت رده .
قال : فما انت صانع اليوم ؟
قال : اطوي يومي هذا .
فقال عبد الله بن جعفر : الام على السخاء ان هذا الغلام لاسخى مني فاشترى
____________
(1) نهج المحجة : ج 6 ص 60 .
(2) نفس المصدر : ص 61 .
(3) نفس المصدر : ص 72 .

( 175 )
الحائط والغلام ومافيه من الالآت واعتق الغلام ووهبه له . (1) .
ومن اوضح مصاديق تأثيرات الغيب في هذا المجال صلة الرحم فقد تواترت الاحاديث وتكررت التجارب حول نتائج صلة الرحم ومضاعفات قطع الرحم فعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
« صلة الرحم تزيد في العمر وتنفي الفقر » (2) .
ونظر الامام جعفر الصادق ( عليه السلام ) الى رجل معمر يقال له : ميسر فقال له : ياميسر لقد زيد في عمرك فأي شيء تعمل ؟
قال : « كنت اجيراً وانا غلام بخمسة دراهم فكنت اجريها على خالي » (3) .
ومظهر آخر للمعادلات الغيبية : تأثير الصدقة على الفقراء والمحتاجين فعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
« الصدقة تسد سبعين باباً من الشر » .
« الصدقة تدفع الاعراض والامراض ، وهي زيادة في اعماركم وحسناتكم » (4) .
والتفت الامام جعفر الصادق ( عليه السلام ) يوماً لابنه محمد قائلاً : يابني كم فضل من تلك النفقة ؟
قال : اربعون ديناراً .
قال : اخرج فتصدق بها .
____________
(1) المصدر السابق : ص 80 .
(2) ميزان الحكمة : ج 8 ص 84 .
(3) المصدر السابق : ص 85 .
(4) المصدر السابق : ص 321 .

( 176 )

قال : انه لم يبق معي غيرها .
قال : تصدق بها ، فان الله عز وجل يخلفها ، اما علمت ان لكل شيء مفتاحاً ومفتاح الرزق الصدقة ؟ فتصدق بها .
قال : ففعلت . فما لبث ابو عبد الله الا عشرة ايام حتى جاءه من موضع اربع الآف ديناراً . (1) .
وكذلك الحال بالنسبة لقضاء الحاجة فمن ساعد اخاه في مهامه وقضاياه المستعصية فان الله تعالى يساعده في حل مشاكله وقضاء حوائجه . يقول الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« من كان في حاجة اخيه المسلم كان الله في حاجته ما كان في حاجة اخيه » (2) .
فاذا كان الانسان يحب ذاته ويريد خيرها وسعادتها فالطريق الافضل والاسلم هو الاهتمام بالاخرين ، ومساعدة الغير ، اما الانكفاء على الذات ، والانانية الضيقة فانها تحطم الذات ، وتسبب الخسران .. فالحياة ليست كلها معادلات مادية واضحة حتى يخدم الانسان ذاته من خلالها فهناك معادلات غيبية هي اشد تأثيراً لابد من مراعاتها ، وخدمة الغير هي معادلة مؤثرة من معادلات الغيب ..
رابعاً : حياة الكرماء ومصير الانانيين :
يعيش الانسان في هذه الحياة مرة واحدة ، ولايتسنى له ان يعود اليها ليستفيد من تجربته الاولى :
( حتى اذا جاء احدهم الموت قال رب ارجعون لعلي اعمل صالحاً فيما تركت كلا انا كلمة هو قائلها ) (3) .
____________
(1) المصدر السابق : ص 323 .
(2) المصدر السابق : ج 2 ص 537 .
(3) سورة المؤمنون : ـ 99 .

( 177 )

ولكن يستطيع الانسان ان يستقرأ حياة الاخرين فيستفيد ويتعظ من تجاربهم ..
لقد عاش في هذه الدنيا البشر وحسب اخر احصائية للمعهد الوطني لدراسة احصائيات الشعوب في فرنسا ان عدد البشر الذين عاشوا على وجه الارض منذ بدء الخليقة والى الان هو 80 مليار نسمة .
ويحتفظ لناالتاريخ بابرز النماذج الخيرة والشريرة من ابناء البشرية وبدراسة حياة تلك النماذج حسب اهتمامات الانسان ، يمكن تحصيل الكثير من التجارب والعظات التي يصنع الانسان حياته على ضوئها وهديها .
فهناك صفحات مضيئة مشرقة سجلها المعطاؤون بكرمهم وتضحياتهم من اجل القيم وخدمتهم للاخرين .. وهناك ملفات سوداء عن الانانيين الذين اصبحوا لعنة التاريخ ..
ولايمكن لعاقل يطلع على سير الكرماء والمصير الاسود للانانيين ثم يختار لنفسه السلوك الاناني .
يقول احد العلماء المراجع :
ذات يوم ارسلت الى ثري ان يبني مشروعاً في كربلاء ـ العراق اي مشروع احب من مدرسة او مكتبة او دار ايتام او حسينية او مسجد او .. فقال الثري لصديقه الرسول : بلغ سلامي الى السيد وقل له : الان ظروفنا حرجة ، وانا لا اقدر على تنفيذ المشروع ! وكم كان يكلفه المشروع ؟ خمسة الان او عشرة الاف في ابعد تقدير ، ولم تمض مدة ستة اشهر الا ومات الثري واخذت الحكومة من ارثه ضريبة تصاعدية بمبلغ ( مليون وثمانمائة الف دينار ) !!
وذات يوم تبرع جمع من التجار لاجل شراء دار لاحد العلماء ، واشتروا


( 178 )
الدار باقل من الف دينار ، وساهم في المشروع ثري تقدر ثروته باكثر من مليون دينار ولكن مساهمته لم تتجاوز عشرين ديناراً . وذات يوم كنت مدعواً في دار الثري ، فاظهر احد الحاضرين ان نفس ذلك العالم بحاجة ملحة فله عائلة و ... فاهتاج ذلك الثري الذي ساهم بعشرين ديناراً ( من الخمس ) قائلاً : هذا لا يكون فهل نتمكن نحن ان نبذل كل يوم ؟ واردف بكلمات اقسى ... ثم رأيت ذلك الثري قد كسحته اشتراكية عبد السلام عارف ، وهو يتلوى كما يتلوى الملدوغ ، وسلط عليه من اقربائه من لم يرحمه ، ففكرت انه وامثاله لو كانوا يعلمون بصورة جادة لئلا يروا هذا اليوم لما رأوه (1) .
ان امتنا الاسلامية تعيش اليوم معركة الصراع والتحدي مع الاستكبار العالمي والتخلف الداخلي واذا ما بقيت امتنا على تأخرها وتحت هيمنة المستكبرين ، فان المآسي والالام ستشمل جميع ابناء الامة ولن يسلم منها حتى الانانيون ..
وتغيير وضع الامة ، وانقاذها من حضيض التخلف والتبعية ، يحتاج الى جهد وعمل تضحوي ، تشارك فيه كل الطاقات والفعاليات ، ولكن الانانية تشكل عقبة كأداء ، تمنع الكثيرين من طاقات الامة من المشاركة في معارك الصراع والتحدي . حيث يهتم البعض بمصالحهم الشخصية وقضاياهم الخاصة المصلحية غير مبالين بواقع امتهم واوضاع بلادهم ومجتمعهم ..
ومالم تأخذ روح المسؤولية موقعها في نفوس ابناء الامة ويكونون مصداقاً لقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
« الا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » .
____________
(1) انفقوا لكي تتقدموا للامام الشيرازي : ص 9 .
( 179 )

فلن تتغير اوضاع امتنا وبلادنا فان الله تعالى يقول :
( ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (1) .
واول تغيير تحتاجه نفوسنا هو انتزاع حالة الانانية والتحلي بروح العطاء والاهتمام بالمصلحة العامة .
وبحمد الله فقد استجابت طلائع الامة لنداء ربها ، وتفاعلت قطاعات كبيرة من جماهير الامة مع الصحوة الاسلامية المباركة وكلنا امل بتوفيق الله ونصره لكي يستعيد المسلمون عزتهم وكرامتهم في ظل الاسلام انشاء الله .


____________
(1) سورة الرعد : ـ 11 .